هل نحن مُسيَّرون جينيا؟ وهل سنصبح أكثر ذكاء وجمالا وصحة بالتعديل الجينومي؟

العالم الرقمي و Social media

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/or1m

هل نحن نتاج المعطيات الجينية حصرا ولا نملك حولا ولا قوة لتعديل ما روثناه منها؟ هل سنصبح بتطور علم الجينات أكثر قدرة على تعديل معطياتنا الوراثية؟ للتعمق في هذا الموضوع نستضيف في هذه الحلقة البروفسور قسطنطين سيفيرنوف الحاصل على درجة دكتوراة دولة في العلوم البيولوجية، البروفيسور بمعهد سكولكوفو الروسي للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة روتجرز في ولاية نيو جرسي الأمريكية. يشرف على عدة مختبرات في معهد البيولوجيا الجزيئية ومعهد بيولوجيا الجينات لدى اكاديمية العلوم الروسية.

خالد 1 

بروسفور سيفيرينوف مرحبا.

سيفيرينوف1 

طاب يومكم.

خ 2 

أود القول بداية إنني استمعت إلى محاضراتك بكل اهتمام ولفت انتباهي ما يلي. برنامجنا كما هو معروف متنوع جدا حيث نتناول مع الضيوف مواضيع مختلفة عن الفضاء وعلم الأعصاب والتولد التلقائي والكيمياء الحيوية وغيرها. وضيوفنا العلماء عند الحديث عن اكتشاف ما في حقل من حقول عملهم، غالبا ما يبرزون اكتشافا في مجالهم ويؤكدون أنه "الاكتشاف الأساسي والأهم" في القرن العشرين. وأكثر من تكلم عن ذلك في مقابلاتنا علماءٌ في مجال الفضاء والفيزياء الفلكية.

وكذلك انت في محاضراتك قلت إن فكُ شيفرة الجينوم أحد الاكتشافات الأساسية ان لم يكن الأهم في تاريخ البشرية؟ فهل لك أن تطلعنا على الحجج الرئيسة التي تدعم مثل هذا الرأي؟

س 2 

أعتقد أنك تقصد فكَ شيفرة جينوم الإنسان بالتحديد؟ أليس كذلك

خ 3 

نعم، طبعا....

س 3 

بالفعل، تم فك هذه الشيفرة قبل أكثر من عشرين عاما. وكان ذلك قفزة تكنولوجية أسفرت عن ظهور علم جديد راح يتطور بشكل عاصف هو المعلوماتية الحيوية.. بيولوجيا الحاسوب. أما الثمار المتأتية عن فك شيفرة الجينوم البشري أول مرة، فنحصدها الآن فقط. ونحن في الواقع لم نع تماما حتى اليوم أهمية هذه القفزة التكنولوجية بالذات وقيمتها الدلالية. ولن نحصل على نتائجها الحقيقية إلا عندما يمتلك جميع سكان الأرض تقريبا المعلومات الكافية عن جينوماتهم. عندئذ سيكون علماء المعلوماتية الحيوية الذين يتعاملون مع قواعد بيانات ضخمة تشكلت نتيجة التحديد الشامل لتسلسل الحمض النووي... سيكونون أول من يتسنى له تتبع مختلف السمات الجينية الوراثية بما فيها تلك التي لا يزال أساسها الجيني مجهولا حتى اليوم، بل ولا يخطر ببالنا أنها موجودة أصلا. ثمة كثيرون ممن يحبون الحديث عن شكل الأنف أو عن الذكاء كسمات جينية متوارثة. ولكن بعد أن تشكلت قاعدة بيانات كبيرة حقا قد يتبين أن هذه السمات ليس لها أساس جيني،  أي وراثي. وسيكون من المهم أيضا معرفة ذلك. عندئذ سيدرك كل شخص أنه يكتسب القدرات الذهنية أو المعارف أو الحكمة نتيجة العمل على تطوير نفسه عبر قراءة الكتب وتعلم أشياء ما مفيدة... لا لمجرد أن الجينات تكونت على هذا النحو فصار الشخص على هذ المستوى من الموهبة والذكاء.

خ 4 

هل تريد القول إن البشر لم يتسن لهم حتى الآن الاحساس بكامل الأهمية التي يتصف بها هذا الاكتشاف لأنه اكتشاف حديث العهد جدا والوراثة عموما علم فتي؟ ولكن البشرية ستدرك لاحقا أهميته لأنها ستدرس العديد من العمليات الوراثية المرتبطة بالأمراض وبكثير من العاهات والعيوب الخلقية الأخرى... وما يُعدُّ عصيا على العلاج اليوم سيتم في المستقبل علاجُه أو تصحيحه أو إبقاؤه تحت السيطرة ...أهذا ما تريد قوله؟ 

س 4 

لنتتصور كتابا ما. قد يكون الكتاب المقدس أو التلمود أو القرآن.. . ولاستخلاص المعاني من هذا الكتاب علينا أن نقرأ مضمونه بتمعن وأن نفهم ما فيه من أفكار. نحن نعرف اليوم أن جينوم الإنسان يتألف من ستة مليارات حرف من الحروف الجزيئية تقريبا. فضلا عن أن ذلك بمعنى ما معلومات مكررة لأن الإنسان يحصل على ثلاثة مليارات حرف من والده ونفس العدد من والدته. والكثير من الجينات (وليس جميعها) توجد فينا فعلا إما بنسختين وإما بصيغتين متباينتين قليلا. تتباين جينات البشر من شخص إلى آخر. ومع ذلك نحن لا نعرف إلا القليل جدا عن وظيفة الجينوم وكيف يعمل وما مسؤولية هذه الجينات أو تلك. وأظن أن معرفتنا بهذه الأمور لا تتعدى نسبة 10% ، وفق بعض التقديرات.

خ 5 

أي حتى يومنا هذا نعرف وظيفة 10% منها فقط ؟

س 5 

 وحتى نسبة 10% هذه لم تُدرسْ حتى النهاية كما أعتقد. المهم أن 90% تقريبا من الجينات تبقى بالنسبة لنا "مادة مظلمة" مجهولة كما في الفيزياء الفلكية. لا يمكننا أن نحدد بثقة أي مقطع من الحمض النووي عندي أو عندك وما مسؤوليته بالضبط. وإذا كان بيني وبينك فرق وراثي ما في هذا المقطع أو ذاك من الحمض النووي فلن نستطيع تحديد مجال مسؤولية هذا المقطع الذي يميزنا أحدنا عن الآخر. قد لا يكون مسؤولا عن أي شيء، ولذلك نكون قد قرأنا الكتاب، أي سجلنا جميع أحرف الجينوم البشري دون أن يضيف لنا ذلك أية معارف. بالأحرى لم يضف القدر الذي نريده. في النهاية عندما سنتمكن فعلا من فهم هذا الجينوم سيتضح لنا لماذا الإنسان إنسان وما الذي يميزنا عن حيوان.   

خ 6 

 طيب لو اقتبست تشبيهك لقراءة الجينوم بكتاب يحوي الكثير من الاحرف. وفيمَ صعوبة فهم الباقي طالما استطعنا فهم نسبة 10% كما قلت؟ هذه الأسئلة تراود أذهان آخرين غيري على أغلب الظن. لماذا لا نستطيع  قراءة نسبة الـ90% الأخرى من الجينوماتكما قرأنا  الـ 10%. أليست أحرف الشيفرة هي نفسها؟  G, C, T، A  ؟

س 6 

لقد قُرئت كلها 100% ولكن يجب استخلاص المعنى من ذلك.

خ 7 

ولماذا لا يمكن استخلاص المعنى على غرار الباقي بالقياس يعني؟ لماذا توقف العمل عند نسبة 10% ؟ أم أن كل شيء سيغدو مفهوما في المستقبل...أي ، إذا جاز التعبير 11% ثم 12% وهكذا دواليك؟ هل العلم يسير قدما في هذا الاتجاه؟

س 7 

هذا بالطبع ما سيسير قدما إلى الأمام. ولكن عملية استخلاص المعاني تسير ببطء شديد مقارنةً بسرعة الحصول على المعلومات الوراثية. وهذا مرتبط على وجه الخصوص بمدى السرعة التي اكتسبها عمل التكنيك المعاصر في تحديد تسلسل الحمض النووي... تم قبل ما يزيد على عشر سنوات تحديد أول جينومات عند ألف شخص وكانت تكلفة هذا العمل مليارات الدولارات. الآن يمكن تحديد الجينوم مقابل ألف دولار وخلال أقل من أسبوع. ومع ذلك فإن كمية المعلومات تتزايد بسرعة تفوق قدرة العلماء على معالجتها. فالبيولوجيا في نهاية المطاف ليست علما حاسوبيا، بل هي علم تجريبي. على سبيل المثال: لنفترض أن عالما طرح سؤالا عما تفعله جينة معينة محددة وماهي مسؤوليتها؟ كيف يمكن للعالم أن يجيب عن ذلك؟ الطريقة الوحيدة حتى اليوم لإيجاد الجواب هي استخدام أساليب تحكم خاصة لتعطيل الجينة الخاضعة للدراسة ومعرفة التغيرات التي ستطرأ على عمل العضوية، الكائن الحي جراء هذا التعطيل.

خ 8 

لا يمكن القيام بذلك إلا على الكائنات الحية طبعا... أليس كذلك؟

س 8 

نعم. وثمة احتمال ثان. العالِم الذي يبحث على جواب يجب أن يكون مختصا بالكيمياء الحيوية. ما يسمى الآن "علوم الحياة" عامة هو عدد كبير من التخصصات الضيقة التي تتميز الكيمياء الحيوية الوراثية بينها بمبادئ عملها. فكيف ذلك؟ إن جيناتنا في جوهر الأمر تشفر (ترمز) البروتينات. ثمة إحساس بأن البروتين هو آلة أو محفز (عامل مساعد) للتفاعلات الكيميائية، أو ربما محرك. والبروتين عموما يشارك في تشكيل جميع خلايانا تقريبا فيحدد طريقة تركيبها. عندئذ، إذا كان عالم الكيمياء الحيوية هو الذي يتعامل مع الجينات فيستطيع بالطرائق الكيميائية الحيوية أن يحصل في أنبوب الاختبار على ناتج الجينة التي يدرسها. وهذا الناتج هو بروتين الجينة المشفرة. (خالد: نعم). وبعد ذلك سيكون بالإمكان دراسته في هذا الأنبوب. بروتين الميوسين وبروتين الأكتين مثلا يشكلان عند اتحادهما بروتين الأكتوموسين، وهو عنصر أساسي في نظام انقباض عضلاتنا. العضلات تعمل على نحو يؤدي إلى توليد الطاقة الميكانيكية. وبالمناسبة، لقد درس علماء الكيمياء الحيوية بروتينات الجينات المشفرة في أنابيب الاختبار. تكمن المشكلة في أن مابين 20 و 30 ألف بروتين بحسب تقديرات مختلفة مشفرة في جينوم الإنسان، ومن الضروي خاصةً أن نعرف أنها جميعا تسكن في خلايا مختلف الأنسجة. وإذا ما أراد العلماء أن يفهموا بالكامل ماذا يفعل كل من البروتينات فلك أن تتصور كم من الوقت ستتطلب الدراسة التفصيلية لكل واحدة من هذه الجينات، ومنتجاتها، وكيف وأين تعمل، وماذا يجري إذا ما اختل شيء ما في عمل هذه الجينة أو هذا البروتين. والآن لنتذكر أن تاريخ البيولوجيا المعاصرة عموما يبدأ من اكتشاف تركيب سلسلتي الحمض النووي. وكان جيمس واتسون وفرنسيس كريك قد اقترحا عام 1953 محاكاة لهذا التركيب. *ولنتصور أن ثمة ملايين البشر لم نتعرف على جينوماتهم. هؤلاء من الواضح تماما أنهم يتميزون بجملة كاملة من المواصفات المحددة (البارامترات) ومنها في نهاية المطاف السجلات الطبية وطول العمر. فلماذا ذلك؟ يمكننا الافتراض أن بعضا من هذه الاختلافات مرتبط بالتغيرات الوراثية عند هؤلاء الأشخاص. من الناحية الوراثية نحن جميعا نشبه جدا بعضنا البعض ولكننا مختلفين في الوقت نفسه. والسؤال هو: ما مدى هذا الاختلاف؟ هل نختلف كثيرا أم قليلا؟ يتوقف ذلك على طريقة الحساب. الفرق بيني وبينك في الكتاب أو السجل الافتراضي لحمضنا النووي هو حرف واحدا في كل ألف حرف تقريبا. وهذا ليس بالكثير قطعا.

 خ 9  

نعم.

س 9 

من ناحية أخرى إذا تذكرنا أن في جينومي وجينومك ستة مليارات حرف فهذا يعني أن بيني وبينك من الاختلافات العشوائية ما يبلغ ستة ملايين حرف تقريبا. أي ستة ملايين "خطأ مطبعي" إذا جاز التعبير. تصور أنك كتابٌ ما وأنا كتابٌ ما، والكتابان عن الموضوع نفسه، ولكن في كل منهما ستة ملايين خطأ مطبعي. وهذا تماما ما سيكون عند أي شخصين آخرين غيرنا. وهذه الاختلافات لا علاقة لها البتة بعلم النسل، ولا بأية نظريات أخرى حول من هو الأفضل ومن هو الأسوأ. بالمتوسط سيكون عدد التمايزات متساويا عند شخص من سكان اندونيسيا الأصليين وعند عربي أو يهودي أو أوروبي. هذه تمايزات عشوائية! هناك من يعتقد أنه في حال تم صنع كمبيوتر بمعالج فائق القوة فقد يصبح بمقدور العلماء فهم النظامية في التغيرات العشوائية التي تطرأ على الأنماط الجينية الوراثية. ولكن إلى أي مدى سيكون فهمنا دقيقا؟ بالفعل ليس من الصعب القيام بذلك في بعض الحالات البسيطة، كمعالجة الأمراض الوراثية بواسطة الأشعة على سبيل المثال. لأن البشر الذين اكتشفت لديهم أمراض خطيرة كالتليف الكيسي أو الهيموفيليا (الناعور)، وبغض النظر عن الاختلافات الكثيرة في حروف الحمض النووي المبعثرة في كل الجينوم، توجد لديهم أيضا أخطاء مطبعية، قليلة جدا لا وجود لها عند الأصحاء. بالتالي يدرس علماء الوراثة الطبية هذه التغيرات ويؤولونها. والعلماء بحاجة طبعا إلى معطيات الجينومات عند المرضى، وكذلك إلى معطيات تلك الأماكن في الحمض النووي المسؤولة عن ظهور المرض أو المرتبطة به على الأقل.

خ 10 

لتوضيح الصورة أود أن أستعلم عن أمورأخرى. لقد قطع الطب الحديث شوطا بعيدا إلى الأمام. والتقنيات الطبية اليوم تتيح المحافظة على حياة وإطالة أعمار الناس الذين كان الاصطفاء الطبيعي سابقا يسوقهم الى الموت المحتم. هؤلاء الأشخاص يمارسون نمط حياة عادية وينجبون بشكل طبيعي. ولكن أليس من المحتمل أن تزيد عدد الأمراض الوراثية بتقدم القتنيات الطبية والحفاظ على حياة المرضى؟ هل يمكننا القول إن الجينات المعيبة أو المعطوبة تتراكم  بهذا النحو، وقد تؤثر على نمو الأجيال القادمة في العالم أجمع؟ وسؤال آخر أيضا: هل ثمة تفسير وراثي لظهور بعض الأمراض الخطيرة جدا وطريقة انتشارها، وعند من نصادفها في الغالب؟ وهل توجد علاقة مباشرة بين تطور الطب وتراكم عدد الأخطاء المطبعية كما تقول في الحمض النووي، بما أن حامليها لم يموتوا بل عاشوا وأنجبوا أطفالا؟ أم أن عوامل أخرى ( كالبيئة أو غيرها) تؤثر على تراكم الأخطاء المطبعية مجازا؟

س 10 

تقصد "قابلية التكيف"...! أنت لم تستعمل هذه الكلمة، ولكن هذا ما قصدته ضمنيا... أليس كذلك؟

خ 11 

نعم.

س 11 

قابلية التكيف بالمعنى الدارويني. لأن نظرية داروين قامت على أساس قابلية البقاء على قيد الحياة والتكيف... مع ماذا؟ مع الحياة، مع الانتصار، مع النضال من أجل الموارد المحدودة وإمكانية إنتاج ذرية. من أجل هذا يجري الصراع. أما الطب الحديث فيوفر الفرص للجميع. الإنسان، مبدئيا، هو النوع الوحيد على الأرض الذي تخلص من تأثير الاصطفاء الطبيعي. هذا مع العلم أن الاصطفاء الطبيعي قبل نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين كان موجودا وفاعلا لأن النساء كن ينجبن كثرة من الأطفال يبقى منهم على قيد الحياة عدد قليل فقط. وهذا يعني أن الأمراض وضمنا الأمراض الفيروسية، كانت أحد عوامل الاصطفاء الطبيعي الأساسية. فلك أن تعتبر الجائحة الحالية اختبارا لجنسنا البشري بشكل من الأشكال.

خ 12 

يعني اختبار طبيعي.

س 12 

*ويبدو لي أن تطور مجتمعنا يتلخص في تطور الطب. ولنأخذ على سبيل المثال ستيفن هوكينغ. فلو أنه نشأ وتطور في سافانا افريقيا وهو بهذه العاهات أو الأعطاب الجسدية لما كان ليعتبر ذا قيمة إطلاقا عند المجموعة التي يعيش فيها. وعلى الأرجح ما كان ليبقى على قيد الحياة ولما خلف ذرية. أما من وجهة نظر الإنسان المعاصر فكم من رجل سليم يتحلى بقوة بدنية وعضلات مفتولة ترك إرثا علميا عالميا بحجم ما تركه هوكينغ؟

خ 13 

نعم. هذا صحيح.

س 13 

نحن لا نعرف بدقة ان كانت ثمة صلة بين إنجازات هوكينغ العلمية وطبيعة مرضه. لقد كان قليل الحركة، ولكنه عاش وتمتع بفكر نير بفضل تقدم الطب. ففي صغره عندما كان أقرانه يلعبون في الشوارع، كان هوكينغ يتعلم ويطالع الكتب. (خالد: نعم). هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى ثمة مشكلة لأن المزيد والمزيد من الطفرات غير المرغوب فيها يتراكم بالفعل عندنا. وهذه الطفرات ما كانت البشرية لتحتفظ بها لو كان الاصطفاء الطبيعي يفعل فعله.

خ 14 

 واضح.

س 14 

ولما وجدت هذه الطفرات أصلا .

خ 15 

وهذا هو بالضبط فحوى سؤالي. ما العمل في هذه الحال؟ وما السبيل إلى تجاوز ذلك؟

س 15 

هذا كله طبعا مادة للأبحاث العلمية. ثمة في العلم مفهوم "الحذافة" أو "دولاب الموازنة"، أي مخزِّن الطاقة الحركية. في حالة غياب الاصطفاء الطبيعي عند مجموعة بشرية ما سوف تتراكم طيلة الوقت كمية من الطفرات غير المرغوبة. وفي نهاية المطاف لن تتمكن المجموعة من النمو والتطور. لن يكون هناك ما يكفي  من الذرية الولود. أما رد البشرية في حالتنا هذه فهو واحد. من الجلي أن تطور الطب والعلم يفترض أن يسير على نحو يتيح على الأقل التخفيف من ثقل تراكم هذه الطفرات.  مثلا في عام 2012 نُشرت أولى المقالات عن طريقة وتقنية التعديل الجينومي، وربما سمعت بذلك. وإذا ما أطلقنا العنان لخيالنا قليلا فربما سيكون أملنا الوحيد الآن معلقا على استعمال التعديل الجينومي، ولو أن ثمة مشكلات أخلاقية واضحة في هذه الحال تتعلق بالمستوى الحالي لتطور التقنيات. وكذلك الأمر في ما يخص تعديل أعضاء البالغين. واقعيا يمكن أن نحاول تغيير تلك الأحرف في كتابنا التي نعتبرها مسؤولة عن ظائف معينة.

خ 16 

في المستقبل- على سبيل المثال- كم من السنين يجب الانتظار حتى يستعمل التعديل الجينومي على نطاق واسع؟ عشرون، ثلاثون، خمسون سنة؟

س 16 

لو كنا نتحدث في عام 2011 لقلت لك إن هذا مستحيل بالمطلق، فأنا شخصيا أعمل في هذا الميدان. أما في عام 2012 بعد أن نشر عدد كاف من المقالات حول هذه المسألة، فقد تأسس اتجاه كامل في العلم بفضل بعض رجال الأعمال الذين خصصوا عشرين مليار دولار لهذا الغرض. فمثلا كيف كان بإمكاننا التكهن بآفاق معالجة الأمراض البكتيرية بداية الاربعينات من القرن الماضي أي قبل اكتشاف المضادات الحيوية؟

خ 17 

ولكن ثمة الآن مشاريع ما في مجال تعديل الجينوم. وهي مشاريع باهظة التكاليف، ومع ذلك بدأت ُتستخدم لمعالجة مصابين بأمراض سرطانية معينة. ففي أمريكا- على حد علمي- يعالج هؤلاء عن طريق خلايا تؤخذ منهم لتعديلها على نحو ما ومن ثم إعادتها إليهم. وهذا يكلف حوالي مليون دولار. ولكن العمل على التحرير قد انطلق. وإذا كانت لدينا البداية يمكننا أن نتصور آفاق التطور في هذا المجال. أم أنني لست مصيبا في ما أقول...؟

س 17 

بل هو كذلك. ولكنك أوردت حالة تدل على أن موضوع تعديل الخلية ينطبق على أنواع محدودة جدا للسرطان. عندما نلتقي أنا وأنت في الشارع ونتحدث عن السرطان كشخصين عاديين فإننا نتناول ذلك كمرض واحد. ولكن تحت كلمة "سرطان" تستتر، ربما، مئات الحالات المختلفة. شفاء بعضها ضعيف الاحتمال جدا، وبعضها أكثر قابلية للعلاج. ولذلك يمكن استعمال التعديل الوراثي لعلاج أمراض وراثية ما كتوضيح لامكانات تقنية تحرير الجينوم وبرهان على نجاعته. ولكن هذا لا يعني أن جميع الأمراض يمكن معالجتها من خلال تعديل الجينوم. 

خ 18 

نعم. أود أن أسألك عن المزاودات حول الوراثة. تعلم أن التسويق يلعب دورا كبيرا في مجال الطب والصيدلة. ويوجد كثير من الشركات والعيادات التي جعلت من الوراثة نوعا من البزنس. هذه العيادات والمستوصفات تعلن أنها تأخذ عينة من اللعاب لتحليلها ثم تخبر صاحبها عن كل شيء بالتفصيل حتى طعامه المفضل وكيف يحب ممارسة الجنس وما الرياضة التي يهواها وغير ذلك. هل هذا الكلام واقعي، وإلى أي مدى؟ أنا أرى أنها إعلانات دعائية بالمعنى الحرفي للكلمة. ما قولك بهذا الخصوص؟ ما الذي يعد مزاودة في هذا المجال وما الذي يمكن فعلا معرفته بواسطة التحليل الوراثي بأخذ عينة من اللعاب؟ أين الحد الفاصل بين العلم والمزاودة لكسب المال؟

س 18 

من المعروف الآن  حوالي عشرة ألافٍ مما يسمى الأمراض الوراثية النادرة أحادية الجينة وهذا يعني ما يلي: إذا  تغير في واحدة من جيناتك حرفٌ واحد في نسختي الجينة من الأب ومن الأم فمن المؤكد سيكون عندك مرض وراثي. هذا إذا حدث تغير في النسختين. أو ستكون حاملا لهذا المرض إذا كانت عندك إحدى النسختين جيدة، والثانية ليست جيدة. أي قد تنقل المرض لأولادك. وهذا ما حصل مثلا لولي العهد أليكسي  ابن الإمبراطور الروسي الأخير نيقولاي الثاني.

خ 19 

نعم.. نعم.

س 19 

أما عندما تجري تحليلا جينيا للعابك فأنت بكل تأكيد لا ترمي إلى اختبار إن كان لديك مرض وراثي نادر أم لا.... لماذا؟ لأننا أنا وأنت  نبدو سليمين ونتحدث عبر السكايب بشكل طبيعي، بالتالي من المستبعد أن تكون عندنا أية أمراض وراثية خطيرة. ولكن هذا لا يعني أننا لسنا ناقلين لهذه الأمراض. ولذلك لابأس أن نجري مثل هذا التحليل بهدف تخطيط الأسرة على سبيل المثال. وقد لا يشك أي من الزوجين باحتمالات الإصابة بالمرض أو نقله، ولكننا جميعا معرضون لاحتمالات غير مرغوبة مستترة في الجينات يمكن أن تؤدي في ما بعد إلى عواقب وخيمة إذا ما ظهرت في ذريتنا. تقديم اللعاب في انبوب الاختبار بقصد التحليل يتيح لك مقابل مبلغ معين أن تعرف بدقة إذا ما كنت تحمل أمراضا وراثية معينة أم لا. والأفضل إجراء مثل هذا التحليل للشريكين ليقدرّا معا احتمالات المجازفة وولادة أطفال يحملون أمراضا خطيرة.

خ 20 

أي أنك توصي أي زوجين يخططان للإنجاب باجراء هذا التحليل.. على الاقل كل من يستطيع ذلك؟

س 20 

نعم. أنا أعتقد أن زمن إجراء التحاليل المسبقة لاختبار جينات المرء بات غير بعيد..  أي في المستقبل القريب عندما ستتوفر الفرص لمعالجة مختلف الأمراض بمساعدة التعديل الجيني. سأتطرق أيضا باختصار إلى مسائل التخطيط الأسري والوراثة وما يقلق عددا كبيرا من الأمهات والآباء. أي التنبؤ بالنجاحات الرياضية والقدرات الذهنية وغيرها عند الأطفال. إن التنبؤ بذلك متعذر. ربما قد يتسنى ذلك في ما يتعلق بالنجاحات الرياضية.. أو إذا كان الأمر يتعلق باختبار احتمالات نمو العضلات ومدى سرعة حرق الغلوكوز في الجسم، فربما كان ذلك ممكنا. أما الذكاء الذي قد يحظى باهتمام كبير في المجتمع المثقف، فهذا متعذر...

خ 21 

 نعم.. نعم..

س 21 

... من المتعذر تقييمه بواسطة الوراثة، إذ لا أحد يعرف إن كان الذكاء ينتقل أم لا مع الصفات الوراثية. هذه مسألة فلسفية كلاسيكية - nature versus nature  (الطبيعة مقابل الطبيعية). فما الذي يجعلك أنت كما أنت - أي بجوهر ذاتك؟ هل هي الميول والمواهب الفطرية أم البيئة التي ربيت فيها، أي الأسرة المجتمع .. إلخ. إذن من المتعذر حتى الآن تحديد منشأ الذكاء والقدرات الذهنية من خلال فك شيفرة الجينوم. لنقل إن تشخيص مرض الهيموفيليا في غاية البساطة إذ يظهرعند المريض عدم تخثر الدم. وهذا بالنسبة لعالم الجينات مدعاة للنشاط العلمي العقلاني بغية معرفة الجينة المسؤولة عن هذا التغير. ولكن بما إن "العقل والجمال هما في عيني الناظر" كما يقال، أي أنهما مفهومان افتراضيان جدا ونسبيان، فهذا يعني أن من المستحيل واقعيا العثور على جينة العقل والجمال، لأننا لا نعرف عما نتكلم أصلا. *ولكن مع ذلك هناك مقدار محدد من الجينومات بات مفهوما. والعمل على هذه الجينومات جار على قدم وساق. وربما بعض المعطيات التي لا نراها الآن قد يتم تحديدها عند تحليل كمية كبيرة من المعطيات. وربما سيكون ممكنا التحقق من أن حائزي جائزة نوبل يمتلكون جينات ما مسؤولة عن المستوى العالي الذي يتصف به ذكاؤهم. وفضلا عن ذلك من الضروري هنا أن يكون المرء على قناعة بأن حائزي جائزة نوبل أذكياء فعلا. كان جيمس واتسون على سبيل المثالشخصا تهكميا جدا، وهو الذي اكتشف مع فرنسيس كريك الحمض النووي كما ذكرنا أعلاه. يقول واتسون في واحد من كتبه: "لن تصدقوا إذا قلت لكم إن عدد البلهاء بين العلماء يفوق كل المقاييس، ومع ذلك معظمهم ناجحون".

خ 22 

كيلا نخرج عن الموضوع، أود العودة إلى المزاودات في المسائل الوراثية. عندما تتصفح مواقع الانترنت غالبا ما تلفت نظرك عناوين مقالات مدوية عن اكتشاف هذه الجينة أو تلك. بعض العناوين فعلا تثير عندي نوعا من الشك- فماذا لو كان ما تعلن عنه حقيقيا؟ مثل هذه المقالات دائما تلقى صدى واسعا إلى حد ما. مثلا، جينة التدين VMAT 2 أو جينة المثلية الجنسية. كل هه الأمور لها عواقب هامة دائما، فالمثليون بعد اكتشاف جين المثلية حسب الادعاء سرعان ما راحوا يرددون أن اتهامهم بالشذوذ باطل لأنهم ليسوا مذنبين في أي شيء، بل الوراثة هي المسؤولة عن كل ذلك. والأمر نفسه تماما عند غير المتدينين،  الذين لايتأثرون بالطقوس الروحية والدينية عموما، فبدؤوا يقولون إن كل شيء صار مفهوما لهم الآن إذ لا توجد عندهم جينة الرب كما سميت. وبعد ذلك مباشرة انطلقت السجالات حول حرية الإرادة والعدالة الإلهية. ولكن الناس كما تعلم يحبون تلقف مواضيح شبه علمية ويبدؤون النفخ فيها. والآن أرجو أن تؤكد لي ذلك أو تدحضه. من وجهة نظرك كل هذه الاكتشافات المزعومة لجينة النجاح وجينة الرب أو جينة المثلية الجنسية، هل هي موجودة فعلا؟ فثمة أخبار عن ذلك من جامعات معروفة بريطانية وأمريكية وفرنسية أي على مستوى العالم كله. وعندما ذكرتُ ذلك لعالم الأعصاب سيرغي سافيلييف قال إنه كلام فارغ، فتلك المعاهد توظف بهذه الطريقة الاموال التي تحصل عليها لغجراء هذا البحث او ذاك. أي لا بد من تبرئة الذمة بإبراز ما استطاعت إنجازه.... ما رأيك؟

س 22 

لا شك أن ثمة أنصارا لأولوية العامل الجيني في كل شيء ويحاولون إثبات أن كل ما نقوم به تحدده جيناتنا. وثمة طيف آخر. أناسٌ يرون أننا وإياك قادران على الاختيار، وهم على حق إذا كان الحديث لا يدور عن مشكلات ما معيقة جدا بشأن الحركة الفيزيائية أو سواها، التي يمكن أن يكون لها خلفية وراثية فعلا. (خالد: نعم). من الجلي إننا وإياك الآن أثناء هذا الحديث لن نقنع أحدا ولن نحل المسألة. أنا أتكلم عن نفسي فقط.

خ 23 

عفوا.. أنا لا أسأل انسانا عاديا، هذا مجال نشاطك العلمي. طرحتُ السؤال عليك خصيصا كعالم مشهور في هذا المجال, اذ يقول بعض زملائك إنهم اكتشفوا جينة الرب مثلا، كما سموها، فسؤالي لك: هل توجد واقعيا جينة كهذه أم لا؟

س 23 

الجينات مجال نشاطي فعلا، ولكن الرب ليس مجال نشاطي. ولذلك أنا لا أفهم تماما ما المقصود بجينة الرب.

خ 24 

وأنا لا أفهم.. ولذلك توجهت إليك بهذا السؤال.

س 24 

طيب، كيف يمكن الإجابة عن هذا السؤال. يتعين إيجاد حالة ما في جزيء الحمض النووي. أنا وإياك نتكلم عن ذلك وكأنه خطأ مطبعي في كتاب أي في الحمض النووي المشترك لمجموعة ما. مثلا، لمجموعة من المؤمنين.. بغض النظر عما يؤمنون به. ومثل هذا الخطأ المطبعي يفترض ألا يوجد عند مجموعة من غير المؤمنين، اللادينيين. وعلى حد علمي لم تجر أبحاث من هذا النوع، وأعتقد أن من المتعذر إجراؤها.

خ 25 

ولكنهم يتكلمون عن الروحانية. أي عن وجود أناس روحانيين عموما.. وليس من أتباع دين معين.

س 25 

مرة أخرى يبدو لي أن تحديد الروحانية مستحيل. ولذلك، أولا، أنا موافق مع جيمس واتسون الذي قال إن بين العلماء عددا كبيرا من المغفلين. وفي حالتنا سأكون متضامنا مع سيرغي سافيلييف الذي قال لك إن بين العلماء أيضا كثيرا من المحتالين. وثمة كثير من العلماء الرديئين أصحاب فرضيات يؤمنون بها صادقين. ربما لأن عندهم مثل هذه الجينة. وهم سوف يؤمنون بها بغض النظر عن أية معطيات سيحصلون عليها. وفيما يتعلق بالمثلية الجنسية يبدو لي من ناحية أن هذه الظاهرة حاضرة في المجتمعات كافة بغض النظر عن طبيعة المجتمع والتدابير التي تتخذ بحقهم... وغير ذلك.

خ 26 

هل تقصد أن هذا على الأرجح عامل اجتماعي أكثر مما هو وراثي؟

س 26 

من الواضح تماما على الأقل أن الظروف الاجتماعية تؤثر بشدة على المثلية الجنسية والموقف المحدد من هذه الممارسة ومستوى انتشارها. وفي ما يتعلق بالاختبارات والتجارب الجينية سواء على الأشخاص من المثليين أم على المؤمنين بالله، فلا يمكن إجراء مثل هذه التجارب. وبالمناسبة، حتى العلماء قد يضلون سواء السبيل أحيانا ...

خ 27 

 يختلف الأمر إذا كانوا يقومون بذلك من أجل تقديم التقارير وحسب؟ أم أنهم يؤمنون بذلك صادقين. لست أدري....

س 27 

أعتقد أن أغلبية العلماء يؤمنون بنتائج ابحاثهم. ولا أعتقد أن من الضرورة هنا رد الجميل لقاء ما حصلوا عليه من منح.. وإذا كان المقصود المنح والعطاءات لمؤسسات الصحة الوطنية  فلا أحد يطلب الحصول على نتيجة ما.

خ 28   

واضح.

س 28 

نحن جميعا نعيش في المجتمع الحالي الذي له - لنقل- خرافاته ومعاييره وقواعده وخاصة قوالبه العلمية... (خالد: نعم). .. والأغلبية تعمل في إطار هذا الواقع. وثمة أناس يؤمنون أن الجينات تعني الكثير جدا.

خ 29 

نعم. شكرا جزيلا على هذا الحديث وما تضمنه من معلومات وآراء مثيرة للاهتمام فعلا.

س 29 

شكرا.

 

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا