المادي والمثالي في العقل البشري. الإبداع والتأمل نموذجا

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/of10

نستضيف في هذه الحلقة عضو أكاديمية العلوم الروسية رئيس معهد دراسة دماغ الإنسان، الفسيولوجي سفياتوسلاف ميدفيديف.

سفياتوسلاف ميدفيديف هو نجلُ العالمة الشهيرة ناتاليا بيختيريفا، وهي حفيدة مؤسس أبحاث مورفولوجيا الدماغ في روسيا القيصرية الأكاديمي الشهير عالميا فلاديمير بيختيريف. في هذه الحلقة يحدثنا الأكاديمي ميدفيديف عن ميزات دماغ المبدعين ومن يمارسون التأمل بانتظام ويبين ما الذين يجعلهم أطول عمرا وأكثر صحة عقليا وبدنيا من غيرهم.  

ضيف هذه الحلقة من برنامجنا، الأكاديمي سفياتوسلاف ميدفيديف، سليلُ عائلة من العلماء المتميزين ذوي الشهرة العالمية. جدُ أبيه، الأكاديمي فلاديمير بيختيريف، العالم الروسي المتخصص في الفسيولوجيا، وطبيب الأمراض النفسية، مؤسس أبحاث مورفولوجيا الدماغ، مؤلف سبعة مجلدات بعنوان "أسس دراسة وظائف الدماغ".

 أواخر القرن التاسع عشر- أوائل القرن العشرين، أرسى فلاديمير بيختيريف قواعد اتجاه علمي جديد- هو علم النفس العصبي. وأسس في روسيا ثلاثة وثلاثين معهدا لضمان نجاح العمل في ميدان علم الأعصاب وعلم النفس، وعلم الأمراض العصبية. وكان أول من صاغ قوانين علم النفس الاجتماعي، ووضع الأسس لدراسة نمو الشخصية، ودرس التنويم المغناطيسي عن كثب، ووضعه لأول مرة في مجال الممارسة الطبية في روسيا.

توفي فلاديمير بيختيريف عام 1927، مخلفا ألاف الأتباع من العلماء. ومن هؤلاء حفيدته ناتاليا بيختيريفا، والدة ضيفنا سفياتوسلاف ميدفيديف.

بيختيريفا حصلت على شهادة دكتواره دولة في العلوم الطبية. وهي معروفة في العالم كله

كخبيرة بارزة في فسيولوجيا الأعصاب، وباحثة شهيرة في مسائل الدماغ. طبقت بيختيريفا،

لأول مرة في الاتحاد السوفيتي، أسلوب زرع الأقطاب الكهربائية في دماغ الإنسان لأغراض التشخيص والعلاج. كما أنها استطاعت تحديد خاصية بعض الخلايا العصبية في الاستجابة للمحتوى الدلالي للكلام وضمان نشاط التفكير عند الإنسان، ما عُدَّ في حينه اكتشافا في هذا

الميدان. في عام 1968 ورد  في أعمالها أول وصف لظاهرة رد فعل الدماغ على الخطأ أثناء أداء مهمته. وسميت تلك الظاهرة "كاشف الخطأ". في عام 1990 تبوأت نتاليا ييختريفا إدارة معهد أبحاث دماغ الإنسان التابع لأكاديمية العلوم الروسية. إن الدراسات والتجارب التي اشتغل عليها العاملون في هذا المعهد، كانت دائما رائدة في ميدان العلم.

 كان وراء تأسيس المعهد، تنظيميا ومعنويا، سفياتوسلاف ميدفيديف، نجلُ نتاليا بيختيريفا.

وهو عضو أكاديمية العلوم الروسية، وحائز جائزة إيفان بافلوف في مجال الفيسولوجيا والطب. وفي معهد أبحاث الدماغ كان مديرا لمختبر "التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني"، ولمختبر تصوير الأعصاب. كما أنه أشرف على دراسة ظاهرة ما يسمى البصر المباشر، أو البديل. وليس مستغربا أن صار، بعد حين، المبادر لدراسة عمل الدماغ أثناء التأمل.

في عام 2018 تأسس صندوق باسم الأكاديمية نتاليا بيختيريفا لدعم أبحاث الدماغ. وبمساعدته افتتح في الهند المركز العلمي الروسي لأبحاث التأمل وحالات الوعي المتغيرة. وفي إطار هذا المشروع القائم على أرض تابعة لدير تاتشي لونبو، تأسس مختبرٌ للأبحاث الفسيولوجية والفسيولوجية العصبية، مزودٌ بأحدث الأجهزة والمعدات. وبمشاركة الباحثين من رهبان الدير، يُجري الأبحاث في هذا المختبر علماءٌ روس من معهد أبحاث دماغ الإنسان في جامعة موسكو الرسمية، ومعهد المسائل الطبية- البيولوجية.

 

مقدم البرنامج1 

 سيد ميدفيديف مرحبا بك، سعيد بمشاركتك في برنامجنا

ميديفيديف 1 

مرحبا!

مقدم البرنامج 2 

لقد أجريتَ بحوثا وتجارب عملية متعلقة بعمل الدماغ عند تأمُّل التنترا في الأديرة البوذية. حدثنا من فضلك عن الحالات الأكثر إثارة، والنتائج الرئيسية في رحلاتك العلمية. إذ لم تكن هناك رحلة علمية واحدة وحسب بل عدة رحلات حسب علمي؟

ميدفيديف 2 

إن كان لا بد من الحديث عما كان مثيرا للاهتمام بشكل خاص فإن ذلك لم يكن مرهونا بمجال العلوم حول الدماغ، بل بمجال فلسفة الحياة في الأديرة البوذية، وعلاقة هذه الأديرة بالعالم المحيط. وكانت هذه التجربة مفيدة جدا حتى أنها جعلتني أعيد النظر في كثير من المعتقدات، وأنظر إلى الواقع بطريقة مختلفة كليا. أما ما يتعلق بالنتائج فقد أذهلتني إمكانيات الرهبان الهائلة في مجال التأمل. كان من بينهم من يستطيع أن يدخل في حالة تأمل بشكل رائع بحيث ينفصلوا عن العالم المحيط بهم عمليا، كما لو أنهم وضعوا حاجزا بينهم وبين العالم الخارجي. طبعا كان هناك أيضا من لا يستطيع القيام بذلك بغض النظر عن طول فترة ممارسة حالة التأمل.

مقدم البرنامج 3  

كيف يمكن شرح ذلك من وجهة نظر مورفولوجيا الدماغ- تركيبه العضوي؟ أقصد أن الناس مختلفون، وهذا مثبت من خلال حقائق تنوع الأدمغة والاختلاف في بنيتها العضوية؟ ربما يوجد لدى بعض الناس مناطق في الدماغ لديها آهلية للتأمل أكثر من الاخرين؟ 

ميدفيديف 3  

جميع الأحاديث التي تتعلق بمناطق الدماغ يجب أن يتم تناولها بشكل علمي. هناك مفهوم شائع يتم تداوله وهو "المركز الدماغي". هناك مركز الكلام، ومركز الانتباه، وغير ذلك. من هنا عندما يحدثك بعض الناس عن هذه "المراكز" فإنهم يقومون بخداعك. في الواقع لا وجود لهذه المراكز! والدماغ يشارك بأكمله بحل سائر المسائل. تقوم بذلك المنظومة المتشعبة الهائلة الموجودة في الدماغ. من هنا حين يقال أن "مركز الكلام" معطوب فإن هذا القول يماثل قولنا بأن مكبرات الصوت معطلة في التلفزيون، لكن هذا الجهاز يقوم بنقل الصوت، وما من أحد يذكر أن الصوت نفسه إنما يأتي من الاستوديو في محطة التلفزيون، ويصل إلى مكبر الصوت، ومن ثم يتم فك تشفيره من خلال هذا الجهاز، ونحن واقعيا نطلق تسمية "المراكز" على تلك الأجزاء من الدماغ التي تعمل وفق مبدأ الكاشف-بمعنى تسجيل البيانات الواردة إليه. لقد رأينا كيف يمر الشخص بمراحل مختلفة بشكل تدريجي إبان مسار التأمل، وبشكل خاص التانترا. كيف إذن قمنا بدراسة ذلك؟ لقد راقبنا عملية تخطيط كهربائية للدماغ سجلت بشكل متزامن مع تسجيل حالة الشخص الذي يتم فحص دماغه على الفيديو. بمعنى أننا نحصل على تسجيل الفيديو لشخص معين أثناء حالة التأمل، ونحاول فهم ما الذي يجري له في هذا الوقت بالذات، وما هو نموذج هذا التأمل الذي يمر به، ونحاول أن نقارن بين حالة الشخص الظاهرية وما نتلقاه عبر بيانات التخطيط الكهربائي لدماغه. هذا ما فعلناه إبان رحلاتنا العلمية. لقد قمنا بفحص قرابة مائة وعشرين راهبا، وهذا رقم كبير جدا، وكان من بيهم الكثير من رهبان التانترا. وأنا أشعر بالامتنان بلا حدود لقداسة الدالاي لاما لآنه كان عمليا يشجعنا على العمل في كل حديث نجريه معه.

مقدم البرنامج 4  

نعم، هذا مثير للاهتمام. أريد أن أقرأ لك مقطعا وأريد رأيك في هذا الكلام. "يوضح الدكتور إندريو نيوبيرغ من جامعة بنسلفانيا أثناء بحثه بأن التأمل يخفض من تدفق الدم في القسم الخلفي من التعرج-التلفيف الجداري العلوي للدماغ المسؤول عن الإحساس العميق وحدود الجسد. وهذا يوضح تماما الشعور بالوحدة مع الكون التي غالبا ما يتحدث عنها الناس الذين مارسوا هذه التجارب. وإن تم إيقاف عمل هذا التلفيف، فإن المرء كما يرى نيوبيرغ سيكف عن الإحساس أين ينتهي جسده وأين يبدأ العالم الخارجي".  هل توصلت إلى مثل هذا الاستنتاج أم أن لديك معطيات أخرى؟  

مدفيديف 4  

يمكن أن أعلق على اقتبسته بما يلي: لقد تقدم نيوبيرغ بتصريح جريء عما اكتشفه. غالبا ما يكتب الناس مثل هذه التصريحات بحيث يجعلون المأمول واقعا. نعم يُخفض التأمل تدفق الدم في القسم الخلفي من التلفيف الجداري العلوي للدماغ، ولكني أنظر إلى هذه الدراسة بكثير من التشكك. لماذا؟ من المرجح أن يكون قد استخدم لقياس تدفق الدم جهاز الرنين المغناطيسي.  صدر الجهاز ضجيجا، ويومض كل شيء ويهتز. ولهذا فإن القياسات التي يتم الحصول عليها لن تكون دقيقة دائما. لقد درست مسألة الانتباه لفترة طويلة، وأنظر نحو البحوث باستخدام جهاز الرنين المغناطيسي بشك كبير. وذلك تحديدا لأن البحث يجري في وضع غير طبيعي نهائيا. إننا نسافر خصيصا إلى الأديرة ونجري البحوث على الرهبان في الأديرة بشكل مباشر هناك حيث يعيشون. وأحيانا في غرفهم. لكي يشعر الواحد منهم بوضعية مألوفة حتى الحد الأقصى. طبعا تقدم البحوث عبر جهاز الرنين المغناطيسي بعض المعطيات. ولكن عملية فك رموز المعطيات تحتاج إلى الكثير من الوقت والدقة، وهذه الدراسات مهمة ولا أريد القول أنها سيئة. على أنني أدقق مرة أخرى وأقول أن مثل هذه البحوث تحتاج إلى مهنية احترافية عالية في فك شفرتها لأن إجراء الاختبار قد يجري على الشخص في ظروف غير طبيعية نهائيا.

مقدم البرنامج 5 

مفهوم، نعم.

مدفيديف 5 

يمكن مقارنة ذلك بأن يوضع طالب داخل جهاز طرد مركزي، ويطلب منه أن يجيب عن أسئلة الامتحانات.

***

درس العديد من الاختصاصيين الغربيين الدماغ عند الأشخاص الذين يمارسون التأمل. ولقد اكتشف علماءٌ من جامعة كاليفونيا في لوس أنجلوس، أن الدماغ عند من يتمتعون بقدرة التأمل، يهرم بوتائر أبطأ كثيرا مما عند الآخرين. ويعود ذلك، كما يرى هؤلاء العلماء، إلى أن  أجزاء الدماغ التي نادرا ما تعمل أثناء النشاط اليومي، تتفعل أثناء التأمل. وإلى هذه الاستنتاجات

أضاف باحثون من جامعة ييل، أن ممارسة التأمل-  كما ثبت لهم-  تخفِّض نشاط "شبكة النظام السلبي لعمل الدماغ (شبكة الوضع الافتراضي)". ومن وجهة نظر فسيولوجيا الدماغ، فإن

 التأمل يشبه الاستراحة، فعلا.  وفضلا عن ذلك، أوضحت مجموعة علماء من جامعة هارفارد أن الدماغ، أثناء هذه العملية، يتوقف عن معالجة الكم المعتاد من المعلومات. ومن المميز لحالة اليقظة النشطة أن إيقاع بيتا يتلاشى. وهذا، على ما يبدو، يتيح للدماغ أن يستعيد حيويته. وعند إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي لأشخاص يمارسون التأمل بانتظام، لوحظ أن فعالية الدماغ تلاشت تقريبا في العديد من أجزائه بعد 45 دقيقة من بداية التأمل. وعند الخاضعين لهذه التجربة توقف عن النشاط عمليا فصا الدماغ الجبهيان المسؤولان عن التخطيط واتخاذ القرارات؛ وهدأ عمل أجزاء القشرة الجدارية المسؤولة عن الاهتداء في الزمان والمكان؛ وتباطأ عمل المهاد

 الذي يوزع معطيات الحواس؛ وتلاشت إشارات التكوين الشبكي التي يؤدي عملها إلى وضع  الدماغ في حالة "الجاهزية القتالية"، إذا جاز التعبير... وهذا كله أتاح للدماغ "أن يسترخي"، وينكب على معالجة المعطيات المرتبطة بشخصية المرء ذاته، لا بالعالم الخارجي.

مدفيديف 5 

أود أن أدقق المعلومات حول العلاقة بين الإبداع وطول عمر الإنسان. هذا أمر معروف منذ زمن بعيد. لا بد من القول أن إحدى المقالات الأولى بهذا الصدد قد كتبتْها والدتي ناتاليا بيختيريفا. ويمكن تسمية هذا العمل: "الأذكياء يعيشون حياة أطول". أرجو الانتباه إلى أن هناك مقالات بدأت تظهر في الآونة الأخيرة روسية وأجنبية تتم فيها مقارنة متوسط العمر المحتمل للملحنين والعلماء والكتاب أي الناس الذين يمارسون العمل العقلي مع متوسط عمر الناس العاديين. إن كنت ستذهب مثلا إلى اجتماع عام لأكاديمية العلوم الروسية فإنني رغم بلوغي السبعين من العمر سأبدو الأكثر شبابا، أتفهم قصدي؟ وهكذا فإن أكاديميي المجلس الكبير بغض النظر عن عمرهم، هم شباب تماما عقليا، ويعمل دماغهم بشكل جيد، إنهم كما يقال يواكبون العصر، لماذا يحدث هذا؟ لقد أجابت ناتاليا بيختيريفا عن هذا السؤال. إن أخذنا كمثال إنسانا حديث الولادة فإننا سنجد أن لديه في القشرة الدماغية مناطقَ مسؤولةً عن عمل كل عضو من أعضائه. أي أن الوصلات العصبية المنطلقة من الكبد والمعدة والقلب والعضلات نحو الدماغ قد تشكلت. وفي هذه الفترة يتم تشكل مناطق جديدة في الدماغ على سبيل المثال منظومة تأمين النطق. في البداية تحتل مساحة كبيرة ثم تتضاءل، ومن ثم يتركز القسم الأكبر من هذه المنظومة في منطقة واحدة في الصدغ. بعد ذلك يبدأ الإنسان بتعلم التفكير ثم يكتسب قدرات أخرى جديدة غير مبرمجة عنده والتي يقوم بتعلمها أيضا. هذه وظائف لها خصوصيتها الإنسانية. وبما أنه لا توجد أماكن إضافية في القشرة الدماغية فإن المناطق الجديدة المسؤولة عن الوظائف الجديدة كما لو أنها "تتموضع" فوق تلك المناطق التي تتحكم بالوظائف التي تم اكتسابها سابقا. وبعد ذلك بقدر ما يتقن الإنسان وظائف جديدة بقدر ما تتقلص المناطق التي تؤمن عملها وتغدو الوظيفة الجديدة ثابتة. على سبيل المثال يتعلم الطفل المشي وبنفس الوقت يتعلم الكلام. فلنتفق أن ذلك يحدث بآن معا. فإن نادى أحدهم للطفل أثناء المشي فإنه قد يقع. لماذا؟ لأن مجال تعلم المشي ومجال تعلم النطق مازالا كبيرين. ولهذا تعمل الطاقات الكبيرة بوقت واحد ولم تتثبت بعد. مثال اخر.  عندما يتعلم أحدهم قيادة السيارة، فإنه في البداية لا يستطيع التحدث مع أحد وهو يسوق. وعندما يتقن خبرة القيادة فإنه يستطيع أن يتحدث دون أية مشكلة، وأن يقوم بأمور اخرى في نفس الوقت. لماذا يحدث هذا؟ لأنه مع اكتساب المهارة يتم تضاؤل منطقة جديدة في الدماغ، وحين يتقن الإنسان أي عمل بعد دراسة أي نشاط قياسي يحدث هذا التضاؤل. ولكن هناك نوع واحد من النشاطات لا يترافق مع التضاؤل إذ لا توجد خوارزمية لهذا النشاط، وهو الإبداع. لماذا؟ لأن الإنسان عندما يبدأ بحل مهمات غير تقليدية لا يوجد لديه مداخيل قياسية لذلك.  وإن كان هناك مدخل فالأمر هنا لا يتعلق بالإبداع بل هو عملية بناء. ولكن عندما يبدأ المرء بالقيام بشيء جديد، ولا يعرف ماذا سيتمخض عن ذلك، عندها يبدأ الدماغ كله يعمل بشكل نشيط، وبالتالي هذا يعني أن جميع مجالاته-مناطقه تعمل بنشاط وتؤثر بشكل مفيد لأعضاء الإنسان التي تقع تحت مسؤوليتها. يحدث مساج ان تحدثنا مجازا يحفز عمل الأعضاء الداخلية...    

مقدم البرنامج 6 

أي يتوضح من ذلك أن النشاط الإبداعي مفيد ليس للدماغ وحده وحسب، بل ولكل الجسم على وجه العموم.

مدفيديف 6

نعم. ولهذا يجري التالي. يجب تدريب الدماغ بشكل مستمر ودون انقطاع. وإن كان المرء لم يفعل شيئا ويبدأ بالتكاسل فإن الدماغ سيضعف. وبالتدريج ستخمد بعض الروابط بين مناطق الدماغ لعدم استخدامها. 

مقدم البرنامج 7 

الأمر كما هو الحال بالنسبة للعضلات. بغياب الجهد البدني يحل الضمور، هل الأمر هكذا تقريبا؟  

مدفيديف 7 

بالفعل البشرية اليوم تتنقل راكبة في السيارات والباصات والميترو، وتصعد لا سيرا على الأقدام بل على الأدراج المتحركة والمصاعد. في غضون ذلك الجميع يدركون جيدا أنه يجب الذهاب إلى صالات اللياقة البدنية وممارسة الرياضة وإلا فإن حالتنا الصحية ستسوء. ولكن لماذا لا يريد الناس فهم أن الدماغ يحتاج إلى الأمر ذاته. من الضروري تدريبه دون انقطاع. يستخدم الدماغ من عشرين إلى خمسة وعشرين بالمئة من طاقة الجسم كله، وهو أحد أكثر الأعضاء استهلاكا للطاقة.  والجسم يستطيع حساب مقدار الطاقة وكم صرف من طاقته. ولهذا إن كان الجسم ليس بحاجة لاستخدام الطاقة فإن الدماغ يغلق ببساطة تلك المناطق التي لا تعمل. ولهذا فإن ضرورة تدريب الدماغ أمر واضح، زد على ذلك أننا إن أخذنا دماغ أي إنسان يمارس العمل الإبداعي بنشاط، والتأمل هو أيضا بالمناسبة بمثابة عمل إبداعي ونشاط غير تقليدي، وقارناه مع إنسان ينحصر عمل دماغه في عدم تفويت طابور البيرة عندها من الطبيعي أن نلاحظ الفارق.      

مقدم البرنامج 8 

هذا مثير للاهتمام. إنني للتو أردت أن أسألك ما هي العلاقة بين ما تتحدث عنه وموضوعنا حول التأمل. قد توافقني بأن هناك الكثير من الناس غير المطلعين البعيدين كل البعد عن التأمل، يعتقدون أن الرهبان وممارسي اليوغا والذين يقومون بهذه الممارسات هم بكل بساطة عاطلون عن العمل أناس بلا مهنة شبه متسولون. وكل تأملات التانترا هذه وغيرها من التأملات قد اخترعوها كي لا يجتهدوا ويعملوا شيئا مفيدا للمجتمع. إنهم يتأملون وحسب، ويُبطِئون تدفق الدم إلى مناطق محددة من الدماغ، وربما تصبح أدمغتهم أكثر شبابا، ولكنهم لا يصبحون أكثر ذكاء على وجه العموم. كيف يمكن أن ترد على ذلك؟ 

مدفيديف 8 

تعال لنتحدث في البداية عن فائدة التأمل. أود أن أقول لك أن جميع العلوم لا تدخل على الفور في نطاق التطبيق. فبعض البحوث يمكن استخدامها اليوم في مجال الممارسة العملية، وبحوث أخرى يمكن أن تستخدم بعد مئة أو ألف عام. هذا أولا وثانيا أن الفكر العلمي لحضارتنا منقسم منذ زمن بعيد إلى شرقي وغربي. ويمكن القول من حيث الجوهر أن الفارق بين هذين العلمين تشكل إبان حياة فيثاغورس في القرن السادس قبل الميلاد. كيف جرى ذلك؟ انظر إلى هرم زوسر المصري الذي بناه المهندس المعماري امحوتوب في الألف الثالث قبل الميلاد والذي بات يُقدس فيما بعد كإله للطب. من البديهي أنه لا يمكن بناء مثل هذا الهرم دون معرفة أن مجموع مربعي الضلعين يساوي مربع الوتر، وإلا سينهار الهرم بكل بساطة إن كان قد تم القيام بأمر ما بشكل غير صحيح. وثمة بعدُ في جوف الهرم ممرات وفراغات. هذا يعني أن المصريين كانوا يعرفون الهندسة وقواعد البناء. ولكن مرت قرون وبعدها قال العالم اليوناني فيثاغورس أن كل ما عرفته البشرية أمر رائع بالطبع، ولكن كل هذه المعارف تحتاج إلى إثبات. وهكذا ظهرت نظريته الرياضية، وكذلك الأسس العلمية الأخرى. وبعد ذلك بات العلم يمضي في اتجاهين. الاتجاه الأول غربي، اتجاه فيثاغورسي. في هذا العلم كل شيء يجب اثباته، وكل شيء يجب اختباره بالممارسة العملية. والاتجاه الشرقي حيث ما من أحد عليه أن يثبت أي شيء. يمتلك الناس المعارف متواترة منذ القدم لكن لا يعتبرون أنه من الضروري إثباتها، أترى؟ وأنا أذكر أنه كان لدي شعور غريب عندما ذهبت إلى الدير البوذي. هذا تحديدا بمثابة إجابة عن سؤالك ما الذي كان مفاجئا بالنسبة لي. وهكذا لقد تحدثت مع القائم على الدير عن أمر ما سألته: "لماذا تعتقد أن الأمر هكذا تحديدا؟". وقد أجابني: "إنه كذلك لأننا نعرف ذلك، وهذا مدون في الكتب". لم يكن بحاجة لإثبات أي شيء.    

مقدم البرنامج 9 

هل قصد الكتب المقدسة البوذية؟ وأن كل شيء مكتوب فيها؟

مدفيديف 9 

نعم بالطبع. ولهذا يمكن أن نعتبر أن هناك علما هو النوع الأول كالعلم الغربي حيث يجب إثبات كل شيء، وعلما من النوع الثاني، العلم الشرقي حيث ليس من الضروري إثبات أي شيء.

مقدم البرنامج 10 

أي أن العلم الشرقي قائم على معارف الأسلاف المقدسة؟

مدفيديف 10 

نعم، نعم. ولكن الأهم هو أن عددا كبيرا من الأحكام في علمنا الغربي إن جاز القول لم يتم إثباتها. على سبيل المثال تمكن علماؤنا ليف لانداو ويفغيني ليفشيتس في "دورة الفيزياء النظرية" أن يجمعوا بصورة جميلة وإبداعية جميع المعارف الفيزيائية التي راكمتها البشرية من أقدم القوانين الفيزيائية التي صاغها نيوتن إلى مفاهيم تجانس المجال الفضائي، وتَساوي خواصه، وكذلك تجانسِ الوقت، واتجاهِه الأوحد. إنهم في غضون ذلك  - ونحن جميعا  - نعرف أن العديد من الفرضيات والمعطيات لم يتم إثباتها أو حلها. لماذا تثير الناس حتى الآن مسألة آلة أو جهاز الحركة الدائمة؟ لقد توقف منذ نهاية القرن الثامن عشر قبول طلبات الحصول على براءة اختراع لصنع جهاز الحركة الدائمة بموجب قرار من أكاديمية العلوم الفرنسية. أي أن هذه الأكاديمية قررت الأمر بهذا الشكل وحسمت الموقف. عمليا دون أي إثبات. وأنا أعتقد أنه لهذا تحديدا ورغم العديد من الشروحات حول عدم إمكانية صنع مثل هذا المحرك يتابع الكثيرون البحث عن طرق جديدة لاختراعه اعتمادا على المعطيات العلمية الجديدة. ويبدو لي في الواقع أن كلا الطريقين العلميين الشرقي والغربي هامان. دراسة كل شيء في العلم الغربي أسهل لأنه أكثر ترتيبا. أما العلم الشرقي فدراسته أصعب إذ يجب فيه الحصول على معارف أكثر. إن كان المرء يعرف الرياضيات ولو قليلا فإنه يستطيع فهم الكثير وأن يشرح الأمور منطقيا ببساطة. كل شيء في الفلسفة البوذية صعب. تخيل فلسفة لم تنقطع سبل معرفتها خلال ألفين وخمسمئة سنة. لقد كان الناس الذين طوروا هذه الفلسفة أذكياء جدا. ويمكن أن نقول ذلك أيضا عن الفلسفة المسيحية. وذاك لأن توماس الأوكويني والفلاسفة الأخرين كانوا حكماء جدا. ولكننا نحن الناس المعاصرين لا نفهم الكثير جدا مما كان يفهم أجدادنا في الماضي. والآن تمكنا من فهم القليل جدا من العلوم الشرقية القديمة التي وصلت إلى أزماننا.    

مقدم البرنامج 11 

بودي أن أتابع هذا الموضوع الشيق. لقد قرأت أحد الحوارات معك حيث تتحدث بشكل مثير للانتباه كثيرا عن فصل المثالي عن المادي في دماغنا. بعد ذلك تذكّر مرة أخرى أنه لا يجوز تناول عمل مناطق الدماغ بشكل منفصل، بل يجب دراسة الدماغ ككل باعتباره يمثل آلية واحدة، أليس كذلك؟

مدفيديف 11 

نعم.

مقدم البرنامج 12 

وهاك ما هو مثير بالنسبة لي. لقد تواصلتَ في الهند مع أناس لديهم رؤية مختلفة تماما للعالم، رؤية تختلف عن المدرسة المادية السوفييتية رغم أن فيها أمورا غير قابلة للتفسير إلى حد كبير. ألم تشعر باعتبارك شخصيا من خريجي المدرسة السوفييتية المادية هذه بحالة تنافر إدراكية ولو قليلا حين تعرفت في الدير البوذي إلى أناس لديهم رؤية مختلفة تماما عن كيفية نشوء وبناء هذا العالم؟ أم ربما التقطوا هم منك بعض الأمور المادية، أو أنت منهم بعض الأمور الميتافيزيقية؟  

مدفيديف 12 

أترى فيم يكمن الأمر. أنا لم أعتبر نفسي أبدا ممثلا للمدرسة العلمية السوفييتية. أنا ممثل للمدرسة الروسية، وفي ذلك مفارقة كبيرة. ذاك أني فيزيائي نظري في تحصيلي الدراسي الأول، وتخصصي هو "الفيزياء النظرية". كانت دراستي في أرفع قسم دراسي في الجامعة! ليس فقط بالنسبة لكلية الفيزياء بل للجامعة ككل! وقد عمل عندنا آنذاك أناس كبار من أمثال فلاديمير فوك، وهو مؤلف العديد من الأعمال الهامة بما في ذلك ما يتعلق بنظرية المجال الكمي. وكان صعبا أن نسميه هو وزملاءه علماء سوفييت. الأرجح أنهم كانوا علماء روس على المستوى الدولي. إنني أشعر بالامتنان الكبير لمعلميّ كونهم أعطوني الحرية الداخلية. في شهادة تخرجي كانت لدي علامة واحدة بدرجة جيد وليس بدرجة ممتاز، وهي تحديدا في مادة المادية التاريخية. جميع علاماتي الأخرى كانت ممتازة. هذا دليل آخر على أني لست من تلاميذ المدرسة السوفييتية. والآن لنتناول الفيزيولوجيا-علم وظائف أعضاء الجسم، وهو ما أشتغل به الآن كمثال على المدرسة الروسية. ويمثل مدرسة الفيزيولوجيا الروسية فلاديمير بيختيريف، ووالد جَدّي إيفان بافلوف، وإيفان سيتشينوف، وفيليب أفسيانيكوف، بعضهم بالطبع عمل في المرحلة السوفييتية، ولكن لا يمكن النظر إلى سيتشينوف وهو أب الفيزيولوجيا الروسية كعالم سوفييتي. إنه لا ينضوي تحت هذا التعريف. وبيختيريف وبافلوف عالمان على المستوى العالمي، ولم يلعب النظام السياسي دورا في نشاطهما. وقوة علمنا المعاصر تكمن تحديدا في هذه المدرسة العلمية. ولهذا عندما تواصلت مع رؤساء الأديرة، والرهبان، والعلماء البوذيين، كنت ممتنا للغاية لهم لأنهم لم ينظروا إلينا كخصوم من المدرسة المادية. لقد وجدوا الوقت اللازم للعمل معنا ولكي يحدثونا عن تعاليمهم، وكان ذلك ممتعا إلى درجة كبيرة. وقد توضح بالتدريج أن العديد جدا من أحكام فلسفتهم بدت بلغة العلم الرائعةِ مفهومةً وطبيعيةً تماما. إننا ببساطة غالبا نعتبر هؤلاء الناس أغبياء حين لا نفهم حقيقة ما يتحدثون عنه. أستطيع الاستشهاد بأمثلة أخرى على عدم الفهم هذا في العلوم العادية. تفترض الفيزيولوجيا المعاصرة - وأعتقد أنك أيضا تعرف ذلك - أن المشاعر الإنسانية كالحب أو الحقد وغيرهما من المشاعر هي عمليات تجري في الدماغ. (مقدم البرنامج: نعم) إذن، لدي سؤال أوجهه لك: "ما هي الموسيقى؟" يمكنك أن تجيب.     

مقدم البرنامج 13 

إنها الإدراك، على الأرجح. إنطباع.

مدفيديف 13 

صحيح

مقدم البرنامج 14 

إدراك الإنسان لمجموعة محددة من الأصوات، وحصوله على متعة جمالية من ذلك.

مدفيديف 14 

إذن الدماغ بهذا المعنى هو عبارة عن أوركسترا؟ وهو يعزف لك؟ ولكن دون آلة الكمان والقوس لا يمكنه أبدا أن ينتج ذلك؟ وأنت تتقبل هذه العملية ليس كحركة ميكانيكية للقوس على الكمان بل كلحن تحديدا. إنهما عمليتان مختلفتان تماما! 

مقدم البرنامج 15 

يحدث الأمر نفسه مع الشعر. لأن الشعر ايضا عبارة عن مجموعة من كلمات. ولكننا ندركها في تكامل المعاني والموسيقية... وذلك يشكل لنا متعة جمالية أيضا. 

مدفيديف 15  

ويمكن أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي. لماذا تستدعي موسيقى محددة لدى كل شخص أحاسيس مختلفة؟ على سبيل المثال موسيقى الصخبة تصدح بشكل نشط، وترغب عند سماعها في أن نتحرك بديناميكية. موسيقى أخرى تستدعي الرغبة في الجلوس مع فتاة على انفراد. ويكمن الأمر في أن مادة محددة مسؤولة عن هذه الرغبات في الدماغ. عناصر الوساطة. والإيقاعات المحددة تستدعي إفراز عناصر وساطة مختلفة. فإن صدحت موسيقى انسيابية هادئة يتم فرز السيروتونين الذي يمنح الإحساس بالسكينة. ولهذا لكي يتم فهم هذا الانتقال من حالة إلى أخرى، ولفهم هذا الانسجام لحالاتنا لا بد لنا قبل كل شيء أن يكون لدينا معارف كافية في مجال نسبة المادي والمثالي.

مقدم البرنامج 16 

شكرا جزيلا، ولنواصل حديثنا في الأسبوع القادم.

مدفيدف 16 

حسنا، إلى اللقاء.

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا