لماذا نتبع الأوهام؟ مدخل إلى الطبيعة السيكولوجية "للفيروسات" العقلية

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/plui

ينتشر الفيروس (الحيوي) بواسطة نواقل معينة.. وهي الخلايا الحية.

 وتنتشر الفيروسات الحاسوبية (فيروس الكمبيوتر) بواسطة البرامج كما أن لأفكار البشر فيروساتها التي تحملها وتنقلها العقول. وكما أن للفيروسات البيولوجية (الحيوية)  أساليبها الخاصة للتغلغل في الكائنات الحية - إذ تستغل نقاط الضعف في خلايا الإنسان الأكثر عرضة للإصابة - كذلك فيروسات الأوهام السائدة تستغل ضعف المعرفة والفهم في مجالات علمية معينة لتصبح العقول أكثر عرضة لتفشي  المعتقدات الزائفة.

على سبيل المثال.. ثمة ظاهرة تدعى "تأثير بارنوم".. أي ميل البعض للاعتقاد بأن بعض الأحكام العامة تخصهم هم وحدهم دون غيرهم.. رغم أنها تنطبق على معظم البشر بهذا القدر أو ذاك. وهؤلاء من السهل أن يصدقوا تنبؤات المنجمين وقراءة الكف والفنجان ولغة الجسد وما إلى ذلك... وهذه كلها نماذج للأفكار الفيروسية.

التفاصيل في هذه الحلقة

مقدم البرنامج1

مرحبا يا ألكسندر

بانتشين1

طاب يومك.

مقدم البرنامج2  

هذا هو لقاؤنا الثاني، وأحب أن أقول أن اللقاء الأول معك الذي قدمناه في جزأين ترك انطباعا إيجابيا كبيرا لدى مشاهدينا. وكنت قد كتبت في موقعنا الإلكتروني قبل لقائنا أننا سنتناول في حديثنا اليوم كتابك الجديد  وعنوانه " مجموع التكنولوجيا الحيوية مرشدٌ لمكافحة الأساطير حول تعديل الجينات للنبات والحيوان والإنسان". يُظهر هذا الكتاب بوضوح أن مثل هذه الأساطير منتشرة بشكل واسع اليوم. ينهل الناس المعلومات من الانترنيت، وغالبا ما تكون هذه المعلومات غير موثوقة. كنتَ قد شبهت في إحدى محاضراتك الأفكار شبه العلمية الزائفة المنتشرة كثيرا في المجتمع بالفيروسات. حدثنا من فضلك فيم يتلخص وجه الشبه هذا.    

بانتشين 2

يبدو التشابه على الشكل التالي : تستخدم الفيروسات العادية لتكاثرها خلايا جسم حي. مثلا خلايا الإنسان. وعلى هذا المنوال بالضبط تتكاثر بعض الأفكار في المجتمع بالتطفل على أدمغة البشر. تتحدث نظرية التطور أن الأكثر تكيفا مع الظروف المحيطة هو الذي سيبقى على قيد الحياة في الطبيعة. وهكذا هي الأمور مع الأفكار، فأكثر الأفكار التي تعيش في المجتمع هي تلك التي تلقى رواجا بين الناس، ويتم تناقلها من جماعة إلى أخرى بشكل مستمر. في غضون ذلك لا يعني مثل هذا الانتشار أن هذه الأفكار صحيحة، وتعكس الواقع الموضوعي. فلنقر أن الناس على سبيل المثال ينشرون بحيوية أكبر بكثير الأفكار المتعلقة بالحياة بعد الموت من المعطيات المتعلقة بأسس ميكانيكيا الكم، فميكانيكيا الكم لا تهدد بالعقاب في الآخرة، ولا تعد بجناة النعيم. ولهذا لا تسود للأسف في عالم التطور الثقافي الأفكار العلمية الدقيقة، بل تلك التي يفضل الناس تداولها لسبب أو لآخر. لكن الأمور لا تنتهي عند هذا التشبيه. فكيف تتكاثر الفيروسات؟ وكيف تخترق أجسادنا؟ تستغل الفيروسات البيولوجية لتحقيق ذلك أماكن الخلايا الضعيفة في الأجسام الحية. على سبيل المثال يخترق فيروس نقص المناعة البشرية خلايا المنظومة المناعية بتفاعله مع المستقبِلات على سطح هذه الخلايا. وكيف يتم استقبال الأفكار العلمية الزائفة؟ لدى بعض الناس تشوهات إدراكية محددة، وبسبب ذلك هم يصدقون حتى بعض الأفكار والظواهر الغريبة جدا، والتي تجافي المنطق. والجلسات الروحانية هي أسطع مثال على ذلك. ويسمون هذه الظاهرة في العلم ظاهرة الإيديوموتور-الفعل الفكري الحركي، ويمكن تدقيقه من خلال التجربة. يعطون أحد الأشخاص مثلا بندولا مدلى بحبل في يده، ويطلبون منه أن يغلق عينيه، وأن يتخيل بأفكاره دوران البندول حسب أو عكس اتجاه عقارب الساعة. وبالفعل أن هذا البندول يبدأ بالتحرك بعد حين، ويدور في أيدي كثير من الناس! هذا يحدث لأن أدمغتهم تعطي الأوامر لتنفيذ الدوران الذي يفكر فيه الإنسان المعني. في غضون ذلك لا يدرك الشخص أنه يحرك يده. وعندما يفتح عينيه يرى أن البندول يتحرك فيتفاجأ! قدرة الإنسان على تحريك بعض الأشياء دون أن يدرك ذلك غدت سببا وراء شعبية إجراء جلسات روحانية، وتحريك الطاولة، واستحضار الأرواح باستخدام لوح ويجا. ويمكن استحضار العديد من الأمثلة الأخرى للإيمان  بالخوارق.  

مقدم البرنامج 3

وشائعة أيضا الإبر المعكوفة التي يحب بعض الناس تحديد حقل الطاقة بمساعدتها. كما لو أن هذه الإبرة تدور من تلقاء نفسها. فإن دارت باتجاه عقارب الساعة، فإنها تظهر كما لو أن في هذا الجسم أو المكان طاقة إيجابية، وإن دارت عكس اتجاه الساعة، فهذا يعني أن هناك طاقة سلبية. متابعة للمنطق الذي تتحدث فيه خطر ببالي تشبيه بمناعة الإنسان. فالفيروسات تصيب الإنسان عندما تكون المناعة ضعيفة، إذ تستطيع حينها اختراق خلاياه بسهولة، وتتسبب بمرضه. وبنفس الشكل إذا كان لدى الإنسان ثقافة عامة ضعيفة، ومعارف ضئيلة، فإن مختلف الأفكار غير العقلانية تخترق عقله وتستحوذ على إدراكه. صحيح؟  

بانتشين 3

الفكرة كالتالي: إبان عملية التطور يراكم الإنسان مجموعة من المهارات المعرفية المفيدة جدا، وفي بعضها أعراض جانبية. وهذا ما يحدث أيضا لمستقبلات الخلايا الإنسانية التي تقوم الفيروسات باختراقها بشكل دوري. ففي المستقبلات الكثير من الوظائف المفيدة، ولا تتمكن الفيروسات من العثور على النقطة التي تعبر منها، ولكن يحدث أن تكون هناك مواضع خلل في هذه المستقبلات، وعندها تحدث العدوى. كذلك لدى الإنسان مهارة مهمة جدا وهي القدرة على إدراك علاقة السبب والنتيجة ولكن قد يحدد الناس أحيانا علاقات سبب ونتيجة بشكل خاطئ على سبيل المثال بين الرقصات الطقسية وهطول المطر الذي قد يصدف ويهطل بعد هذا الرقصات، رغم أنه لا يوجد أي ترابط في الواقع بين هذين الأمرين. (مقدم البرنامج: نعم). أو مثلا إبان الطقوس السحرية. وقد نشر في هذا المجال عمل ممتاز جدا للعالم الأنثروبولوجي جيمس فريزر تحت عنوان " الغصن الذهبي". وقد وصف فريزر في الكتاب السمات العامة للعديد من الطقوس السحرية التي يؤمن بها الناس حتى انه صاغ بعض القوانين التي يبتكر الناس وفقها هذه الطقوس السحرية. وقد أطلق عليها تسمية "قوانين السحر التعاطفي" وأحد هذه القوانين يسمى "السحر التشابهي"، وذلك حين يستخدم الساحر لتحقيق سحره مواد شبيهه بالمستهدف من السحر. مثلا عندما يصنعون دمية فودو- دمية غرس الدبابيس، والتي تشابه شكل إنسان ما، ويقومون بممارسة أي عمل تجاه هذه الدمية بهدف التأثير على الإنسان المعني. ووفق هذا القانون كذلك تستخدم جذور بعض النباتات كدواء لمعالجة بعض المشاكل الصحية. ويعتبر ذلك وفق تحديد فريزر مثالا على الاستخدام الخاطئ للتفكير الترابطي. أي أن هناك أعراض جانبية في الوظائف المفيدة لدماغنا تلك التي اكتسبها أثناء التطور، وإحدى هذه الأعراض الجانبية ظهور نماذج من الأوهام المختلفة.      

مقدم البرنامج 4

أود أن أقرأ مقطعا من كتابك. وهذا كما يبدو لي يمكن أن يكون حجة معاكسة لما تقول. ها أنا أقتبس: " خلال السنوات الأخيرة بتنا نعرف أكثر عن تأثير المادة الوهمية غير الضارة التي تقدم كدواء. هذا التأثير يفسر جزئيا نجاح التداوي بالمواد الطبيعية، وانتشار الطب "البديل" في المجتمع. يعمل تأثير الوهم عندما يتوقع الإنسان بشكل حتمي بأن بعض الإجراءات تحسن من حالته. في غضون ذلك ينتج الدماغ البشري مواد محددة كهرمون الأندورفين مثلا التي تحسن المزاج، وتخفف فعلا الإحساس بالألم؟ وتذكر في الكتاب أيضا دارين براون وكتابه "الخوف والإيمان". سأقرأ عن التجربة الموصوفة هناك. " كان علينا أن نقنع المشاركين في التجربة بفاعلية الدواء المعالج للفوبيا الذي لم يكن موجودا طبعا. وخلال يوم واحد تم إنشاء معهد بحوث وهمي كامل حيث أوحِيَ للمشاركين بأنه تمت دراسة تأثير هذا الدواء. وتحدث مع المتطوعين ممثلون مدربون خصيصا يرتدون الألبسة الطبية مستخدمين العديد من المصطلحات العلمية في حديثهم، وقرأوا عليهم عن الميزات المذهلة لهذا الدواء ضد الرهاب أو الفوبيا الذي تم تطويره وآلية تأثيره. لقد تم صنع كل ما من شأنه خلق وهم أن الاختبار صحيح ذو طابع علمي، وكانت النتيجة أن ذلك أتى بنتائج حقيقية. على سبيل المثال تمكن شخص كان عنده رهاب الأماكن المرتفعة أن يجلس على جسر شاهق، ويدلي ساقيه. واستطاعت فتاة كانت تخشى التحدث أمام الجمهور أن تؤدي أغنية أمام حشد كبير، ومضى الرجل الذي كان يعاني من رهاب الوقوع في خلاف، ليفك شجارا في حانة". نهاية الاقتباس. ما هي النتيجة التي توصلت إليها بعد قراءة هذا المقطع؟ توصلت إلى استنتاج مفاده أن هذه الحالات النفسجسمية أو السايكوسومية تحقق نتائج جيدة. فإن كان الإنسان من خلال الإيحاء على المستوى النفسي مقتنعا بأن الدواء سيساعده، فإن الدواء سيساعده. أليس هذا   دليلا على فاعلية هذا النهج وإن كعامل مساعد.  

بانتشين 4

لا بد في هذا المجال من الفصل بين حقيقتين، فما يؤمن به الإنسان يؤثر على أفعاله وسلوكه بالفعل، وليس في ذلك أي شيء سحري، أو مدهش. كما هو الحال في أن شخصا كف عن الخوف، وبات يتصرف بشكل آخر. لقد قام هذا الشخص بتغيير نهجه السلوكي نتيجة تأثير الإيحاء أو باستخدام علاج وهمي - بلاسيبو. هذه حقيقة أولى. والحقيقة الثانية تتلخص في أن عملية الإيحاء، والتأثير النفسي لا يمكن أن يعالجا أي مرض فيزيولوجي حقيقي. هناك تدقيق هام في كتابي هذا. إن كنا سنتمعن في استعراض الأدبيات العلمية التي تصف تأثير العلاج الوهمي، فإننا سنرى أن إدراك الألم على المستوى الفردي هو الذي يخف وحسب لدى الناس بعد تناول  دواء وهمي. وتلك هي الحقيقة الطبية الوحيدة لتأثير الدواء الوهمي. ولكن الدواء الوهمي لا يؤثر أبدا على المرض السرطاني مثلا، أو حتى الأمراض البكتيرية أو الفايروسية. للأسف في العلاج البديل الكثير من العوامل السلبية.  

مقدم البرنامج 5

حدثنا من فضلك ما هي الأمثلة المحددة التي تستخدمها في كتابك ومحاضراتك، بما في ذلك تلك الأمثلة التي تتناول ظواهر كالعلاج الوهمي. طبعا بخلاف بلاسيبو الذي يوحي المريض بتحسن حالته هناك أمثلة على النوسيبو – وهو الدواء الوهمي الذي - بخلاف بلاسيبو - يشعر الناس بعد تناوله بأن وضعهم بات أسوأ. لو قدمت لنا بعض الأمثلة عن تجارب أجريت فهذا أمر ممتع.    

بانتشين 5

مثلا اختير للدراسة الاختبارية أشخاص متشابهون نفسيا، ووزعوا في مجموعتين. عرضوا على إحدى هاتين المجموعتين فلماً عن أضرار أجهزة واي فاي WI FI، وعرضوا على المجموعة الثانية فلما عن عدم وجود أية أضرار لهذه الأجهزة، وبعد عرض الفلمين قالوا للمجموعتين أنه سيتم الآن في القاعة تشغيل جهاز الواي فاي، وطلبوا منهم وصف أحاسيسهم. في الواقع لم يتم تشغيل الجهاز.. ومع ذلك قال الأشخاص الذين شاهدوا فلما عن أضرار شبكة الواي فاي أن وضعهم بات أسوأ بعد الإعلان عن تشغيل الجهاز، بل إن بعضهم طلب إيقاف التجربة رغم أن الجهاز لم يكن يعمل أصلا. اختبار آخر أجري لأناس مرضى بالربو. وقد تم اتخاذ أربعة أنواع من الإجراءات. استخدم لكل مريض أحد هذه الإجراءات، وكان الاختيار عفويا لا على التعيين. كان أحد الإجراءات باستخدام دواء حقيقي ضد الربو عبر جهاز الاستنشاق. وفي الاجراء الآخر استخدم جهاز الاستنشاق كذلك، وكان فيه دواء وهمي. وكان الاختبار الثالث عن طريق جلسة الوخز بالإبر الصينية. الإجراء الرابع لم يجر حيث ألغي العلاج بالنسبة لهذا المريض وقيل له أنه لم يعد يحتاجه الآن. ولكي يتم وصف حالة المرضى بشكل موضوعي بعد التجربة، فقد استخدم العلماء مقياس التنفس، وهو جهاز يقيس سعة الرئتين. وتبين بالطبع ان العلاج الحقيقي ضد الربو هو فقط الذي ساعد المريض، وكل الطرق الأخرى لم تحدث أي تغيير في حالته. ولكن عندما سئل المرضى: " هل تعتقدون أن الإجراء العلاجي ساعدكم؟ توضح أنهم جميعا شعروا بتحسن في حالتهم ما عدا الشخص الذي ألغوا الإجراء العلاجي له. أي يصعب على الناس تحديد ما هو سبب تحسن حالتهم. لماذا من الهام أن نشرح لهم أنه لا وجود للسحر أوالشعوذة، أو غيرها من التأثيرات الوهمية التي قد تؤثر فيهم لأن الناس حين يخافون من ذلك إنما يضروا أنفسهم نتيجة خوفهم هذا تحديدا واختلال حالتهم النفسية. وهناك أمثلة كثيرة معروفة عندما عانى الناس نتيجة معتقداتهم الخاطئة، بل هناك من يقع ضحية هذه المعتقدات. على سبيل المثال كانت هناك قصة درامية جدا لفتاة قتلتها أمها لأنها اعتقدت أن شيطانا سكن جسد ابنتها، كل ما هنالك أن الفتاة كانت مصابة بمرض السير أثناء النوم.          

مقدم البرنامج 6

نعم، توجد أيضا قصة مشهورة صُوِّر فلم عنها، وهو "طرد الأرواح من إيملي روز". حيث يعتمد الفلم على أحداث واقعية عندما قام والد أناليس ميشيل بقتلها بغير  عمد باستخدام الطقوس المتعلقة بطرد الأرواح رافضا نقلها الى مشفى الأمراض العقلية. وقد ماتت الفتاة. ولكني أود العودة إلى كتابك " مجموع التكنولوجيا الحيوية". إنك تقدم مثالا عن تجربة تم خلالها اختبار حقيقة تأثير الصلاة على الإنسان. شارك في التجربة أشخاص كانوا قد أجروا عملية قلب مفتوح منذ أمد قصير. تم تقسيم هؤلاء إلى ثلاث مجموعات. مجموعة قالوا لها أنه سيتم الصلاة من أجل صحتهم. وقد أقاموا الصلاة من أحلهم فعلا. وقالوا للمجموعة الثانية أنهم ربما سيصلون من أجل صحتهم وربما لن يصلوا. وقد صلوا من أجل هذه المجموعة. وقالوا للمجموعة الثالثة أيضا أنهم ربما سيصلون من أجل صحة أفرادها، وربما لن يصلوا، ولم يصلوا. تقول: من الطبيعي أن الصلاة بحد ذاتها لم يكن لها أي تأثير علاجي لهؤلاء الناس، ولكن أولئك الناس الذين قيل لهم الصلوات ستقام من من أجلهم حتما بدأت تتراجع حالتهم الصحية. "إذ ظن هؤلاء الناس أن وضعهم سيء جدا، ولهذا قرروا الصلاة من أجلهم" وهذا القلق سبب لهم توترا أدى إلى تردي حالتهم الصحية. هذا دليل مثير جدا للاهتمام حول إمكانية أن تؤثر الحالة النفسية لدى الإنسان عليه بشكل إيجابي وهو عامل بلاسيبو أو سلبي وهو عامل نوسيبو. هل ينطبق هذا الكلام على التوجس من التعديل الوراثي؟

بانتشين 6

إنه تأثير التفكير السحري ذاته. بالفعل يفكر الناس أنهم إن أكلوا مواد غذائية معدلة وراثيا، فإنهم أنفسهم سيتعرضون لتعديل وراثي. (مقدم البرنامج: نعم) وهام جدا أن نطمئن مثل هؤلاء الناس. يبدو لي أن أبسط الأمور هو أن نشرح لهم أن الناس خلال تاريخ البشرية كله لم يأكلوا بمثل هذا الاطمئنان كما هم يأكلون الآن. لم يكن سابقا مثل هذا العدد المنخفض في مجال التسمم الغذائي، ولم تكن حياة الناس مديدة كما هي اليوم. نحن نعيش الآن في عصر نجاح التقدم العلمي والتقني.  

مقدم البرنامج 7

لماذا غدت شائعة جدا فكرة أن ارتفاع نسبة الاصابة بأمراض السرطان مرتبط تحديدا بانتشار الأغذية المعدلة وراثيا؟ ربما لأنه ظهرت هذه المواد منذ أمد غير بعيد، لذا ما زال صعبا فهم علاقات السببية في هذا المجال. ولكن مع ذلك فإن عدد الأمراض الآن ليس قليلا. مثلا يلاحظ نمو مرض التوحد، ويزداد عدد حالات وفاة الأجنة، وأمور كثيرة أخرى. وفي حالات عديدة يرتبط ذلك إما بتدهور الوضع البيئي، أو بظهور المواد المعدلة وراثيا في نظامنا الغذائي. ماذا يمكن أن تجيب في هذا الشأن؟

بانتشين 7

كل ما ذكرته درسه العلماء. فإن تحدثنا عن النمو البيّن لأمراض الأورام الخبيثة، فإن ذلك غالبا مرتبط بالتقدم بالعمر. لقد باتت البشرية تعيش طويلا، والكثيرون يعيشون  إلى أن تظهر أورامهم. أناس الكهوف البدائيون الذين نادرا ما عاشوا حتى سن الخامسة والثلاثين لم يمرضوا عمليا بالسرطان، وإن ظهر لدى أحدهم هذا المرض فهو استثناء. مثل هذه الحالة في ذاك الزمن الغابر لم تكن مرتبطة لا بالطب الجيد، ولا بالغذاء الجيد، بكل بساطة عاش أولئك الناس القدماء مدة أقصر. ما يتعلق بحالات التوحد فإن نمو عدد حالات هذا المرض مرتبط بتحسن معايير التشخيص. تغيرت المعايير ووصفت حالات التوحد بدقة أكبر. كما ترى لكل هذه الأمور تفسيرات بسيطة ومفهومة. ولنتمحص الآن الوضع المتعلق بالكائنات المعدلة وراثيا. حتى الان توجد دراسة واحدة علمية تناولت الصلة بين الأغذية المعدلة وظهور أمراض السرطان. أجرى هذه الدراسة عام ألفين واثني عشر العالم الفرنسي جيل-إيريك سيرالين. ولكن المجلة العلمية "الغذاء والسموم الكيميائية" ألغت بعد عام واحد مقالته تلك بسبب الأخطاء الكثيرة في الدراسة. وكانت إحدى هذه الأخطاء أن سيرالين استخدم في تجاربه ذاك النوع من الجرذان التجريبية التي رفع منذ البداية فيها بشكل مصطنع احتمال تشكل الأورام. وبالتالي يمكن أن تعرض الصور في المجلة الجرذان التي تغذت بالأغذية المعدلة وراثيا مع أورامها، وكذلك الجرذان التي لم تتغذَ على الكائنات المعدلة وراثيا أيضا مع أورامها، وكان صعبا أن تجد الفروق، لم يكن ذلك إحصاء علميا بل مجرد توافق بالصدفة. الخطأ الثاني لسيرالين يتلخص في أنه اختبر عينة ضئيلة من الحيوانات، وبالتالي فهو واقعيا لم يثبت شيئا، وليس لديه الحق في أن يؤكد أن تناول الأغذية المعدلة وراثيا تؤدي إلى مرض السرطان. إثر ذاك لم تظهر دراسات تثبت هذا الأمر. الطفرة يمكن أن تنشأ نتيجة الاصطفاء العادي - نشوء الفرد، أو باستخدام التطفير الارتقائي - الطفرات التطورية، ويمكن ان تظهر الطفرة بشكل تلقائي إبان نسخ الحمض النووي. يمكن القول أن كل الكائنات الحية، وكل نوع نباتي نستخدمه في الطعام، وحتى نحن أنفسنا، وكل حيوان يعتبر طفرات بالقياس إلى أسلافنا الأقدمين. ليس لدينا أي أساس لكي نعتبر أن الطفرة التي يصنعها الإنسان اصطناعيا هي أسوأ من الطفرة التي تنشأ بصورة طبيعية. كل ما هناك أن الطفرة الاصطناعية تحمل طابعا موجها، وبنتيجتها ينشأ النوع المحدد الضروري لنا، النوع الذي درسه الإنسان. جميع هذه المخاوف والأساطير تنشأ لأن الناس لا يفهمون جوهر الطفرة وماهيتها، وإلى أي مدى تنتشر هذه الظاهرة، وماهي العواقب التي يمكن أن تسفر عنها.   

مقدم البرنامج 8

تظهر إحصاءات المركز الروسي للرأي العام أن أكثر من ثمانين بالمئة من سكان روسيا يؤيدون حظر الأغذية المعدلة وراثيا. وتُحضِر في كتابك مثالا مثيرا سأقتبسه الان: "وفق معطيات استطلاع الرأي الذي نشر مؤخرا طُرح سؤال يقول: "هل صحيح أن النباتات العادية لا تحتوي على جينات، وأن النباتات المعدلة وراثيا تحتوي على جينات؟" وقد أجاب تسعة وعشرون بالمئة فقط بشكل صحيح "لا". وكانت هناك نتيجة مقاربة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد نشر قسم الاقتصاد الزراعي في جامعة ولاية أوكلاهوما معطيات استقصاء طالبَ فيه اثنان وثمانون بالمئة وثلاثة أعشار من الأمريكيين الذين تم استفتاؤهم بوضع علامات الزامية على المنتجات التي تحتوي GMO ونفس النسبة تقريبا طالب بوضع علامات إلزامية على المواد الغذائية التي تحتوي على  DNA! وقد قال الاقتصادي جيسون لاسك مازحا، وهو يقدم نتائج الاستطلاع: إن الملصقة التي ستوضع على مثل هذا المنتج يجب أن تتضمن معلومات تفصيلية جدا: "هذا المنتج يحتوي على حمض ديوكسي ريبونوكليك-حامل معلومات جينات الكائن الحي". أما وزير الصحة الأمريكية فقد أعلن مازحا أنه يجب تحذير النساء قبل التخطيط للإنجاب من احتمال كبير لنقل الحمض النووي إلى أطفالهن.            

بانتشين 8

سأوضح لماذا لا يشكل جهل الناس بهذه الأشياء مفاجأة بالنسبة لي. إنني أناضل باستمرار لمكافحة الأساطير، ولهذا تواجهني باستمرار مثل هذه الأقوال. عندما نجري انا وزملائي على سبيل المثال نقاشات ومناظرات واستطلاعات بين المشاهدين والمستمعين في الإذاعة والتلفزيون، فإن الإجابات المناهضة للعلم هي التي تهيمن دائما على الإجابات العلمية في الكثير من الأسئلة. على سبيل المثال كان هناك سؤال يقول هل صحيح التأكيد بأن جميع النشاطات الشعاعية على كوكبنا هي من صنع أياد إنسانية. أكثر من نصف الذين وجه لهم هذا السؤال أجابوا أن النشاط الإشعاعي هو من صنع يد الإنسان. يمكن أن نحضر أمثلة عديدة على الأوهام الشائعة الخاطئة، أحدها متشنج في عناده يرى أن المضادات الحيوية يمكن أن تقضي على الفيروسات، ولا يتعلق الأمر هنا بأن الناس ينقصهم التعليم الأساسي. في الواقع أن التعليم الأساسي في غالبية البلدان-كما يبدو لي-يعلِّم بشكل سيء جدا القدرة على تحليل المعلومات، والقدرة على إيجاد معلومات جديدة. الإنسان لا يجب ببساطة أن يحفظ في ذاكرته مجموعة من الحقائق التي تعلّمها. بل عليه أن يميز بين السمين والغث، وأن يستخدم المعلومات بشكل صحيح. بما في ذلك تلك المعلومات الموضوعة في الانترنيت، لأنك إن استعنت بالانترنيت وكتبت في محرك البحث " DNA "-الحمض النووي، فإنك ستجد إلى جانب الروابط التي تشير إلى مقالات علمية عددا هائلا من المواقع التي تحدثك بأن "DNA" هي نوع من الهولوغرام- الصور ثلاثية الأبعاد، وأنها تغير نتيجة ما يمارس من  الآثام، والكثير الكثير من هذه السخافات.    

مقدم البرنامج 9

حسنا يا إسكندر شكرا جويلا

بانتشين 9  

شكرا

مقدم البرنامج 10

شكرا وإلى اللقاء القادم.

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا