لماذا لا تتحول القردة اليوم إلى بشر؟ وإذا كان التطور باطلا فكيف تشكلت الأعراق من آدم؟

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/oiht

في هذه الحلقة نستضيف عالم الأنتروبولوجيا البروفسور ستانيسلاف دروبيشيفسكي ليحدثنا عن تطور الأفكار العلمية حول أصل الجنس البشري.

يمكنكم استماع الحلقة كاملة:

خالد 1 

بروفسور دروبيشيفسكي مرحبا.

دبروبيشيفسكي 1 

طاب يومك.

خ 2 

يسرني أن نلتقي في حلقة جديدة من برنامجنا، كما اتفقنا سابقا. ولأن مشاهدينا كانوا على علم بذلك، فقد كتب بعضهم إليّ، يقولون إنك في الحلقة الأولى لم تجب عن سؤال من الأسئلة التي طرحتها عليكم. وعلى سبيل المثال، جاء في رسالة أحد المشاهدين ما يلي: "لقد تهرب ضيفكم بدهاء من الجواب عن سؤال كان بسيطا جدا، وهو: "إذا كان التطور (النشوء والارتقاء) حقيقة واقعة، فلماذا لا تتحول القرود في عصرنا إلى بشر؟".

هذا سؤال مبتذل، لكنه- ومهما بدا ذلك غريبا- من الأسئلة التي غالبا ما يطرحها المؤمنون بفكرة الخلق (الخلقيون). على أية حال، لماذا لا تتطور القرود التي نراها اليوم في حدائق الحيوان، بينما تطورت تلك القرود التي تُعدُّ أسلافا لنا، نحن البشر؟

د 2 

للحقيقة، إن القرود في عصرنا، تتطور. ولكن لا وجود لقوة من قوى الطبيعة التي يمكنها أن ترغم القرود الحالية على التحول إلى بشر تحديدا. إن القرود الحالية هي نتاج سلسلة تطورية مستقلة بخلاف القردة القديمة التي تطورنا منها. وهي تختلف عن القرود القديمة أكثر مما نختلف نحن عن تلك القرود. ولذلك فإن السؤال: "لماذا لا يتحول البشر إلى شمبانزي؟" جوابه لأن قرود الشمبانزي- بحسب بعض المقاييس- تطورت أكثر مما تطور البشر. وبحسب مقاييس أخرى، كان تطورنا نحن بدرجة أكبر. هذا، أولا. وثانيا- وهو الأهم-  لكي نرى سياق التطور لا بد من تتبع حياة أجيال كثيرة متتالية، بلا انقطاع.. وعلى مدى حياة إنسان واحد يمكن تتبع حياة جيلين من القرود، أو  ثلاثة أجيال، لا أكثر. وخلال هذه المدة الزمنية لن يكون تطورها ملحوظا، لأن التطور (النشوء والارتقاء) يستغرق آلاف السنين.

خ 3 

وحتى مئات آلاف السنين....

د 3 

نعم. ولكن بما الإنسان لا يستطيع العيش مئة ألف سنة، فيلجأ إلى دراسة الماضي، وبحث ما جرى خلال مئات الآلاف من السنين السابقة، بمساعدة الباليونتولوجيا (علم الأحياء القديمة)، مثلا، وغيره من العلوم. وهذا يساعد في فهم كيف تطورت القرود الحالية.

خ 4  

وهل عُرف القانون الطبيعي الذي كان وراء تحول أنواع معينة من القرود إلى بشر، بينما أنواع أخرى تطورت على نحو مغاير، والتي سارت بطرق فرعية مسدودة،  وتلك تعيش الآن في ظروف مختلفة عن ظروفنا؟ لماذا بعض القرود تطور دماغها؟ وأخرى، لم تصبح بدرجة ذكاء الإنسان؟ هل ثمة تفسير لماذا قرر التطور مصير القرود بأشكال مختلفة؟

د 4 

طبعا، ثمة تفسير لذلك. إن التطور- في كل حالة من الحالات-  هو سيرورة التكيف مع ظروف حياتية محددة. عاشت القرود القديمة المختلفة في ظروف مختلفة. الآن فقط، يبدو لنا أنها جميعا عاشت على نحو واحد، فوق الأشجار، أما في الحقيقة، فقد كانت ظروف الحياة مختلفة جدا... وكل تفصيل من هذه التفاصيل في غاية الأهمية بالنسبة للنشوء والارتقاء. وتتسم بالأهمية، أيضا، كل حالة من الحالات السابقة، وكذلك تاريخ ما كان يقوم به الأسلاف. تتضمن نظرية التطور مفهوم "التكيف الأولي". وهو يفسر كيف تغيرت وظائف هذه أو تلك من أعضاء الكائنات الحية كي تصبح أكثر فعالية، وأكثر تكيفا لجهة التطور اللاحق. وعلى سبيل المثال، كانت أسلاف قرود البابون الحالية صغيرة الحجم نسبيا. وكانت تتسلق الأغصان وتقفز بينها، مستخدمة قوائمها الأربع. وعندما بدأت تعيش على الأرض، واصلت المشي على أربع. أما أسلافنا، ولأنها كبيرة الحجم نسبيا، فكانت تتنقل بين الأغصان واقفة على أرجلها، قوائمها الخلفية، وممسكة الأغصان الأعلى بأيديها، بقوائمها الأمامية. وعندما صارت تعيش على الأرض، كان انتصاب جذوعها، ووقوفها على قائمتين اثنتين، أسهل من العودة إلى القوائم الأربع. أي أن أسلافنا من القردة، حلوا مشكلات التنقل ونمط العيش بطريقة معينة، بينما قرود البابون فعلت ذلك بطريقة أخرى. عند أسلافنا كان يتطور الدماغ، أما عند البابون فكان يتطور الفكان والأنياب. ومع ذلك، لم يكن تكيف قرود البابون أسوأ من تكيفنا. الآن على كوكب الأرض تعيش بضعة أنواع من البابون، بينما البشر نوعٌ واحد فقط. فمن الذي تطور أفضل من الأخر؟

خ 5 

حسنا، إذن لننتقل إلى موضوعنا لهذا اليوم... ولنتحدث عن أصل الأعراق وهو موضوع مرتبط بسؤالي الأول. الموضوع معقد ما فيه الكفاية، طبعا.... لقد استمعت للكثير من محاضراتك حول هذه المسألة... ووجدت فيها جوانب مثيرة للاهتمام جدا، وتتطلب العديد من الإيضاحات. سؤالي الأول هو: لقد تناولت كيفية تفرع البشرية إلى أعراق، ومتى حدث ذلك، وما الذي لا يزال غامضا في هذه العملية. بدا لي أن وجودَ ثغرات في دراسة هذه المسألة مشكلةٌ مشتركة عند علماء الانثروبولوجيا، وعند الخلقيين (أنصار نظرية الخلق). يقول الخلقيون إننا جميعا من آدم... فما شكل آدم؟ هل كان أسمر البشرة؟ أبيض البشرة؟ منغوليا؟ أم كان يشبه سكان استراليا الأصليين؟  كيف اكتسبنا ألوان بشرة مختلفة، وأعين وأطوال مختلفة من البيغمي وحتى الشمالي الأوروبي والفرق حوالي نصف متر؟ أليس بالتطور؟ هذا سؤال للخلقيين. ولكن كيف يفسر علماء الأنثروبولوجيا اليوم ظهور الأنواع الرئيسة من الأعراق البشرية؟

د 5 

نعم. والأكثر من ذلك.. لي كتابان عن أصل الأعراق البشرية.. عندما يتكلم الأنثروبولوجيون عن أصل الأعراق، فيقصدون أساسا، نتائج دراستهم لخاصيات بنية الجمجمة. وهذا مفهوم، فهم يدرسون ما يجدونه أثناء الحفريات، أي جماجم وعظاما قديمة.. طبعا، لا أحد يستطيع تحديد لون البشرة ولون الشعر بناء على دراسة الجمجمة، ولذلك يلجأ العلماء إلى سمات أخرى. هناك علم الوراثة القديمة (الوراثة الإحاثية)، يساعد في تحديد هيئة أسلافنا، وضمنا لون بشرتهم. وأشير هنا، إلى أن لون البشرة عند أسلافنا تغير في سياق التطور عدة مرات. مثلا، عند العديد من القردة العليا، أشباه الإنسان (عند الشمبانزي) كان لون البشرة أبيض.. ولكن ذلك لا يلاحظ بوضوح تحت وبرها. سحنة الشمبانزي داكنة اللون دائما، بينما جلد جسمه أبيض اللون. عندما فقدت القردة، أسلاف الإنسان، وبرها قبل ما بين سبعة ملايين و مليوني سنة من الآن، صار لون جلدها الفاتح يتغير بالتدريج. وهذا مفهوم لأن الخضاب الداكن في الجلد يقي من الاشعة فوق البنفسجية، ومن الاشعاعات. وأسلافنا كانوا يعيشون في افريقيا الحارة. ولكنهم في ما بعد، وإذ صاروا بشرا داكني البشرة، راحوا ينتشرون في كل بقاع الكوكب، ووجدوا أنفسهم في ظروف مناخية أخرى. وصل بعضهم، مثلا، إلى الشمال. فكيف كانت ظروف حياتهم؟ هناك، في الشمال، الأيام المشمسة قليلة، والأشعة فوق البنفسجية غير كافية. وفضلا عن ذلك، عندما انتقل البشر، قبل سبعة ملايين سنة، إلى نمط الحياة الانتاجي، وأخذوا يزرعون الحبوب، صاروا يأكلون كميات أقل من اللحم والسمك. وهذا كله أدى إلى تناقص فيتامين "د" عند هذا الجزء من المهاجرين، لأن ضوء الشمس والتغذية المناسبة ضروريان لانتاج فيتامين "د" في جلدنا، وذاك الخضاب ذاته. ولذا، فإن الذين كانت بشرتهم فاتحة نسبيا، وجدوا أنفسهم (في الشمال) في وضع أفضل. وكان أطفالهم أكثر تكيفا مع ضرورات البقاء على قيد الحياة. ومن جيل إلى آخر، كان لون بشرتهم يغدو فاتحا أكثر. ولكن كل مجموعة من البشر الذين انتقلوا إلى الشمال، كان لون بشرتها يصير فاتحا بطريقة مختلفة. الذين كانوا إلى الشرق أكثر، في آسيا، صاروا منغوليين...والذين في الغرب صاروا أوروبيين. أما المجموعات التي بقيت في افريقيا فصارت أكثر سمرة، أو سوادا، مقارنة بما كانت عليه أصلا. وعلى سبيل المثال، في الجزء الجنوبي من السودان، أو  شمال كينيا، توجد مجموعات من البشر لون بشرتهم أكثر سوادا من ذوي البشرة الداكنة، من الزنوج الآخرين. وهذا مفهوم تماما لأن الإشعاع الشمسي في هذه المناطق من الكرة الأرضية يكون في حده الأقصى. وهناك يمكن أن "تلفح الشمس" حتى أكثر البشر اسمرارا وسوادا. ولذلك من السهولة تفسير هذه التغيرات التي تطرأ على لون الجلد. ولكن الأعراق لا تصنف بحسب لون البشرة، بل بناء على جملة من السمات... والأعراق، عموما، هي تاريخ رصيدنا الجيني.

خ 6  

ثمة الكثير من تعريفات الأعراق تبعا للنظريات المتعلقة بذلك، فلعلماء الوراثة تصوراتهم النظرية بهذا الخصوص، وللأنثروبولوجيين تصورات أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة لعلماء الأعصاب. وهذا ما يدعوني للسسؤال عن تعريفك للأعراق؟  فهل لك ان تشرحوا لنا ماهي الأعراق؟

د 6 

عموما لا يوجد تعريف محدد للأعراق عند علماء الوراثة ولا عند علماء الأعصاب. وأنا، كاختصاصي في الأنثروبولوجيا، أقول لك إن العرق هو مجموعة أحياء من نوع واحد يقطنون في منطقة معينة، لهم أصل واحد، وتاريخ رصيد جيني مشترك، الأمر الذي يجد تعبيره في مركب من السمات البيولوجية المتوارثة. وفضلا عن ذلك، هناك تباينات واضحة داخل كل عرق من الأعراق. أنا أردد هذا التعريف في محاضراتي. وإذا أردنا التبسيط أكثر، فالعرق هو تاريخ مجموعة من البشر، تتجسد بدقة (ويمكن تتبعها) في الجينات. ومن المهم هنا التأكيد أن التباينات العرقية، الجينية تحديدا، قد تكون على درجة من الدقة بحيث لا يلاحظها إلا المختصون. التباينات بين الأعراق البشرية في حقيقة الأمر زهيدة جدا، مقارنة بالتباينات بين أنواع الحيوان المختلفة. أي أن الأعراق ليست أنواع إنسان مختلفة، بل مجرد تبدلات صغيرة لنوع واحد. 

خ 7 

وعلى أي مستوى يمكن  رصد التبدلات ؟

د 7 

هذه التبدلات يمكن تتبعها على المستوى الجيني. ولكن تحليل الجينوم مسألة على قدر كاف من الإشكالية بالنسبة للأنثروبولوجيين. ولذا، من الأسهل دراسة التجليات الخارجية للتغيرات الوراثية. هنا، يجب دائما حسبان أن التغيرات الخارجية مرتبطة بتغيرات البيئة الخارجية، كما في حالة لون البشرة. بالمناسبة، أشير إلى أن جلد ذوي البشرة الداكنة تؤثر عليه أشعة الشمس، بدرجة أكبر من تأثيرها على جلد ذوي البشرة الفاتحة. وهذا كله موضع بحث، ودراسة عملية، من قبل علماء الوراثة. فهم يأخذون عينة من جزء الجسم الذي لا يتعرض عمليا  لتأثير الشمس ويدرسون بالتفصيل طريق التطور الوراثي لهذه العينة. وأكرر، أن الانثروبولوجيين الذين يشتغلون على المستحاثات وبقايا أسلافنا، من الصعب جدا عليهم إيجاد تباينات عرقية، وتتبع تاريخها من خلال ذلك. وحتى أننا، إذ ندرس شكل الفكين وتجويف العينين وقبو الجمجمة لدى البشر القدماء الذي عاشوا قبل عشرين ألف، أربعين ألف سنة، نجد أن بنيتها كانت مختلفة تماما عما هي الآن. أي لم تكن آنذاك أعراق كالأعراق الآن. وهذا يعني أنه لم يكن هناك أوروبيون، زنوج، أو منغوليون بمفهومنا الحالي. كانت أعراق صغيرة جدا، على نطاق ضيق جدا، هاجرت وتنقلت في افريقيا، وأوراسيا، وصولا إلى استراليا، وحتى انها عبرت إلى أمريكا. ولكن في ما بعد جرى ما يلي: بعض هذه الأعراق الصغرى بدأت تمارس نمط الحياة الإنتاجي- زراعة الحبوب، وتدجين الأغنام والأبقار البرية، أي انتقلت إلى حياة الاستقرار. هذه المجموعات تفوقت على الرحل. كان لديها تغذية دائمية، وأسلوب حياة منتظم. وصارت تتكاثر بنشاط. أما من تكاثروا من هذه المجموعات المستقرة فصاروا أسلاف تلك الأعراق الكبيرة التي نراها اليوم، وقد ابتلعت، إلى حد كبير، المجموعات الأخرى صغيرة العدد. في مكان ما، تأقلمت مجموعات صغيرة، وفي مكان ما أزيحت، ولم يبق سوى المجموعات الكبيرة. ولكن ليس في كل مكان. بقيت أماكن لم يكن فيها (والآن لا يوجد فيها) نشاط إنتاجي، وهناك تعيش الأعراق الصغرى. ولكن أشير إلى أن هجرات البشر لم تتوقف مع ظهور المجموعات الكبيرة. كان سكان الكرة الأرضية يتنقلون دائما لأسباب مختلفة.. وتخالطوا في ما بينهم. هذه عملية دينامية. ولم تكن ثمة في التاريخ مرحلة خالية من الأعراق. فالأعراق لم تظهر فجأة، ولم تبق بلا تغير. بل كانت تتغير دائما... وهي، حتى الآن تتغير، أمام أعيننا مباشرة.

خ 8 

ربما، لذلك، الآن ومع تبلور عدد معين من الأعراق، فإن عددها يتغير... أليس كذلك؟ لماذا هي ثلاثة تارة، وأربعة تارة أخرى، بحسب تصنيفات مختلفة؟

د 8 

هذا بالذات أمر بسيط... ثلاثة، أو أربعة فقط، بل من المحتمل أكثر. إنه تقسيم تقريبي جدا، بحسب المؤشر الجغرافي وتاريخ الرصيد الوراثي. افتراضيا،  يمكننا الحديث حتى عن عرق واحد،  وبالنسبة لقارة واحدة فقط. ولكن من المتعارف عليه الحديث عن عرق واحد للمتحدرين من افريقيا، وعن عرق المتحدرين من جزء أوراسيا الغربي، ومن جزئها الشرقي، ومن استراليا، ومن أمريكا. ولكن مع ذلك، أكرر، في حقيقة الأمر، يوجد الكثير من الأعراق الصغيرة.

خ 9  

ومع ذلك، نحن نرى، أن كل عرق يتميز بنمط معين للوجه، وشكل العيون... من الضيقة إلى المستديرة. نحن نلاحظ تباينات مورفولوجية في شكل الأنف، والشفاه، والكثير الكثير غير ذلك، ما لا يمكن نكرانه. وبحسب هذه السمات نحدد فورا من ينتمي إلى أي عرق من الأعراق!؟ لنقل إن هؤلاء يمكن تمييزهم...  

د 9 

كلا، في الواقع، الأمور ليست على هذا النحو...

خ 10 

ولكن هذه التباينات ظهرت بشكل ما؟ كيف يفسِر تاريخُ التطور السببَ في أن هذه السمة أو تلك، صارت المميزة للعرق؟ أم أن هذا التفسير غير موجود؟

د 10 

التفسير موجود طبعا، بل وأكثر من تفسير... لأن هناك الكثير من السمات المورفولوجية بالنسبة لعرق واحد. وكل سمة منها تشكلت على نحو مختلف. جزء من السمات يحمل طابع التكيف... أي أنها انبثقت عند التكيف مع ظروف معينة. لنتذكر مثالنا عن لون البشرة. البشرة الداكنة حمت الإنسان الذي يعيش عند خط الاستواء، من الضوء الساطع جدا، من الأشعة فوق البنفسجية. أما البشرة الفاتحة فساعدت الإنسان الذي يعيش في الشمال على تركيب فيتامين "د". هذه هي إذن سمات التكيف مع ظروف الشمال والجنوب. بل إنها قد تنتقل وراثيا بأشكال مختلفة. بالمناسبة، يندرج ضمن سمات التكيف، مثلا، الأنف العريض، والشفاه الممتلئة، والفك الناتئ، عند سكان الجنوب. وهذا يساعد في تبريد جسم الإنسان هناك...

خ 11 

أي كمنظومة تهوية.

د 11 

نعم. بينما الأنف الضيق، والشفاه الرقيقة، بالعكس من ذلك، تحافظ على الدفء في جسم الإنسان الذي يعيش في مناطق البرد. أي أن كل شيء وفق قانون طبيعي...

خ 12 

 وماذا عن شكل العينين؟

د 12 

هذه قصة أخرى. شكل العينين على الأرجح لم يكن من سمات التكيف. ظهر قسم من هذه السمات نتيجة "الاصطفاء الجنسي"، بمعنى أن صفة أحد شريكي المستقبل التي كانت تحظى بإعجاب الشريك الآخر أكثر من سواها، كانت تنتقل بالوراثة من جيل إلى جيل. على سبيل المثال، إذا كانت العيون الضيقة تعني- في مجتمع ما- الجمال والعافية، فالشخص الذي يتمتع بهذا المواصفات يكون حظه بالنجاح أكبر. أما الأشخاص ذوي العيون المستديرة الواسعة، فلا يجدون الشريك إلا بصعوبة... وكانوا يخلفون ذرية أقل عددا... ومعايير الجمال لم تكن تنطبق على أطفالهم. بالمناسبة، العديد من الجماعات القديمة كانت متشددة، غير متسامحة في مثل هذه التفاصيل، وكانت تنظر إليها بجدية واهتمام. وفضلا عن ذلك، ظهر قسم من السمات صدفة.. وكثير منها لم تكن تعني شيئا في تحديد العرق. يمكن أن ينسب شكل جسر الأنف إلى الصدفة، وإلى نتائج اختيار شريك الحياة سواء بسواء. أما شكل شحمة الأذن فهو سمة حيادية. هذا المؤشر لا يعني شيئا... ولا ينبئ بشيء عن الانتماء العرقي أو القومي لهذا الشخص أو ذاك. ولكن، مع ذلك، في مجموعات ما، سيكون بالإمكان اكتشاف عدد من السمات الحيادية أكبر مما في مجموعات أخرى. ووجودها هنا أو هناك جاء بمحض الصدفة. وهذه تسمى سيرورات وراثية- أوتوماتيكية، وتغيرات عشوائية في الأنماط الجينية عند تعاقب الأجيال.. وهناك عامل يسمى (أثر المؤسس) لنفترض، مثلا، أن مجموعة من البشر القدماء استوطنت في جزيرة صغيرة. وفي هذه المجموعة شخص أمغر البشرة. أي في جزيرة استوطنها عشرة أشخاص، واحدٌ أمغر بين عشرة يعني 10% من السكان.. إذن، في الجيل القادم في هذه الجزيرة سيكون طفلان أمغران، تقريبا.. ومن هذين الأمغرين- سيولد أربعة مغر. وبمضي بعض الوقت سيكون الجميع هناك مغرا. أي سيحملون مؤشر أحد أسلافهم، مؤسس ذريتهم. وهناك أيضا "أثر عنق الزجاجة"، أي عندما يبقى على قيد الحياة عدد صغير من الأشخاص من بين مجموعة ما كبيرة... وهذا غالبا ما كان يحدث  بسبب الكوارث، والمجاعة، والبرد، أو العداوة مع قبيلة ما مجاورة. في هذه  الحال، من بقي على قيد الحياة يورث سماته إلى الأجيال اللاحقة. وإذا بقي في تلك المجموعة، مثلا، شخص كبير الأنف، فأفراد ذريته كانوا يولدون كبار الأنوف. ولو بقي شخص ما بأنف صغير، لانتقل هذا المؤشر جيلا بعد جيل، فهذه المؤشرات أيضا حيادية، لا تحدد العرق.

خ 13 

حسنا. إذن سأطرح عليك سؤالا مسهبا بعض الشيء... مرة أخرى أعود إلى محاضرة من محاضراتك. كانت سابقا نظريات تقول إن مختلف أنواع الأعراق جاءت من الهومينيد (القردة العليا)، أي من مختلف القرود أسلاف الإنسان. فتلك القرود التي عاشت على أراضي أمريكا اللاتينية صارت أسلاف عرق معين. أما قرود قارة أخرى فصارت أسلاف عرق آخر. حتى أن بعض العلماء أكدوا أن جميع البشر جاؤوا من قرود أمريكا اللاتينية. واليوم، يعتقد بعض العلماء أن البشر لم يأتوا من افريقيا أصلا. ما رأيك؟... هل حُلت المسألة، في هذه الموضوع، بما لا يقبل التأويل؟ وهل أتينا جميعا من نوع قرود واحد؟ أي أن لجميع البشر العاقلين نوعا واحدا من الأسلاف؟ أم أننا أتينا من أنواع مختلفة؟

د 13 

كلا. كل شيء في هذا الموضوع وجد حلا، لا لبس فيه ولا غموض... وهذه السجالات حسمت في ثلاثينات القرن الماضي.

خ 14 

وما البرهان الرئيس؟

د 14 

مضت تقريبا مئة سنة مذ حسمت النقاشات. وثمة عدد كبير من البراهين... أكثرها جلاء- البراهين الباليونتولوجية.. واستنادا إلى نتائج الحفريات في افريقيا بنى العلماء سلسلة التطور المتعاقب للانسان، من القرود البدائية وحتى الحالة الراهنة. وهذا نسق كامل متواصل من اللقى، أي البراهين.. نحن نستطيع تتبع ذلك بناء على عظام البشر القدماء؛ ومن لحظة معينة- بناء على الأدوات التي كان أسلافنا يستعملونها. بل نستطيع تتبع طريق هجرتهم. في البداية كان الاتجاه إلى الشرق الأوسط، ثم القوقاز، ثم ساحل المحيط الهندي، ثم أبعد فأبعد وأبعد. وأخيرا، بعد ذلك كله، وصل أحفاد سلفنا المشترك إلى أمريكا. واستنادا إلى ما عُثر عليه من بقايا بشر قدماء، نرى بوضوح أن جميع البشر المعاصرين ينتمون، بما لا يقبل التأويل، إلى نوع واحد.

خ 15 

وكيف وصل البشر القدماء إلى تلك الأصقاع النائية؟ ... إذا حاكمنا الأمور بناء على الخرائط الجغرافية، نجد من الصعب جدا الوصول، مثلا، من افريقيا إلى استراليا أو أمريكا اللاتينية؟ فهل يا ترى، كانت في المحيط مناطق برية، صالحة للتنقل، إبان  عملية التطور في الزمن الغابر؟ أم أن أسلافنا القدماء كانوا يتقنون الملاحة بوسائط ما، ليقطعوا بها البحار والمحيطات؟... وبأي شكل تمكنوا من الانتشار على نطاق واسع، في كل أنحاء الكوكب؟

د 15 

حركة الصفائح القارية جارية بلا انقطاع، ولكن هذه العملية لا تؤثر على شيء في نطاقات وجود الإنسان المعاصر. أما تذبذب منسوب المحيط فله تأثيره في هذا المجال. مثلا، في زمن العصور الجليدية، وهي أكثر من مئة، كانت كتل المياه تتحول إلى جليد في القطب الجنوبي. ومنسوب المحيط كان ينخفض، فظهرت جسور، أو معابر برية. ولكن استراليا، على سبيل المثال، لم تكن متصلة مع القارات الأخرى، أبدا. ولذلك بقيت هناك كثرة من الحيوانات النادرة. فالناس القدماء، إذن، كانوا يعرفون الملاحة البحرية. ونحن نجد أدلة على رحلات من هذا القبيل حتى قبل مليون سنة. لقد عثرنا على عظام وأدوات في الجزر التي لم تكن متصلة أبدا مع أي جزء من اليابسة.

خ 16 

أيعقل أن البشر عرفوا ذلك قبل مليون سنة؟ ولو أنهم لم يكونوا بشرا تماما بعد...

د 16 

بل كانوا بشرا؟  (إنسان جاوا) - بشر.

خ 17 

البدائيون... حسنا.

د 17 

وما الذي كان يمكن أن يعيقهم عن ذلك؟ نحن ببساطة لا نقدر حق التقدير إمكانات الناس القدماء.

ح 18 

هل كانوا يصنعون طوافات ما؟ أكيد أنهم لم يصنعوا سفنا؟

د 18 

عند معظم البشر المعاصرين صور نمطية بأن الإنسان القديم  شخص أحدب، أشعث، متجهم، متسخ البدن، يحمل هراوة. لم تكن الأمور على هذا النحو. أسلافنا، بحسب العديد من المؤشرات، كانوا أكثر مهارة وقدرة من معظم البشر المعاصرين. الإنسان المعاصر يعيش على كل ما هو جاهز. أما سلفنا فكان عليه كل مرة أن يخترع شيئا ما ويصنعه بنفسه. ولذلك قبل ملايين السنين كان يتقن الكثير.. كان أسلافنا قادرين تماما على صنع طوافات والإبحار عليها. ثمة لقى كهذه في جزر البحر المتوسط، والصين، واندونيسيا، وفي جزيرة فلوريس، وجزيرة سولاوسي، وجزيرة لووزن في الفليبين. البدائيون، إذن، ركبوا البحر قبل مليون سنة. وكذلك إنسان نياندرتال.

خ 19 

أي أن البدائيين كانوا يتقنون الملاحة البحرية. وهذا ثابت بمعطيات علم الآثار.. أليس كذلك؟

د 19 

نعم، نعم. في جزيرة فلوريس عثر على أداة قديمة عمرها مليون سنة. وفي الوقت نفسه، في جزيرة جاوا التي لا تبعد كثيرا وحيث عاش البدائيون، عثر فضلا عن العظام، على أدوات مماثلة.. طبعا، كانوا يرون الضفة الأخرى، ويعرفون الى أين يجب الإبحار، ولكن كان ينبغي التفكير بوسيلة ما لهذا الغرض، وصنع وسيلة ملاحية مأمونة. وطبعا، صنعوا طوافات ما، أو قوارب من جذوع الأشجار. لم يكن ذلك بالنسبة لهم أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد. كانوا بشرا على قدر من الذكاء... الدماغ عندهم كان يزن كيلوغراما واحدا. وعند الإنسان المعاصر يزن الدماغ في المتوسط كيلوغراما واحدا وثلاثمئة غرام. دماغنا على أية حال أكبر، ولكن الفرق – كما ترى – ليس هائلا.

خ 20 

بروفسور دروبوشيفسكي شكرا لك ونلتقي في الاسبوع القادم.

د 20 

إلى اللقاء.

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا