لماذا ظهر الإيمان بالتزامن مع تشكل الوعي عند البشر؟ رؤية باحث في علم النفس التطوري

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ozo5

في هذه الحلقة نتابع الحوار مع رئيس قسم علم النفس العام بمعهد التحليل النفسي بموسكو، الباحث في علم النفس التطوري الدكتور إيفان خفاتوف

ليحدثنا عن الوعي وبما يختلف مفهوم الوعي عن مفهوم النفس الذي تطرقنا إليه في الحلقة السابقة مع نفس الضيف.

خالد 1

بروفيسور خفاتوف ... أهلا ومرحبا بكم.

خفاتوف 1

 طاب يومكم.

خ 2

يطيب لي ويسرني للغاية أن نلتقي مجددا في هذه الحلقة من برنامجنا لاسيما أن لقاءنا هذه المرة بالحضور الحي وليس عبر السكايب. في المرة السابقة تناولنا وإياكم موضوع "النفس".. أما اليوم فننتقل إلى مستوى أعلى لنتكلم عن الوعي. ربما كان منطقيا أن رتبنا الأمر على هذا النحو تحديدا لأنه يتوافق مع التسلسل الزمني لمسيرة علم النفس التطوري.

هلاَّ أوضحتم لنا كيف يفسر علم النفس اليوم ظهور الوعي؟ وبمَ يختلف الوعي عن النفس (أو الحالة النفسية) التي تحدثنا عنها في لقائنا السابق؟

إيف 2

بداية بودي أن أشير إلى بعض التعقيد في المصطلحات. عندما نتكلم عن الوعي إنما نرتفع درجة أعلى فعلا.. فالوعي شكلٌ خاص معقد لتنظيم النفس لا وجود له إلا عند الإنسان كما قد يبدو للوهلة الأولى. وهنا يجب أن نأخذ بالحسبان أن هذه مجرد  زاوية واحدة من زوايا النظر إلى الوعي. ثمة تأويلات أخرى لا بد من توضيحها كيلا نواجه أي تشوش أو التباس. أولا- يمكننا تأويل الوعي بالمعنى الفلسفي لهذه الكلمة.*

خ 3

أود أن أعلمكم مقدما أننا رتبنا أيضا للقاء مع اختصاصي في علم الأعصاب حول الجانب الفسيولوجي- التجريبي لمفهوم "الوعي" لكي نلقي الضوء على دراسات الدماغ التجريبية. أي أننا وإياكم سنتناول تحديدا الجانب النفسي- الفلسفي لهذا المفهوم دون التعمق في علم الأعصاب.

إيف  3

أنا لا أعتزم التعمق في علم الأعصاب لأن هذا ليس مجال عملي... فلنواصل ما بدأنا منه. يمكننا الحديث- ثانيا- عن الوعي من وجهة نظر علم النفس أيضا. فمن المتعارف عليه تقليديا في هذا العلم أن يُعتبر الوعي مستوىً أعلى للتطور الفيلوجيني.. وللتطور الأونتوجيني للنفس(الحالة النفسية)الذي لا وجود لهإلا عند الإنسان.

خ 4

سأترجم هذا فورا للمشاهدين بلغة مبسطة: التطور الفيلوجيني في علم الوراثة العرقي يعني تطور الأنواع (ترابط التطور عند جميع الكائنات الحية). والتطور الأونتوجيني يعني تطور الكائن الحي الفرد.

إيف 4

نعم. طريق التطور الفردي. وفي هذا الجانب تأكيدٌ على أن الوعى ليس خاصية من خاصيات الإنسان فقط.. نحن لدينا طبعا خاصيات وراثية معينة تسهّل اكتساب الوعي... ولكن لا ينبغي القول إننا نولد ووعينا معنا. كلا، الأمر ليس كذلك.. بل نحن نكتسب الوعي في مجرى التنشئة الاجتماعية.. في سياق التمكن من مهارات خاصة. فهو إذن ليس خاصا بنا سلفا وبالفطرة.

خ 5

أي أن لدى الإنسان أساسا للوعي، فإما أن يتطور وإما لا يتطور؟

إيف 5

صحيح تماما.

خ 6

يجري ذلك خلال عملية التنشئة الاجتماعية لأن الأطفال الصغار- كما هو معروف- لا يمتلكون الوعي.

إيف 6

نعم.. هنا بالضبط يكمن جوهر الأمر.. أما أساس الوعي فهو آلية تطبُّع اللغة. نحن ننظر إلى اللغة كأداة للوعي. وهذا موضوع مثير للاهتمام جدا لأن بوسعنا الافتراض أن الوعي يتم ضبطه أو ضمانه بواسطة أدوات ما أخرى من أدوات النشاط الحيوي. ولكن هذا على الأغلب مجرد خيال... فانظازيا.

خ 7

أي هل يمكننا أن نضع الحد الفاصل.. ونقول: حيث توجد اللغة يوجد الوعي، كما في حالة الإنسان. وحيث لا توجد اللغة لا يوجد الوعي؟ أم أن الأمر ليس على هذا النحو تماما؟

إيف 7

يمكننا القول إن الوعي يوجد حيث يوجد الكلام (النطق).. وفي هذه الحالة ربما أميل إلى الفصل بين "اللغة" و"الكلام". ويمكنني أن أوضح ذلك الآن مباشرة.

خ 8

نعم. هذا مثير للاهتمام حقا. للحيوانات أيضا لغتها.. ولو أن الكلام - بمفهومنا نحن- لا وجود له عندها. ربما هنا المغزى؟

إيف 8

الحيوانات عندها تواصل (سبل اتصال). وهذا مفهومٌ أوسعُ من اللغة. *

خ 9

هذه هي السيميائية (سيموطيقا)... نظام علامات أو إشارات؟

إيف 9

نعم. وبهذا المعنى أيضا ثمة اتجاه كامل في العلم يسمى "السيميائية البيولوجية" التي تدرس مجمل سبل الترابط  والتواصل. وكل نوع من الكائنات الحية وفقا للتطور معنيٌ في أن يُنشئ داخله إشاراتٍ وحركات معينة للتفاعل... يمكنني أن أضرب مثلا  على ذلك قرود الفرفت التي عندها تراكيب صوتية مختلفة للدلالة على أنواع مختلفة من الحيوانات المفترسة على الأرض وفي الجو (مثلا الوحوش والطيور الجارحة). وهذه الأصوات بالتمام والكمال مقررة جينيا. والأقدر- في هذا النظام - على البقاء قيد الحياة هي تلك الأفراد التي يمكنها نقل هذه الأصوات بوضوح أكبر والتعرف عليها وفهمهما بصورة أفضل. فهل هذا تواصل ؟ نعم.. إنه تواصل.

خ 10

ولكن أليست هذه لغة إلى حد ما؟ وإن كانت بدائية تماما. 

إيف 10

يتوقف الأمر على ما نعنيه بكلمة "لغة". من المتعارف عليه تقليديا في علم اللسانيات وفي الدراسات الثقافية وفي علم الاجتماع وعلم النفس أن كلمة "اللغة" تعني ما يسمى "نظام الإشارات الثاني" وفق تعبير عالم الفسيولوجيا الروسي إيفان بافلوف. وهذه وسائط تواصل مجردة.. وليست مغروسة فينا جينيا. بل نحن نكتسبها. نستوعبها ونبدأ باستعمالها. من المفهوم أن لغتنا الحديثة وإياكم.. وأية لغة في العالم هي نتاج مرحلة متأخرة من مراحل تطور الإنسان حتى أن بإمكاننا تتبع كل مراحل هذا التطور منذ الإشارات الأولى ومنذ أول تقليد للأصوات. ولكن هذا موضوع آخر نسبيا. إذا واصلنا الحديث في موضوعنا يتعين أن نلاحظ أن مثل هذه اللغة يمكن أن تتقنها بشكل رائع حيوانات أخرى أيضا. فثمة ما يسمى بالقرود الناطقة بالمعنى الحرفي للكلمة. وهذه القرود تستعمل للتواصل ما يعرف بالوسائط اللغوية الاصطناعية التي صممها وكيفها الإنسان خصيصا لهذه القردة. وهي أساسا لغتان. لغة "آمسلين" ولغة "يركيش". الأولى لغة إشارات والثانية لغة تستخدم فيها الصور التي تسمى "لوحات ليكسيغرام". ويقال إن مستوى تعلم هاتين اللغتين عند القرود يعادل تقريبا مستوى تعلم طفل في عمر سنتين ونصف السنة.

خ 11

هل يمكننا القول عندئذ إن الطفل في عمر سنتين ونصف السنة لا يمتلك وعيا؟

إيف 11

هذه نقطة هامة. دعونا ندقق في الأمر. هل يمكننا القول إن طفلا بعمر سنتين ونصف السنة يتقن الكلام؟ وعندئذ هل يمكن القول إن الكلام واللغة شيء واحد..الشيء نفسه؟ كلا.. ليس على هذا النحو تماما. فاللغة منظومة ثقافية معقدة جدا. وهذا جانب هام يتعين إيلاؤه الانتباه اللازم.. إن الوسائط اللغوية الاصطناعية التي تلقن للقرود وُضعت على قاعدة اللغة الإنكليزية. أما في اللغة الروسية فلا تستطيع القرود شبيهة الإنسان أن تستوعب هذه الطريقة... فلماذا؟ السبب هو حرية ترتيب كلمات الجملة في اللغة الروسية. وبنية اللغة هذه يصعب فهمها على تلك القرود (خالد: نعم...نعم). وثمة جانب هام آخر... وهو أن الكلام ليس مجرد مفردات بل هو أيضا نظام خاص للتفكير كما يقول عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي. في مرحلة معينة التقى خط تطور التفكير وخط تطور اللغة فظهر ما نسميه الكلام والوظائف العقلية الأعلى. أي عندما أتكلم معكم الآن فأنا في حقيقة الأمر أفكر لأنني أختار الكلمات. (خالد: نعم). وعندما أفكر، عندما أتكلم، أقوم بذلك بواسطة كلمات – مقولات لفظية. عندما يمتلك الإنسان اللغة تجري إعادة تهيئة لكامل نفسيته (ذهنيته حالته النفسية). وبواسطة الكلمات يتذكر الإنسان، ويخطط حياته.. وهلمجرا. لا وجود لهذا كله عند القردة شبيهة الإنسان. كما أنه- على الأرجح- غير موجود عند طفل في عمر سنتين ونصف السنة. ولهذا على الأغلب لا يمتلك مثل هذا الطفل وعيا بالمعنى الكامل للكلمة. بعد ذلك بقليل يصل الطفل إلى الحد الذي من بعده يبدأ وعيه بالتطور.. أي بعد ثلاث سنوات أو ثلاث سنوات ونصف السنة. وهذا عمر الأزمة كما يسمى في علم النفس، أزمة "أنا المستقلة". لننتبه بالمناسبة إلى جانب مثير للاهتمام جدا... فإلى هذه المرحلة يعود أيضا إدراك "الأنا" عند الطفل. هذا في حين أن القرود الناطقة مهما كانت حاذقة فهي تعرّف عن نفسها عبر الآخر. وهي في هذا كالأطفال عندما يتحدثون عن أنفسهم بصيغة الغائب.. كما يقول عن نفسه -على سبيل المثال- طفلٌ لا على التعيين: "فانيا يريد أن يتمشى.. يريد أن يأكل". وهذا ما تفعله القرود تماما. ولكن لاحقا... بعد ثلاث سنوات أو ثلاث سنوات ونصف السنة كما سبق وذكرت يظهر عند الانسان مفهوم "الأنا" الخاصة.. أناه الخاصة. في هذه السن يريد الطفل الاستقلال عن والديه إلى حد معين. وبطموحه هذا يعلن أيضا عن ظهور الوعي عنده. وهذا كله يتجلى - وفقا لجملة من المعايير- في هذه السن تحديدا.

خ 12

حسنا. سأتلو هذا المقطع وبودي جدا أن أسمع تعليقكم... هذا نص ثمة بعض التعقيد في صياغته من حيث اللغة ولكنني أعتقد أنكم كمربٍ خبير ستنقلونه لنا بلغة مبسطة.. لغة الإنسان العادي. وهذا هو:

 "ظهر الوعي في مجرى تطور الإنسان التدريجي الطويل وصيرورته إنسانا من النمط المعاصر.. الاجتماعي من حيث أسلوب كينونته. * والحيوانات خلال تطور نشاطها تعلمت الاهتداء في ظروفها ومعرفة الوضع الذي هي فيه. وتعلمت تخطيط أو برمجة سلوكها. لقد تشكل هذا كله عندها نتيجة التكرار المتعدد لهذه الأوضاع فصارت تظهر في نشاطها تدريجيا مهامٌ لم يعد ممكنا حلها على أساس آلي تلقائي. وبعد أن تطور مخ الحيوان اضطر أن يشغّل كابح ردود الفعل الآلية التلقائية وذلك لتركيز انتباهه على الظروف الجديدة في الواقع الخارجي. وصار عند الحيوان عمل نفسي (ذهني) داخلي ساعده في وضع مخطط أولي لأفعاله المستقبلية".

*استنتج من هذا النص أن الآلية.. التلقائية... صارت في مرحلة ما غير مفيدة  بل وخطيرة الأمر الذي أدى في النتيجة إلى ظهور تفكير نقدي وحتى رد فعل انعكاسي عند الحيوان... هل الأمر على هذا النحو فعلا؟

إيف 12

نعم. هذا النص واسع ما فيه الكفاية.. فلنتناوله بالترتيب. نقطة نقطة.

خ 13

حسنا  وهو كذلك.

إيف 13

*لنأخذ على سبيل المثال التجارب التي أجراها على الشمبانزي عالم النفس الشهير فولفانغ كوهلر. وضع أمام الشمبانزي موزةً كطُعم مغرٍ إنما وراء شبكة من القضبان لا تتيح له الوصول إليها بيده. بالقرب من الشمبانزي كانت دائما توضع عصا. رأى القرد الموزة التي  تثير شهوته الجامحة. وأهم لحظة في العالم بالنسبة له هي أن يصل إلى هذه الموزة. ولذلك رتب كل حياته بحيث يصل إليها في نهاية المطاف. ولذلك أدرك أخيرا أن عليه أن يأخذ العصا ويجتذب الموزة بها. وهكذا نجد أن الحيوانات قد يكون عندها ما يكفي من النفسية (الذهنية) عالية التنظيم. وثمة تجارب تبين أن الشمبانزي وغيره من القرود شبيهة الإنسان غالبا ما يتفوق حتى على أطفال في عمر من ست، سبع، ثماني سنوات  في ما يتعلق بالتفكير وتخطيط النشاط في إطار وضع  معين. 

خ 14

في أي جانب تحديدا؟

إيف 14

في تخطيط تصرفاتها ( تصرفات هذه القرود)... في فهما قوانين الطبيعة الأساسية.. والترابط بين الأشياء والموجودات المحيطة بها... وهي تدرك على نحو أفضل كيف تقارنها مع بعضها البعض...

خ 15

إلى أي مدى زمني يمكن للحيوانات أن تخطط؟

إيف 15

سأوضح هذا الجانب. مثلا، هناك تجربة أخرى مثيرة للاهتمام جدا. كان على الشمبانزي أن يسكب الماء في أنبوب طويل ليرفع منسوبه بحيث يستطيع أن يتناول حبات الفول السوداني من الأنبوب. تمكن الشمبانزي من حل هذه المهمة فورا. حتى أنه أحيانا كان يستغني عن الماء ويكتفي بسوائل جسمه. أما الطفل وهو في عمر أربع أو حتى ست سنوات فأحيانا لا يفلح في حل هذه المسألة كما تبين التجربة وحتى لو وضع إلى جانبه إناء ماء. أما في سن ثماني سنوات- كقاعدة عامة- فيفلح الأطفال في حل هذه المسألة بشكل جيد. أي أن القرود شبيهة الإنسان تتفوق علينا في مثل هذه المواقف. أما بشأن التخطيط.. فهنا تتجلى محدودية نفسية (أو ذهنية) الحيوانات. الحيوانات ليست في حاجة إلى توسيع أطر نفسيتها (ذهنيتها) لأنها أساسا لا تفكر إلا بحالها. *ولا ضرورة لديها لتخطيط شيء ما للمستقبل على المدى البعيد. وهي أيضا- كقاعدة عامة- لا تتذكر الماضي البعيد.. كما أنها ليست في حاجة لأن تأخذ بعين الاعتبار موقف الأفراد الآخرين. تبين التجارب أن شبيهات الإنسان قادرة على التخطيط لمدة 6-8 أو 9-10 ساعات.. وفي الأكثر مدة 12 ساعة للمستقبل على وجه  التقريب. وهذا هو الحد الأقصى. ولا حاجة لها لأكثر من ذلك.

خ 16

*لماذا يوجد مثل هذا الوعي عند الإنسان العاقل homo sapiens تحديدا؟ هل ثمة توضيح - ولو كان افتراضيا- لماذا نحن نتميز عن الحيوانات الأخرى؟ ويمكننا أن نخطط ونفكر بما سيكون في حياتنا، بل وعما سيحصل لنا بعد الموت. ونريد أن تكون لنا تصورات ما عن هذا أيضا؟

إيف 16

نعم.. هذا ما نسميه الانعكاس. وهذه في الوقع نزعةُ تركيزِ وعينا على ذاته (الاستبطان؟). أي أن الإنسان قبل أن يقوم بفعل ما يمكنه أن يتوقف ويتمعن بالأمر متسائلا: "هل هذا ضروري؟ وإذا قمت بذلك الآن ما الأثر الذي سينجم عنه بعد خمس دقائق، بعد ساعة، بعد يوم، بعد سنة؟ هل سيكون ذلك مهما لأقربائي الحاليين؟ ولذريتي من بعدي؟

خ 17

 هذا حكم قيمة.

إيف 17(55 сек)

 نعم. ويسمى أيضا "مقولة التصرف". ولكن هذا موضوع آخر مستقل. أما لماذا نحن دون غيرنا نمتلك مثل هذا الوعي فثمة بضع فرضيات. إحداها قائمة على أن السبب يكمن في الماضي قبل ستة ملايين ونصف المليون من السنين تقريبا عندما لم يكن ثمة شمبانزي ولا الإنسان الحالي... بل كان سلفنا المشترك. هذه فرضية تسوية معرفية (حل وسط معرفي) يطورها بنشاط جدا الباحث الياباني تيتسورو ماتسوزاوا الذي يرى أنحجم غابات الكوكب في افريقيا صار يتقلص في تلك المرحلة. وصارت القرود تغادر أماكنها المألوفة إلى أماكن أخرى حيث لا تزال توجد أشجار.  ولكن مناطق العيش كانت تتقلص والمنافسة تشتد. ولذلك ....

خ 18

كان لا مفر من اكتظاظ ...

إيف 18

نعم، نعم.

خ 19

...اكتظاظ مجموعة الكائنات الحية ...

إيف 19

نعم. لقد تكاثفت المجموعة الحية. ومصادر الغذاء صارت أقل وازداد ضغط  الوحوش المفترسة أكثر.. ولم يعد عيش القرود هنيا... (خالد: نعم). ومن المحتمل أن هذه الظروف هي التي أرغمت على العمل تلك الأجزاء من دماغ بشر المستقبل التي صارت مسؤولة عن التواصل (وبواسطة اللغة ضمنا). أما عند القرود الأخرى، الشمبانزي إياها، فلم يحدث ذلك. بالإضافة إلى أن الإنسان العاقل Homosapiens  راهن على الحياة في مجموعة. وتبين المستحاثات المكتشفة أن أسلافنا القريبين الذين عاشوا قبل خمسة ملايين ونصف المليون سنة لم يكونوا ضخام الحجم ولا أقوياء بدنيا. *كانوا بطول متر و30 سم  أو ربما أقل. وعلى الأرجح  لم يكونوا بعد منتصبي القامة ولذلك يعتقد أنهم راهنوا على العمل معا وعولوا على دعم بعضهم بعضا ليتغلبوا على الأوضاع الإشكالية. هذه استراتيجية أخرى تماما للبقاء على قيد الحياة لم يكن بوسع الفرد في ظلها أن يفعل شيئا لوحده... بل كمجموعة فقط حتى ولو كانت غير كبيرة البتة.. وحتى كمجموعة أسرة. فإذا تألفت المجموعة من فردين- ثلاثة- أربعة كانوا يفلحون في مواجهة الكثير من المشكلات... وفي ظل ذلك فعلا كانوا يعملون كفريق واحد. وتبين أن ذلك أسلوبٌ فعالٌ للتطور إذا قارنا البشر بمثل هذه المجموعة من الشمبانزي مبعثرة غير متآلفة. هذا يعني أن الشمبانزي كانوا إلى حد كبير غير تلاؤميين إذا جاز التعبير. ثمة دراسات تبين أن قرود الشمبانزي عند حل مسألة ما لا تحاكي أحيانا تصرف الزعيم إذا رأت احتمالا آخر أفضل. أما طفل  الإنسان فيقلد الكبير حتى لو كان يدرك أن أفعاله ليست الأمثل. وطفل الإنسان يفعل ذلك في المرحلة الابتدائية كي يثني عليه الكبار. ومن المحتمل أن مثل هذه التلاؤمية البشرية صارت سر بقاء نوعنا على قيد الحياة، وسر صيرورة وعينا.

خ 20

أفهم أن خطرا ما على الحياة واجهه أسلافنا في الماضي كان مفصليا بالنسبة لتطور الوعي عند الإنسان ولذلك اضطروا أن يتعلموا حساب خطواتهم إلى مدى أبعد بكثير. وتعلموا أيضا حسابها إلى ما لا نهاية عمليا. وإمكانات الإنسان العقلية الذهنية، والفكرية الثقافية، اليوم تتوقف في الكثير من الجوانب- كما أفهم- على اتقانه حساب احتمالات عديدة لحل مسائل ما وحساب عواقب ما يتخذه من قرارات على المدى الطويل. على ذلك يتوقف أيضا مستوى نوعية التفكير بدرجة ما...

إيف 20

نعم. يمكننا قول ذلك. *توجد في علم النفس مقولة "التصرف". هذه مقولة هامة جدا. التصرف هو إجراءُ إرادةٍ حرة يرجع مباشرة إلى الوعي. الحيوانات الأخرى لا تقوم بتصرفات... تقوم بفعل. الفعل قد يكون معقدا جدا وجيد التنظيم ومنسق. ولكن ما هو التصرف؟ هو فعل يقيّمه الإنسان بناء على موقف الآخرين بالدرجة الأولى من التصرف. لأن وعي الإنسان بشكل عام وفي حقيقة الأمر هو تعدد أصوات. أي أن وعينا هو حرفيا قاعة اجتماعات كما يقال. عند كل إنسان طبيعي سليم وعيٌ تشكل على أساس تصورات البشر الآخرين – أمه أبيه أو أي إنسان ذو شأن في حياته. وإذ نقوم بتصرف ما - إذا كان تصرفا حقيقيا وليس مجرد فعل فعل تلقائي انفعاليا -(خالد: نعم) *فنحن نتوجه إلى تجربتهم ( تجربة الآخرين) وكأننا نتشاور معهم. أي أن هذا تصرف.. وعندئذ هذا وعي. وثمة جانب آخر. إذا حاول كل منا الآن أن يتذكر أحداث حياته يتبين أننا لا نقوم غالبا بتصرفات بل بأفعال تلقائية انفعالية. 

خ 21

حسنا. استمعت بانتباه لإحدى محاضراتكم المسجلة تتناولون فيها علاقة الوعي بالإيمان. وتقولون إن الإنسان إذ يتنبأ بمستقبله لمدى طويل لا يستطيع الاستغناء عن الإيمان بأن هذا المستقبل سيكون على هذا النحو أو ذاك. من المفهوم أن البشر الذين لا يتمتعون بالوعي لا يمكن أن يكون لديهم إيمان بأي شيء. أمثال هؤلاء يتحركون غرائزيا ولذلك عادة ما ينتظرون نتيجة ما ملموسة متوقعة تماما. وعموما يمكن القول إن الإيمان عنصر لا يتجزأ  من اللاوعي الجماعي عند الإنسان العاقل. وربما لذلك نرى أن لدى جميع الشعوب معتقدات ما، وعبادات ما، وتقاليد ما، متعلقة بقوى عليا ما. فالوعي الديني - كما فهمتُ- جزء لا يتجزأ من الوعي البشري وعي الإنسان... ما رأيكم.. هل هذا الفهم صحيح؟

إيف 21

نعم.. إنه جزء لا يتجزأ (من الوعي البشري). ولكن لا بد من التمييز بين مفهومي الإيمان والدين. الدين شيء آخر.

خ 22

أنا الآن أتكلم عن الإيمان بالتحديد.

إيف 22

إذا كنا نتحدث عن الإيمان فيتعين علينا توضيح ما هو الإيمان. مثلا، أحد أنصار السلوكية الباحث الشهير بورهوس سكينر... يقول إن "الإيمان والمسؤولية والأخلاق وقواعد الأخلاق والعدالة... كل هذا اختلاقات لا وجود لها في الواقع. يوجد عند الإنسان سلوك وردود فعل مشروطة" فقط.. أجرى سكينر خصيصا لذلك تجربة على الحمام... فأسفرت عن "حمائم مؤمنة" بحسب رأيه .

خ 23

كانت الحمامات تكرر حركاتها مرارا .

إيف 23

هذه الحمامات كانت تكرر حركاتها وتنقر أزرارا . أثناء التجربة تضغط الحمامة بالصدفة على زر فتنال حبا تأكله. تنقر مرة أخرى فتنال الحب ثانية. وهكذا مرارا وتكرارا. بعد ذلك توقف تقديم الحب لها. فماذا فعلت الحمامات؟ لم تتوقف عن نقر الزر.. بل واصلت ذلك بإلحاح شديد مئات المرات بلا انقطاع... فاعتبر سكينر ذلك علامة الإيمان.

خ 24

الإيمان بأن الحَب سيظهر مجددا.

إيف 24

نعم. الحمامة على حد الزعم تؤمن أنها ستُطُعم في وقت من الأوقات. طبعا هذا لم يكن إيمانا.. هذا كان آلية تلقائية عادية. الحمامة كررت الفعل الذي تعلمته وحفظته غيبا .. ببساطة كررته المرة تلو المرة. ولكن عندما نتكلم عن الإيمان نقصد القيام بفعل ما بغية الحصول على نتيجة ما ربما سابقا لم نحصل عليها أبدا. والأكثر من ذلك أن النتيجة غير مضمونة ولكننا نتخيلها ونأمل أنها ستأتي. وفي هذا بالضبط جوهر الإيمان. فما هي الحاجة إليه؟ إنه ضروري في حال القيام بنشاط عملي. لنتذكر تجربة الشمبانزي. بالقرب منه عصا وبعيدا عنه وراء الشبكة موزة. فهل الشمبانزي بحاجة إلى أن يؤمن بشيء ما إذا كان قادرا على اجتذاب الموزة بواسطة العصا؟ القرد في هذه الحالة ليس بحاجة للإيمان بذلك لأنه يستطيع فورا في اللحظة ذاتها أن يختبر ذلك. وهو هنا لا يحتاج إلى آلية الإيمان. ولكن عندما يقوم الإنسان بنشاط  ما فكل شيء  يجري هنا على نحو مختلف. لنفترض أنني شرعت بكتابة دراسة كبيرة الحجم يفترض أن تقدم إسهاما كبيرا في العلم. حتى الآن لا أعرف إن كانت ستسهم بهذا القسط أم لا... ولا أعرف هل ستحظى بالتقدير أم لا.. ولكن إذا لم أكتبها الآن فمن المؤكد أن النتيجة صفر...أي لن يتحقق شيء مما أردته .

خ 25

أو عندما يكتب المرء رواية ولا يعرف هل ستحظى بصدى كبير عند القراء أم لا.

إيف 25

نعم. صحيح تماما. فلا أحد يعرف إن كانت الراوية ستباع بنسخ عديدة أم لا. ولكن مع ذلك سيحاول المرء أن يكتب الرواية بحيث تباع نسخها على نطاق واسع. وهو سيؤمن بذلك لأن هذا بالنسبة له ضمان للمستقبل. وفي غير هذه الحالة لن يستطيع أن يبدع شيئا. أي أن للإيمان وظائف هامة جدا تتلخص إحداها في النضال ضد الغموض، وضد التوتر النفسي.

خ 26

أي أن الإنسان بهذا الشكل يطمح إلى الوقائع الملموسة.. إلى شيء ما محدد؟

إيف 26

إلى الوضوح والتحديد.

خ 27

وربما أيضا - من ضمن أمور أخرى- إلى إقامة الجنة على الأرض، بناء المستقبل الاشتراكي إذا جاز التعبير...

إيف 27

 نعم.

خ 28

... وفي هذه الحال نحن نتكلم عن شبه دين.. عن أفكار الشيوعية أو النازية أو الفاشية أو سوى ذلك. وعلى أية حال يؤمن الناس في مثل هذه المجتمعات أنهم بتصرفاتهم الخيرة الصادقة يمهدون الطريق إلى الجنة في الحياة القادمة، أو أن مثل هذا المجتمع يبني لنفسه جنة في هذه الحياة ومع الحلم بالمستقبل....

إيف 28

نعم.

خ 29

... هل فهمتُ يا ترى الأمر على وجه الصواب؟ وهل هذا جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان؟

إيف 29

هذا جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان. ببساطة عندما نتناول إيديولوجيات مختلفة: الشيوعية...الاشتراكية وغيرهما وكذلك مختلف التيارات الدينية إنما نتحدث عن مرحلة متأخرة من مراحل تطور الثقافة البشرية. وهي مرحلة أشد تعقيدا بكثير. مثلا: عندما نتكلم عن الديانات الإبراهيمية ندرك أنه لم يكن من البساطة أن يُصوَّر الإله للإنسان كائنا مجردا. سابقا كانت الآلهة مجسدة بالملموس تماما. حتى أن الإله كان حجرا يمتلك روحا... أي الطوطم  والصنم وعبادة الأشياء في هذه الحالة. وهذا أكثر بساطة. وكان فيه أيضا جانب هام من جوانب التواصل مع العالم المحيط. لأن العالم إذا كان بالنسبة للإنسان كما هو الإنسان نفسه فيعني إن باستطاعته إقامة العلاقة معه بسهولة. فالعالم يمكن أن يفهم الإنسان والإنسان يمكن أن يفهم العالم. هذه وظيفة علاجية لأن من الصعب جدا على الإنسان أن يتصور أنه بالكامل مستبعد خارج العالم المحيط به وأنه مغاير تماما ولا شيء يسهّل بقاءه على قيد الحياة. من الأسهل على الإنسان بدرجة أكبر أن يفكر أن أحدا ما يقودنا في الحياة ويرتب لنا شيئا ما.

خ 30

وأن ثمة من يستطيع أن يكون وسيطا بينه وبين الطبيعة.

إيف 30

نعم.

خ 31

والإيمان يمكن أن يساعد الإنسان في إخضاع الطبيعة لنفسه بدرجة ما من خلال  تعبيرات ما ملازمة للقوة الأعلى؟

إيف 31

نعم. في هذه الحالة إذا تكلمنا عن مقولة الإله.. فالإله غالبا هو تجسيد مادي كياني لبعض تصورات الإنسان عن نفسه بالذات. وهذا في أغلب الأحيان يتعلق بالديانات الحالية. بالعودة مرة أخرى إلى الديانات الإبراهيمية نجد أن الإله هو بعض من الصفات.. بعض من الفضائل التي يجسدها الإنسان ماديا بالملموس ويتصورها في شكل تصرفات معينة بحسب ما يفهمه هو. وإذا توجهنا مثلا إلى الديانات الإغريقية القديمة دون أن نأخذ بالاعتبار آلهة البانثيون العليا... فمن هي الآلهة الأخرى؟ إنها الآلهة التي تعكس أنواع النشاط البشري أو ...

خ 32

أو صفات...

إيف 32

نعم. وإما نوعيات. فالإله هيفيستوس حداد.. وديونيس إله الخمر.. و آريس إله الحرب.. أما أفروديت فهي شفيعة العلاقات وربة الحب والجمال. أي أن بانثيون قدماء الإغريق هو عمليا إدراك الإنسان لنفسه. الدين في هذه الحالة يقوم في الوقت نفسه بوظيفتين: فهم العالم والتكامل معه. إذا ترجمنا حرفيا كلمة "دين" فهي تعني" الاتحاد ".

خ 33

يمكننا القول إن الآلهة المتسامية في الديانات الإبراهيمية هي مرحلة أرقى من مراحل الوعي الديني عند الإنسان. مرحلة أعلى من الدين القائم على الأصنام والأوثان والرقى والتمائم... وهلمجرا؟

إيف 33

هذه حقبة متأخرة أكثر ويمكن القول إنها فعلا أرقى بمعنى أن مستواها...

خ 34

وتعزز التفكير المجرد؟

إيف 34

... مثالٌ على عالم أكثر انتظاما...

خ 35

ولكن هذا أيضا يطور التفكير التجريدي * أليس كذلك؟

إيف 35

وهو كذلك فعلا. وللحقيقة إذا تصفحنا النصوص المقدسة وخاصة "العهد القديم" نرى أنه عموما كُتب منذ زمن بعيد جدا. وفي هذا الكتاب القديم كل شيء متشرب بالصنمية والطوطمية.

خ 36

وبعد ذلك هل نرى تطورا؟

إيف 36

بعد ذلك نرى التطور..  ولكن رغم ذلك لا يزال كل شيء وثيق الصلة بتأويل ما هو مكتوب. *وفي هذا الصدد وبالعودة إلى سؤالكم عن كيفية تطور الوعي، فإن هذه المسألة يمكن أن تدرس بناء على المؤلفات الأدبية التاريخية. خذوا مثلا "الإلياذة" و"الأوديسة" من القرن الثامن قبل الميلاد.. وأعمال مشاهير كتاب القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إذا حللناها نرى ان التصورات عن الزمن وعن مكانة الناس في العالم وعن البشر تختلف اختلافا نوعيا. كان تفكير البشر في الزمن الغابر  أضيق من تفكير المعاصرين. وإذا كنا نتحدث عن تطور الوعي يمكننا أن نرى علامة ذلك الرئيسة  في توسع تصورات البشر عن العالم واتقانهم حساب عواقب ما يفعلون.

خ 37

شكرا جزيلا. أعتقد أننا اليوم قد استوفينا بحث مسألة الوعي. لي الأمل بأنه ستكون لنا أيضا مواضيع أخرى للبحث... شكرا وإلى اللقاء.

إيف 37

شكرا لكم.

خ 38

شكرا.

إيف 38

إلى اللقاء.

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا