ما هي النفس وما هو منشؤها؟ من به نفس ومن لا نفس له؟ رؤية باحث في علم النفس التطوري

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/op9t

هل النفس أزلية أم أنها ظهرت بتطور الحياة على الأرض؟ ما الفرق بين النفس بالمفهوم العلمي والنفس بالمفهوم الديني والروح؟

هذه التساؤلات ما زالت حتى اليوم موضع نقاش وجدل في أوساط رجال الدين والفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الأعصاب وغيرهم... للتعمق قليلا في هذا الموضوع نستضيف في هذه الحلقة الباحث في مجال علم النفس التطوري، رئيس قسم علم النفس العام بمعهد علم النفس التجريبي بموسكو الدكتور إيفان خفاتوف.

خالد 1 

أهلا بكم..

إيفان 1

طاب يومكم...

خ 2 

يسرني جدا أن أرحب بك وأشكرك جزيل الشكر على المشاركة في هذه الحلقة من برنامجنا. قرأت ب باهتمام ما زودتني به من مواد واطلعت على محاضراتك، فوجدت أنني كلما تعمقت أكثر في الموضوع زاد صعوبة وتشعبا. في محاضراتك تتناول المعنى الدلالي لمصطلح psyche"النفس" من وجهة نظر السايكولوجيا – علم النفس المعاصر - وبالرجوع إلى كمٍ كبير من الأبحاث العلمية. أي في إطار المعرفة العلمية، لا الفلسفية أو الدينية. بهذا الصدد سؤالي على النحو التالي: إن مصطلح psyche أو  psichi الأصلي عند الإغريق يعني "روح" اصطلاحا. وهذا طبعا مفهوم ميتافيزيقي. فهل يحق لنا تفسير هذا المصطلح من وجهة نظر علمية طالما حمل في الاصل معنى ميتافيزيقيا؟ أنت تقول في محاضراتك إن مختلف العلماء الآن يفسرون مصطلح النفس على نحو مختلف تماما. وكل واحد منهم يؤوله حسب ما يراه مناسبا. ومن هنا تنوع التيارات الجديدة في علم النفس: من مذهب "النفس الكلية" (النفس هي الكل) panpsychism  إلى (النفس هي الإنسان)  Antropopsychism. أليس من الأحرى اذن التخلي عن المصطلح الإغريقي وابتكار مصطلح علمي جديد؟ أي توحيد حجج العلماء وصولا إلى الإجماع واختيار معنى دلالي جامع لمفهوم"النفس". ما رأيك؟.

إيفان خفاتوف 2  

نعم، خالد. شكرا جزيلا على هذا السؤال. لقد قررتَ أن تتناول مباشرة المشكلة الأساسية والأكثر أهمية في علم النفس. أحد كلاسيكيي علم النفس السوفيتي ليف فيغوتسكي  Vigotskiyوصف ذلك بـ"أزمة علم النفس". ومما يؤسف له أن علمنا خلافا لكافة العلوم الأخرى لا يمتلك فهما مشتركا للمادة. بمعنى أنه لا يمتلك نظرية مرجعية توضح ما هي النفسpsyche. نظرية من شأنها أن تحظى بفهم واحد من قبل جميع العلماء. وفي هذا الشأن يمكننا القول إن الانتقائية أو التعددية هي الغالبة في علم النفس. يستعمل علم النفس السوفيتي مفهوم "النفس" psyche )بسيخي) بمعنى "الروح". وعلم النفس المعرفي الغربي استخدم مفهوم "النفس" psyche (سايكي) بمعنى mind "العقل". ولكن هذا لا يعني "النفس" تماما بالمفهوم القديم. *وأنا كمعظم زملائي ربما سأوافقك على أن من الأفضل كثيرا لو تم الانتقال إلى فهم واحد. ولكن حتى الآن لم يتم ذلك.

خ 3 

سأوضح سبب تركيزي على هذا الجانب. أنت أول ضيف في برنامجنا من الاختصاصيين بعلم النفس. سبق لي أن حاورتُ حول مواضيع كهذه اختصاصيين في علم الأعصاب. وهؤلاء كما تعلم ينظرون بشيء من الاستخفاف إلى اختصاصيي علم النفس. وتحديدا قال لي البروفيسور سيرغي سافيلييف في حوار معه إن اختصاصيي علم النفس لم يستطيعوا حتى الآن حسم مسألة المصطلحات. وعندما تنشب بين علماء الأعصاب وعلماء النفس سجالات حول الروح أو الوعي، فإن افتقاد علماء النفس إلى وحدة النظرية والاصطلاح لا يتيح لهم كسب تلك السجالات. بينما  عند علم الأعصاب كل شيء واضح لأنهم يتعاملون مع أجزاء معينة من الدماغ ويؤثرون فيها ويرصدون تفاعلها. أما ما يقوم به علماء النفس فلا يمكن رصده لا بجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي أو المقطعي أو ما شابه. هل توافق على هذا الرأي؟

ايف 3 

أوافق على ذلك لأننا ندرس ظواهر غير مادية. هذا صحيح تماما. ومن المتعذر دراسة النفس بمساعدة أدوات ما. الأغلبية المطلقة من علماء العلوم الطبيعية يرون أن النفس ظاهرة غير مادية، أو أنهم ببساطة ينفون وجود هذه الظاهرة، خاصة البروفسور سافيلييف الذي أعرفه شخصيا وأكن له الاحترام.

خ 4 

ولكن ما رأيك لو استبدلنا مصطلح psyche  بكلمة "روح" ما المشكلة في ذلك؟ عموما، في الجامعات التقليدية، في كليات علم النفس يدرسون psyche "النفس" كعلم... أما في المعاهد الدينية فيتحدثون عن الروح؟ أي يدرسون نفس الشيء عمليا لكن المقاربات مختلفة. على سبيل المثال يتجه الناس إلى اختصاصي علم النفس كي يساعدهم في فهم معاناتهم الروحية. وفي الكنيسة أثناء سر الاعتراف يقوم رجل الدين بما يقوم به الأخصائي في علم النفس عمليا؟ أي بـ"معالجة الروح" كما يقال. أم أنك لا تتفق مع هذه المقاربة؟

ايف 4

أولا، يجب أن ندرك جيدا أن أختصاصيي علم النفس ليسوا من أصحاب التعليم الطبي. ولذلك نحن لا نعالج. نحن لسنا أطباء نفسانيين. يجب أن نتذكر ذلك. ثانيا، أنتَ على حق تماما في الإشارة إلى أن رجال الدين غالبا ما يقومون بوظيفة الاختصاصصين في علم النفس. وهذا طبيعي تماما لأن علم النفس القائم على النظرية والممارسة لم يظهر إلا منذ عهد قريب نسبيا، أي قبل مئتي سنة على وجه التقريب. وقبل ذلك كان لا بد أن يقوم أحدٌ ما بوظائف الخبير النفسي هذه؟ وبالتالي ألقيت هذه المسؤولية على عاتق رجال الدين. ولكن من ناحية أخرى لا يجوز في أي حال من الأحوال القول بأن فهم خوري مسيحي مثلا لمصطلح "الروح" يتطابق مع فهم اختصاصي علم النفس. الأمر ليس كذلك البتة.

خ 5 

أين إذن التناقض في تفسير "النفس" psyche  في أوساط اختصاصيي علم النفس؟ وما التفسير الأقرب إليك إذا تناولنا مصطلحات كافة تيارات علم النفس من مذهب (النفس هي الكل) وحتى ( النفس هي الإنسان)؟ أو هل ينبغي دراسة النفس عند  كل ما هو حي أم أن الأكثر صوابا دراستُها عند من يتمتع بالعقل أو الإدراك فقط ؟ ما رأيك؟

ايف 5

أنا في هذه الحالة تحديدا أحاول التزام المقاربة العلمية. علينا أن نحصل على تعريف للنفس يمكن للجميع العمل به. أي أن نحدد بدقة أن النفس تتجلى عبر معايير ما محددة وقياسية. بعد ذلك سيكون بالإمكان معرفة إن كان الشخص يلبي هذه المعايير أم لا، أو إن كان يلبيها (حيوان من القوارض) أو الصرصور أو حتى الجماد. لأنه دون تعريف دقيق لمفهوم "النفس" psyche يمكن اكتشاف هذه النفس  عند الحجر أيضا.. وهناك فلاسفة يؤيدون وجهة النظر هذه.

خ 6 

لا الفلاسفة فقط ففي الهندوسية وبعض المذاهب البوذية هذه الفكرة موجودة بمعنى أن كل ما هو موجود في الكون له روح. وبالمناسبة. بالمناسبة، حتى في القرآن الكريم مذكور: (وان من شيء) والشيء يشمل كل ما هو موجود. جاء في إحدى الآيات: "تسبح له السماوات والأرض أي (سائر الكون) ومن فيهن (اي المخلوقات) وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"... وقد استدل بعض الصوفية بهذه الآية لإثبات وحدة الوجود - "النفس الكلية". هذا جانب مثير للاهتمام.

ايف 6  (33 сек)

صحيح. أنا اتفق معك. ولكن ثمة فلاسفة من ذوي التوجهات العلمية- الطبيعية لهم فهم آخر... ومن هؤلاء ديفيد تشالمرز Chalmersالذي يجاهر بمناصرة مذهب "النفس الكلية". ويقول إن مصطلح "العقل" mind مطابقٌ لمفهوم "المعلومات  - البيانات". وطالما أن المعلومات- قائمة على أساس المنظومة، فهذا يعني أن جميع المنظومات تمتلك وعيا. ولكن هناك فلاسفة آخرون لا يوافقونه الرأي. أي أن المشكلة الرئيسية، مشكلة المصطلحات، لا زالت تواجه اختصاصيي علم النفس كما اتضح لنا.

خ 7 

وما برهانه على صحة أحكامه؟ وهل ترى أن لدى اختصاصيي علم النفس أنصار مذهب "النفس الكلية" حجج مقنعة تجعلنا نقتنع بصواب موقفهم؟

ايف 7 

الأمر بسيط جدا. إذا أخذنا المعلومات كمقياس لتناسق المادة، علما بأن ما من مادة إلا وهي متناسقة بشكل ما، فهذا يعني أننا سنجد دائما في أية منظومة مكونا ماديا ومعلوماتيا. أي إذا وضعنا علامة التساوي بين المعلومات والوعي، بين المعلومات والروح، فعندئذ سنضطر حقا للاعتراف بأن أية مادة من المواد، وضمنا الجماد، لها "نفس". على الأقل بعض الفلاسفة يؤكدون ذلك.

خ 8 

أي أنهم، يقصدون بالنفس انتظاما وتناسقا ما؟

ايف 8 

نعم. تناسق المعلومات، أو انتظام المعلومات على مستوى الذرات. وهذا يناسب العديد من الفلاسفة. طبعا هذه وجهة نظر مثيرة للاهتمام جدا، ولكنها ليست ملائمة لاختصاصيي علم النفس. لأننا، على أية حال، نسعى إلى استنباط طرائق موحدة المقاييس قدر الإمكان. أما بالنسبة للأحكام التي يعتمدها أنصار "النفس الكلية"، فقد تظهر تعقيدات في طرائق العمل. فإذا كانت للحجر نفس، وللإنسان نفس، فلن يتمكن اختصاصيو هذا المجال من دراسة نفس كل منهما باتباع أساليب المقاربة ذاتها. وبهذا المعنى لا بد من تقليص جوهري لمعايير العمل الحالية.

خ 9 

نعود إلى السؤال الأول. وهو أن مختلف العلماء يقصدون  بكلمة "النفس"  psyche شيئا ما مختلفا، ولا علاقة له بما كان يعنيه الإغريق القدماء بهذه الكلمة. ولكن كل تعريف جديد لمصطلح "النفس" psyche له تسميته في العلم المعاصر. وقد يكون مصطلح "الأنا ego" في نظرية التحليل النفسي، "العقل" ، "الوعي"، "الإدراك" أو شيء من هذا القبيل. فثمة الكثير من الكلمات والمصطلحات الجاهزة، فلماذا العودة المرة تلو المرة إلى المفهوم الإغريقي القديم psycheومحاولة ربطه قسرا بمصطلحات أصلا موجودة ومتداولة علميا؟

ايف 9 

نعم. وهو كذلك فعلا. ولكن يمكنني القول أننا نستعمل اليوم مفاهيم كثيرة من اللغة الإغريقية القديمة. على سبيل المثال، عرف أرسطو "الروح" بأنها "الانتِليشيا الأولى للكائن الحي" التي بفضلها يعيش الجسد ويعمل. والانتليشيا هي القوة الداخلية التي تتضمن في ذاتها الهدف والطاقة الضرورية لبلوغه. وكما قال أرسطو: "لو كانت للعين روح لكان البصر هو روحها". فالروح بهذا المعنى هي وظيفة معينة لا تحمل صفة المادة. هذا يعني أن أرسطو قبل أكثر من ألفي سنة وصف ما ندرسه الآن على مستوى أكثر تعميما. وفي ما بعد اقتبس الفلاسفة عنه مصطلح "الانتليشيا".. فالفلسفة اليونانية القديمة قدمت لنا غير قليل من المباحث العلمية التي يمكننا الاقتباس منها. ومن ناحية أخرى ما ذكرته يا خالد صحيح أيضا. عندنا مصطلحات اعتدنا عليها. كل ثقافتنا البشرية تستعمل مصطلح "الروح " في هذا التأويل أو ذاك ونحن نستعمله بأشكال مختلفة. ولكننا في العلم نسعى للنأي عن ذلك نسعى لابتكار شيء ما جامع أكثر وضوحا ولا التباس فيه. ولذلك، على سبيل المثال قال أنصار النظرية السلوكية في حينه إنهم لا يدرسون النفس بالمفهوم القديم بل السلوك. أما السلوكيون الجدد فيقولون إنهم يدرسون "العقل" mind "الوعي"، وإن العمليات المعرفية هي أصل الإدراك. وهذا يتجاوز علم النفس المعرفي إلى العلوم المعرفية. ولكنهم مع ذلك اعتمدوا مثل هذه التفسيرات والاصطلاحات. أما أنا مثلا فأحاكم المسائل من زاوية نظر أخرى.

خ 10 

بالمناسبة، ألا تعتمدون في عملكم على علم الأعصاب؟ فعلم الأعصاب يعتمد على علاقات السبب والنتيجة بين عمليات الدماغ وتجلياتهافي نشاط الإنسان البدني وفي نشاطه الذهني؟

ايف 10

التخصصات العلمية المختلف تتناول مستوياتٍ مختلفة من تنظيم المادة ومن المفترض أن لكل مستوى منظوميته ونهجه. على سبيل المثال في علم الأحياء عندما ندرس ظاهرة الحياة نعلم أن الحياة شكلٌ خاص لانتظام المواد البروتينية. ولكن دراستنا بنية البروتين الكيميائية لا تتيح لنا معرفة آلية العمل التي تجعل هذه البروتينات تعمل بنظام محدد دون غيره. وكذلك الأمر في علم النفس. من الواضح تماما أن النفس - عند الثدييات على الأقل- لا توجد بدون عمل الدماغ. ولذلك فإن النفس- كما نقول- ترتكز على نشاط الدماغ. ولكن على الرغم من أن علم الأعصاب قادر على تحديد مناطق الدماغ النشطة عند هذه أو تلك من التجليات النفسية.. ولكن ذلك لا يتيح لنا الفهم الكامل لأسباب ومنبع هذه التجليات النفسية أو تلك لأن هذا مستوى آخر لتنظيم المادة.

خ 11 

بالفعل السنن الطبيعية ليست مفهومة، سواء في حالة التجليات النفسية أم في حالة عمل البروتينات.  قبل مدة وجيزة تحدثت مع عالم الأحياء الدقيقة أرمين مولكيجانيان عن الحد بين تعريف المادة الحية وغير الحية. فحتى هو، العالم الذي يشتغل على طاقة الخلايا، قال لي إن من الصعب جدا وضع حد فاصل بين الحي وغير الحي. هذه مسألة معقدة فعلا.

ايف 11 

وكذلك الأمر عندنا. وبالفعل غالبا ما تبرز نزاعات بين ممثلي علم الأعصاب وممثلي علم النفس. يقول لنا ممثلو علم الأعصاب: "نحن بإمكاننا أن نرى كيف يعمل الوعي. وعندما يقوم الشخص بهذا النشاط أو ذاك نرصد هذه أو تلك من فعاليات الدماغ". فنرد بالقول: "هذا مثال غير صحيح لأن من المستحيل التنبؤ بسلوك الإنسان وانفعالاته وذاتية قراراته اعتمادا على دراسة نشاط هذه أو تلك من مناطق الدماغ ". أي لا يمكن توقع النتيجة بتكرار التجربة كما في العلوم الدقيقة. 

خ 12 

طيب. أود أن تعطينا تعريفك الشخصي للنفس. من المعلوم أنك درست جميع تعاريف العلماء المشهورين لمصطلح "النفس"، واطلعت عليها. هذا هو عملك... فما هو التعريف الاقرب لك أو تعريفك شخصيا؟ ماهي "النفس

ايف 12

 دعنا نصوغ التعريف اذن. *النفس هي تنظيم معلوماتي لتفاعل الكائن الحي مع الوسط المحيط . تنظيم يتيح لهذا الكائن الحي ترتيب هذا التفاعل مع العالم الخارجي وضبط سلوكه الذاتي من خلال هذا التفاعل.

خ 13 

حسنا... هل يمكننا القول إن البشر في حالة الغيبوبة الكوما لا نفس لهم؟

إيف 13 

هذا سؤال جيد. ولكن هنا يمكننا طرح ملاحظات انتقادية كثيرة...

خ 14 

هذا أول ما خطر ببالي. لم أكن مطلعا على تعريفك.. طرحت عليك أول ما فكرت فيه.

ايف 14

نعم. واضح. دعنا نناقش الأمر. السؤال: هل يفقد الإنسان كليا الفعالية السلوكية عندما يكون  في غيبوبة؟ اذ حتى عندما يدور الحديث عن شخص مريض في حالة إنباتية  تواصل عملها بعض مناطق الدماغ عنده، كما تبين الأبحاث. ونفسُ الشخصِ لا تتلاشى بالكامل. في هذا الصدد ينجم عن تعريفي أن النفس تفترض منظومة معلوماتية وتناسقا عند أي تفاعل للكائن الحي مع العالم الخارجي.

خ 15 

طيب، هل يمكن إيجاد علاقة ما بين النفس وحرية الاختيار؟

ايف 15 

في إطار فرضية (النفس هي الإنسان) يمكننا النقاش حول ذلك قدر ما نشاء. أما في إطار علم النفس التقليدي الذي تطور في الاتحاد السوفيتي فمن المألوف الفصل بين مفهومين: "النفس" و"الوعي". ثمة وجهات نظر مختلفة حول مفهوم "الوعي". ولكن تقليديا بالمعنى النفسي- التطوري يفهم بـ"الوعي" مستوى أعلى بعض الشيء لتطور النفس. والوعي وفق هذا المبدأ أيضا موجود عند الإنسان فقط. الوعي يفترض على وجه الخصوص حرية الإرادة التي تتحدث عنها يا خالد. وحرية الإرادة موجودة عند الإنسان فقط. نحن لا ننفي أن الوعي قد يكون عند الحيوانات أيضا. ولكننا وفق بعض المعايير لا نجده حتى الآن إلا عندنا نحن البشر. وإذا نظرنا إلى التعاليم الدينية، نجد أنها تتناول موضوع اكتساب الوعي (وهذا واضح في العهد القديم) وكأنها تقول بلغة العصر: "طالما أصبحتم مستقلين وتريدون أن تعرفوا أنفسكم وأن تكونوا مسؤولين عن أنفسكم بأنفسكم... فليكن. قوموا بكل شيء بأنفسكم". وقصة طرد الإنسان من الجنة كمحاكاة لظهور الوعي عن البشر تقول لنا إن الوعي يخص الإنسان فقط. والنفس هي الوعي. كل هذا بالكامل يدعم حجج القائلين: النفس هي الإنسان. ولكن هذا تطرف معاكس مقارنةً مع مبدأ: النفس هي الكل التي تقول بأن الطبيعة كلها حية ولها نفس.

خ 16

ولكن مذهب النفس الكلية ( النفس هي الكل)  واقعيا هو مذهب الواحدية أو مبدأ الكل هو الله. يؤكد مذهب النفس الكلية أن كل ما هو حي وكل ما هو مادي له نفس، بينما الواحدية تنطلق من أن كل ماهو مادي يحمل طاقة كونية ميتافيزيقية.

ايف 16

*يبدو لي أن المثال الأنسب لما تصفه يا خالد هو فلسفة سبينوزا الذي كان من القائلين بوحدة الوجود، وبالنفس الكلية في آن.

خ 17 

نعم، نعم... ولكن سبينوزا وإن أصبح فيلسوفا زنديقا كان متأثرا بالتلمود والكابالا. مع العلم أن في تعاليم الكابالا والصوفية مكانا لفهم العالم على هذا النحو. ومرة أخرى، في الإسلام ثمة تعاليم باطنية- أي الصوفية القريبة من الكابالا نجد فيها مفهوم وحدة الوجود. بمعنى أنني لا أرى في هذا الميدان فرقا كبيرا بين العلم والدين. وإذا كان بالإمكان إيجاد حيز يقف فيه العلم والدين على مقربة أحدهما من الآخر فربما سيكون ذلك حيز الفلسفة وعلم النفس، في الجزء الذي يتعلق بتفسير الروح والنفس وكل ما يرتبط بها.

ايف 17 

هنا لا يمكنني أن أوافقك الرأي. إذا تناولنا الدين كمنظومة عقائد تقوم على الجزم  والإيمان بما هو خارق فعلم النفس مثله مثل الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا ليس قريبا من الدين في هذا الشأن؛ لأننا لا نرى أن النفس خارقة، ولو كنا نؤكد أنها ظاهرة غير مادية.. النفس ليست غيبا خارقا بالنسبة لنا. 

خ 18 

 لو كان الأمر مفهوما بالنسبة لكم لحددتم على الأقل منشأ أو منبع التجليات النفسية في دماغ الإنسان أو أي جزء آخر من جسمه أو جسم الحيوان، أو النبات... فالعلماء يربطون دائما بين النتيجة والسبب.

ايف 18

ولكن هذا السؤال لا يوجه إلى علم النفس فقط، فهو سؤال فلسفي أساسا. المسألة التي تناولناها هي مسألة حرية الإرادة. في علم النفس مقياسان افتراضيان، أولهما هو وجود الحتمية أو افتقادها، والثاني هو وجود أو عدم وجود حرية الإرادة. وما تتكلم أنت عنه هو الاحتمال الأول- احتمال الحتمية الصارمة.

خ 19 

وأيهما ترجح؟ الانسان مسير أم مخير؟

ايف 19 

إذا تكلمنا فلسفيا فأنا ألتزم وجهة النظر التي تسمى "التوافقية". وهي تعاليم تقول إن حرية الإرادة متوافقة مع الحتمية. أي أن اشتراط السببية والنتيجة في الطبيعة عامة  وحرية الإرادة قابلان للتعايش في الوقت نفسه. لأننا أنا وأنت وأمثالنا، ككائنات حية، منظوماتٌ عشوائية. أقول لطلابي: "بإمكاني التكهن اليوم بسلوككم في إطار محدد. يمكنني التأكيد أن كلا منكم على الأرجح، سيشرب اليوم ماء وسيذهب إلى الحمام، وسيفعل شيئا ما آخر. ولكنني لا أستطيع القول في أية لحظة ستقومون بذلك. وحتى أنتم بالذات لا يمكنكم تحديد مواعيد ذلك إذ عندنا جميعا مدى معين لعشوائية السلوك". وهذا يتعلق بأية منظومة حية معقدة التكوين سواء كانت إنسانا أم صرصورا... ولا يقتصر هذا على الظواهر النفسية بل يتعلق أيضا بظواهر الكيمياء والفيزياء. ولذلك يمكننا أن نلاحظ في ميكانيك الكم أيضا شيئا ما عشوائيا عندما نتطرق إلى مسألة وجود أو عدم وجود حرية الإرادة.

خ 20

*ألا يبدو لك أن النفس ظاهرة على درجة كبيرة من التعقيد ولا تزال غير مفهومة للعقل البشري، وأن دماغنا لم يتطور بعد لفهم المعنى الدلالي للنفس.. ولا يقدر على ذلك في ما يتعلق بمفهوم "النفس" تحديدا؟ أقصد عدم قدرته على رفد هذا المفهوم بحيث يتوافق مع المعنى الميتافيزيقي والمادي لهذا التعريف؟

ايف 20 

 لنعترف أننا في وقت ما من الماضي لم نكن نفهم بدقة تامة ما هي الكهرباء مثلا، وكيف نتحكم بها...

خ 21 

نعم..هذا صحيح.

ايف 21 

... أما الآن فربما من المستحيل أن نتصور شخصا متحضرا لا يعرف شيئا عن ذلك. وللإنصاف يتعين علينا القول إن معارفنا الآن عن النفس psyche ومفهوم الروح ومفهوم العقل mind ومفهوم "السلوك" تفوق بعض الشيء معارف  معاصري كارل يونغ وزيغموند فرويد أواخر القرن التاسع عشر. 

خ 22 

إذن أستنتج أن علم النفس الآن يوجد في مرحلة كتلك التي وجد فيها علم الوراثة والتطور قبل فك شيفرة الجينوم، قبل اكتشاف الحمض النووي. يبدو لي أن علم النفس في مثل هذه المرحلة الابتدائية. أنتم - اختصاصيو علم النفس- تتعاملون مع ما لم تفك شيفرته مجازا حتى الآن. أقصد مصطلح psyche. أنتم تحاولون الإمساك بمعنى موحد للمصطلح  وطرح تسمية له. تحاولون أن تملؤوه بتفسيرات شتى ولكن النتائج مختلفة عند الجميع. وكما تقول أنت شخصيا يجب العمل تجريبيا بطرائق تطبيقية أخرى بغية اختبار أي تعريف للنفس هو الأنسب وربما الامر بحاجة الى ثورة علمية والخروج من أطر المادية الصرفة. ما رأيك؟

ايف 22 

نعم. مقارنة مثيرة ولكن قد أقارن علم النفس بالبيولوجيا قبل اكتشاف الخلية.

خ 23 

هذه أيضا مقارنة ممتازة.

ايف 23 

أكرر القول إن ما ينقصنا على وجه الخصوص هو المادة التجريبية. ولكنني واثق من أن علمنا سيكون غير ما هو عليه الآن. ليست لدي أية شكوك في هذا الأمر. خلال القرن العشرين فقط حدثت أكثر من ثورة في علم النفس. ولك أن تتصور أن جميع علماء النفس يتبادلون المعارف دائما. وفي هذا إثراء متبادل. لدي ما يكفي من الآراء والتوقعات المتفائلة لجهة قدرات العلم عامة وعلم النفس خاصة. والشكر لكم على طرح هذه المواضيع..

خ 24 

شكرا جزيلا لك يا إيفان. ها قد وصلنا إلى ختام هذا اللقاء دون أن أشعر بمرور الوقت. كان الحديث شيقا ومثيرا للاهتمام جدا. ولي الأمل بأنه كان كذلك للمشاهدين أيضا. واعتقد أننا سنجد مواضيع جديدة للقاءات قريبة قادمة.

ايف 24 

 شكرا.

خ 25

شكرا. دمت بخير.

 

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا