لأول مرة نرفع الستار عن طبيعة عمل الاستخبارات غير الشرعية السوفيتية ورئيسها الجنرال دروزدوف

أخبار العالم

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/pdif

ما هي الاستخبارات غير الشرعية (أو غير الرسمية)؟ ما طبيعة عملها وبما تختلف عن الاستخبارات الشرعية؟ كيف يتم انتقاء عناصرها وكيف يتم إعدادهم نفسيا وبدنيا؟

مَن مِن ضيوف البرنامج كان من الاستخبارات غير الشرعية؟ تأتيكم الأجوبة عن هذه الأسئلة وغيرها في هذه الحلقة من برنامجنا والتي سنكشف فيها جانبا من الحوار الذي أجريناه مع رئيس الاستخبارات غير الشرعية السوفيتية الجنرال يوري دروزدوف عام 2009 والذي لم يتم بثه لأسباب خارجة عن إرادتنا. 

    

خالد 1

سيد بوندورينكو أهلا بك...!

بوندارينكو 1

طاب يومكم.

خ 2

أمامي الآن عدد من الكتب التي ألفها - أو شارك في تأليفها -  الجنرال يوري درزدوف. وهي:  عملية "العاصفة-333"، و"النسر الوقح- 2007"، والسيرة الذاتية لدرزدوف "الخيال مستبعد كليا"... وطبعا كتابك عن يوري درزدوف الذي صدر قبل فترة وجيزة. هذه هي الكتب التي سنتحدث عنها اليوم مع التوقف عند كتابك بالدرجة الأولى. لقد قرأتُ بشغف الكم الكبير من المواد المثيرة للاهتمام التي عثرت عليها ونشرتها في الكتاب. لنبدأ حديثنا من الأسباب التي استدعت تشكيل وحدة "فيمبل" للعمليات الخاصة في الاتحاد السوفيتي. هل كان ذلك بسبب بعض الحسابات الخاطئة أثناء  تنفيذ عملية "العاصفة-333" في 27 كانون الأول/ ديسمبر عام 1979 الخاصة لاقتحام قصر "تاج بيك" وتصفية الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين؟ وهل هذا هو السبب الأهم الذي جعل يوري درزدوف يقترح على رئيس "لجنة أمن الدولة" (كي.جي.بي) يوري أندروبوف إعادة تكوين مثل هذه الوحدة الخاصة في الاتحاد السوفيتي؟

ب 2

هذا أبعد ما يكون عن السبب الرئيس. قبل ذلك بكثير كانت فكرة تشكيل مثل هذه الوحدة "تحوم في الجو" إذا جاز التعبير. ظل الاختصاصيون فترة طويلة يدرسون ويختبرون شتى الاحتمالات. كان من المفترض بوحدة من طراز "فيمبل" أن تختلف اختلافا جذريا عن أية وحدة أخرى من وحدات القوات الخاصة، التي تتلخص مهمامها أساسا بتغلغل العنصر البشري في مكان ما، وبالاستيلاء على مواقع ما وإحكام السيطرة عليها، وتدمير العدو، وتحرير رهائن...إلخ. أما "فيمبل" فيمكن وصفها بالوحدة الخاصة الذكية. كان العمل الاستخباري الحركي على رأس أولوياتها. وفي حال الخطر أو في "فترة خاصة"، أي في حالة الحرب، يجب على هذه الوحدة أن تكون مستعدة لترتيب علمها بسرعة خلف خطوط العدو أو على الأراضي التي يحتلها العدو. ولذلك كانت وحدة "فيمبل" تتعاون تعاونا وثيقا مع الاستخبارات غير الشرعية أو غير الرسمية. وبالمناسبة لو أن مثل هذه الوحدة شُكلت قبل ذلك لتسنى الاستيلاء على قصر حفيظ الله أمين في أفغانستان دون إراقة دماء.

خ 3

تقصد لو أنها تشكلت قبل 27 كانون الأول/ ديسمبر عام 1979؟

ب 3

نعم. لو أن وحدة كهذه كانت موجودة قبل الاقتحام لقامت بكل شيء على نحو آخر. ومع ذلك، كانت خسائر الاقتحام بالحد الأدنى كما قالت لي مصادر موثوقة. وهذا أيضا نتيجة عمل الاستخبارات غير الرسمية. أي كان في القصر ومحيطه عملاء غير رسميين ما أدى في المحصلة إلى التقليل من إراقة الدماء إلى حد كبير.

خ 4

اُذكِّر مشاهدينا أننا سبق وخصصنا حلقة من برنامجنا لعملية اقتحام قصر "تاج بيك". واستضفنا أحد المشاركين في تلك الأحداث- العقيد في لجنة أمن الدولة (كي. جي. بي) أوليغ بالاشوف. ومن يهمه هذا الأمر يمكنه العودة إلى تلك الحلقة وما تضمنته من تفاصيل شيقة.

 تقول في كتابك عن يوري درزدوف إن اقتحام القصر لم يكن ضمن الخطة الأصلية. بل كان من المقرر تسميم حفيظ الله أمين. ونظرا للسرية البالغة التي اتسمت بها خطة التسميم التي وضعها اقتراح درزدوف نفسه، فلم يكن الأطباء السوفيت العاملون في كابل على علم بذلك، فسارعوا إلى إنقاذ حياته ونجحوا في ذلك. يعني أمر في غاية الغرابة...!

ب 4

لا غرابة في الأمر أبدا.. ذلك أن الاستخبارات غير الرسمية بنية محاطة بأعلى قدر  من السرية.. وأفرادها يعملون بعضهم بمعزل عن بعض.. فكان من المستحيل أن يبلغ الجميع فردا فردا أن الرئيس أمين سيسمم. ومن كان يدري أن الرئيس الأفغاني سيطلب المساعدة من الأطباء السوفيت تحديدا؟ آنذاك لم يكن ممكنا إبلاغ أطبائنا بألا يهبوا لتقديم المساعدة له. فلو طلب منهم ذلك لكانت العلمية كلها قد كشفت وافتضح سرها. أما لو كانت آنذاك ثمة وحدة مثل "فيمبل" لتمت دراسة كل ما يتعلق بتنسيق التحركات، واتخاذ الاحتياطات الضرورية... ولكانت العملية- كما أعتقد- قد تمت بهدوء ودون إراقة دماء.. ولكن الأمور للأسف لم تجر على هذا  النحو...

خ 5

بودي أن أتابع معلومتك هذه فورا...

ب 5

 حسنا.

خ 6

لدي سؤال. عندما قرأت هذه القصة فكرت متسائلا أين كانت المشكلة في تصفية الرئيس الأفغاني طالما - كما قلت وكما ذكر يوري درزدوف في مذكراته - كان رجال الاستخبارات السوفيت غير الرسميين يعملون داخل قصر تاج بيك، وكانوا ضمن موظفي أمين... ألم يكن بالإمكان عمل شيء ما لأمين دوناقتحام القصر؟ لماذا تعذر العمل المكثف لإعداد عميل غير رسمي كي يقوم بوخز أمين صدفة بشوكة دقيقة مسمومة وهي الطريقة المعروفة للتصفية؟ أنا الآن أتكلم مجازا.. وأقصد التخلص منه بوسيلة ما غير ملحوظة بما يؤدي- على سبيل المثال- إلى نوبة قلبية أو سوى ذلك؟

ب 6

كما ذكرنا وإياك فقد تم تدبير عملية التسميم...

خ 7

ولكن التسميم على أية حال أسلوب من أساليب القرون الوسطى. درزدوف نفسه يكتب عن ذلك في مذكراته...

ب 7

ولكن كما تعلم ليس من السهل على شخص عادي من الموظفين أو الخدم الاقتراب من الرئيس مباشرة...

خ 8

ولكنه كان يثق بالروس. ويوري درزدوف يشهد في كتابه أن أمين كان يثق بالسوفيت كثيرا...

ب 8

نعم كان يثق بنا. ولكن. أنا لا أعرف إن كان عملاؤنا غير الرسميين من الأفغان أم من السوفيت.... وهم على أية حال كانوا يقومون بأعمال ثانوية. وكما تعلم فإن عمال النظافة أو من في مستواهم لا يمكنهم التواصل عن كثب مع قادة الدول. (خالد: نعم). طبعا كان من المتيسر إيجاد شخص يمكنه الاقتراب من الرئيس.. ليصيح" الله أكبر".. ثم يقتله. ولكن ذلك كان سيؤدي حتما إلى إجراء تحقيق بهذا الشأن وإلى كشف الطرف المستفيد. أما لو كان في القصر عامل نظافة مغمور يمكنه في غياب الرئيس أن يترك في مكتبه شيئا ما مؤذيا للصحة فتلك مسألة أخرى... أو مساعد طباخ يكتفي بمناولة شخص آخر طبقا يحتوي طعاما مسمما ليضعه على مائدة الرئيس.. ولذلك وقع الاختيار على هذه الطريقة القروسطية، ولكنها مضمونة. ولولا مهارة الأطباء السوفيت الذين نُقل إليهم أمين ليسعفوه لسار كل شيء بحسب الخطة. وعلى أية حال، لقد أدى  العملاء غير الرسميين ما عليهم من عمل. ولذلك حتى أثناء اقتحام القصر أطلق من الرصاص أقل بكثير من اللازم في مثل هذه الحالة. وهذا إنجاز كبير.

خ 9

نعم.. طبعا.

ب 9

لو تسنى وجود عملاء غير رسميين في كل مكان تتطلبه الضرورة لكان ذلك شيئا رائعا طبعا... ولجرت كل الأمور على خير ما يرام وبصورة تلقائية.. ولكن هذا غير ممكن

خ 10

نعم. طبعا.

ب 10

لأنه قبل ذلك دبروا عملية ضد سلفادور إليندي.

خ 11

طبعا، طبعا.

ب 11

في ما يتعلق بإطاحة أليندي سارت الأمور على نحو أسوأ بكثير.. إلى درجة القصف بالطيران.

خ 12

بالمناسبة، هل يمكننا القول إن تصفية حفيظ الله أمين كان إلى حد ما ردا على الإطاحة بسلفادور أليندي؟ بمعنى إن كنتم ترون أنه يمكنكم التصرف بهذا الشكل في حديقتكم الخلفية فنحن سنتصرف بهذا الشكل تماما في حديقتنا الخلفية.

ب 12

أعتقد أن لا أحد يعرف ذلك باستثناء من تعامل مع هذه المسألة مباشرة. (خالد: واضح). يمكننا الافتراض منطقيا أن الطريقة التي قمنا بها بتصفية أمين كانت جوابا على ما حصل لأليندي لكن لا توجد أدلة موثقة على وجود منطق كهذا..

خ 13

واضح. عندئذ هذا هو سؤال التالي... سأعود إلى مذكرات يوري درزدوف. يقول في سيرته الذاتية "الخيال مستبعد تماما" إن "كل ما نشر في الآونة الأخيرة في الخارج عن تورط قسم الاستخبارات غير الرسمية التابع "للجنة أمن الدولة" في الإرهاب ليس أكثر من تحليق حر لخيال المؤلفين الغربيين". وفي مكان آخر يقول: "بكل المسؤولية أعلن وحدات الاستخبارت غير الرسمية لم تكن لها أية علاقات إطلاقا مع أي مجموعات إرهابية في الفترة من عام 1970 وحتى عام 1991. بل إن القيادة حظرت ذلك، وصانت الاستخبارات غير الرسمية". نهاية الاقتباس

لفت انتباهي أن يوري درزدوف يصف العاملين في الوحدات الخاصة للاستخبارات غير الرسمية بـ"المخربين". وخطرت بذهني مقارنة متعلقة بالتلاعب بكلمتي جاسوس وعنصر استطلاع. بمعنى أنه قد نصف نحن ما نقوم به في الخارج بعمليات تخريبية ولكن بالنسبة للبلد المستهدف فهذا إرهاب، أليس كذلك؟

ب 13

هذان مفهومان مختلفان تماما- أي التخريب والعمل الإرهابي.

خ 14

لو وضحت المسألة لو سمحت؟

ب 14

التخريب هو أن يذهب الشخص المختص وينسف مثلا موقعا عسكريا أو ما شابه... فهو هنا يتصرف بحيث لا يتضرر البشر خصوصا المدنيون. وهذا ضروري كيلا يثير غيظ السكان المحليين. أما العمل الإرهابي فيستهدف أشخاصا سلميين ومنشآت مدنية... كما أن للمخربين إعدادهم الخاص. يمكنني أن أوضح بشكل آخر. المخرب يضع لغما تحت جسر فارغ، بينما الإرهابي يطلق النار على شخص يسير على هذا الجسر... هذا تعبير مجازي طبعا.

خ 15

ألم تمارس "فيمبل" الاغتيالات السياسية؟

ب 15

كلا، كلا. ولم تكن هناك اغتيالات سياسية في  تلك السنين..

خ 16

حسنا.. لنواصل حديثنا عن العاملين في "فيمبل". مرة أخرى أقتبس من يوري درزدوف الذي يصفهم قائلا "إنهم حتى اليوم يكنون احتراما كبيرا لخصومهم المفترضين إذ يعرفون خبرتهم وأساليبهم وتكتيكهم ومهاراتهم بالملموس، لا عن طريق الإشاعات والأقاويل، بل في الواقع. حتى أن بعض العاملين في "فيمبل" تدربوا - بشكل سري طبعا - في وحدات المهام الخاصة التابعة لحلف الناتو".

 هل لك أن توضح لنا كيف كان ذلك ممكنا؟   

ب 16

لأول مرة يجري الحديث عن ذلك في كتابي... وقبلي لم ينشر أحد شيئا من هذا القبيل.

خ 17

هذا ما لاحظته... ولذلك طرحت السؤال.

ب 17

بالفعل بعض من أفراد "فيمبل" نفذوا هذا العمل. لا أعرف من هم. ربما استخباريون غير رسميين سابقون عادوا إلى الوطن لهذه الأسباب أو تلك.. تفاديا للانكشاف. ثم انضموا إلى "فيمبل". في كتابي جانب مثير للاهتمام يوضح ماذا يعني رجل الاستخبارات غير الرسمي. هذا ما حدثني عنه يوري شيفتشينكو بطل روسيا المسؤول الاستخباري الذي توفي مؤخرا. حدثني بدقة ووضوح عن أن رجل الاستخبارات غير الرسمي الجدير بهذه المهمة هو شخص يتقمص حياة شخص آخر تماما ويعيشها بالكامل، وكأنه فعلا من أهل ذاك البلد الذي يؤدي فيه مهمته.. حتى ليبدو أنه تربى في روضة من رياض الأطفال هناك، ويعرف كل الأغاني والمحفوظات التي يرددها أطفال البلد في ألعابهم عادة. وكأنه تعلم حقا في مدرسة محلية ويعرف الدفاتر التي كان التلاميذ يكتبون فيها، وبأية أقلام، وأية ألعاب كانوا يلعبون. أي أنه يعرف الكثير من تفاصيل وجزئيات الحياة التي اختُرعت له. إنه يعيش في بلد غريب تماما ولكن لا يمكن أن يدهشه أي شيء. هل كان بوسع شخص كهذا أن يُقدم على الخدمة في جيش الناتو؟  نعم. ومع ذلك، فإن الشخص الذي يعمل في الاستخبارات العادية أي الرسمية، يتعذر عليه القيام بذلك. إنه أيضا يعرف جيدا لغة البلد الذي يعمل فيه، ويعرف عنه الكثير من التفاصيل، ولكن أقصى ما يمكن أن يكلف به هو الاتصال وإقامة اتصالات سرية مع الاستخباريين غير الرسميين الذين يعيشون في البلد الأجنبي منذ زمن طويل وفق أسطورة ملفقة. مستوى معارف ضابط ارتباط كهذا يجب أن يكون كافيا بحيث لا يشك أحد أنه أجنبي قادم من مكان ما، ولكي ينظروا إليه على أنه أحد السكان المحليين.

خ 18

عندئذ لنعد إلى سؤالي: كيف تسنى  لعنصر من الاستخبارات السوفيتية غير الرسمية أن يتدرب في إحدى الوحدات الخاصة التابعة لحلف الناتو؟ كما فهمت فإن الكلام في الكتاب يدور عن الارجنتين. هل فعلا كان ثمة شخص من الاستخبارات  السوفيتية (لا داعي لذكر اسمه الآن)  أمضى في الأرجنتين فترة تدريب في تلك الوحدة كمواطن عادي من مواطني هذا البلد؟

ب 18

نعم. لن نذكر اسمه الحقيقي طبعا. أصدر هذا الشخص كتابا بعنوان "لقاء سري في كوبنهاغن". اسمه الحركي أو المستعار فلاديمير مارتينوف. وفي حينه كُشف أمره بسبب خيانة. عندما كان برتبة ملازم أول في لجنة أمن الدولة (كي. جي. بي) تلقى تدريبا عسكريا وإعدادا خاصا في الجيش الأرجنتيني حيث استدعي إلى الخدمة الإلزامية كجميع شبان الأرجنتين العاديين. ثم أنهى خدمته. أسطورة حياته المستعارة لا يجوز انتهاكها حتى اليوم. كان ثمة رجال استخبارات غير رسميين التحقوا عن عمد بالوحدات الخاصة لبلدان أجنبية عندما اقتضى الأمر ذلك. ومنهم من صاروا مقاتلين في "فيمبل"... وفي ما بعد ألقي بهم خارج البلد.. وهناك مضوا إلى الخدمة في الوحدات الخاصة الغربية. نحن لا نعرف الأسباب التي استدعت ذلك.. ولا نعرف ماذا جرى لهم لاحقا.. وأين تسنى لهم أن يخدموا.

خ 19

وهل استطاع أحد التغلغل أو التسرب إلى وحدات خاصة سرية للغاية مثل "بلاك ووتر" أو سواها؟...أنا الآن أتكلم من ناحية محض نظرية.. أم أن التغلغل في مثل هذه البنى كان عسيرا على الاستخباريين غير الرسميين؟

ب 19

من الصعب طبعا اختراق مثل هذه التنظيمات. ولكنك تطرح سؤالا يحظى باهتمام جميع أجهزة مكافحة التجسس العالمية. فهي أيضا مهتمة اهتماما جنونيا ما إذا كان قد  خدم عندهم في وقت من الأوقات أحد من استخباريينا غير الرسميين. ربما، لا ندري. .(خالد: مفهوم). على الأقل  لم يُكشف أن شخصا كهذا عمل هناك.

خ 20

نعم. هذا أمر هام. هذا جواب جيد. إذا لم يكشف أحد.. إذن لم يكن هناك أحد. هذا هو الجواب الصحيح.

ب 20

بالتأكيد.

خ 21

ما أردته بالضبط هو تأكيد كلامك باقتباس من يوري درزدوف إذ يقول: "على أراضي عدد من البلدان تم تجهيز مخابئ تحتوي على تجهيزات وأدوات وغيرها من مستلزمات النشاط الاستخباري – التخريبي لتستخدم عند الضرورة في "المرحلة الخاصة".. المقصود في حال نشوب حرب. أما أين هي الآن هذه المخابئ... فأقول: ليصدع هذا السؤال رؤوس الأطراف المهتمة". نهاية الاقتباس

من كان يقصد يوري درزدوف بهذا الكلام؟ أمن المعقول أنه كان يقصد أجهزة مكافحة التجسس التابعة لبلدان حلف الناتو والتي إذا ما قرأت كتابه سيكون ذلك لغزا مضنيا لها ؟ وستحترق فضولا لتعرف أين توجد تلك المخابئ؟ هل هذا هو المقصود؟

 

ب 21

خالد.. ماذا يعني قولك "إذا"؟ هذا الكتاب وضعته الأطراف المعنية تحت المجهر... وقد توصل من يهمه الأمر إلى الاستنتاجات اللازمة....

خ 22

أعرف ذلك... كما لاحظت طرحت سؤالي مبتسما...

ب 22

 نعم. نعم.

خ 23

درزدوف يخاطب فئة معينة من القراء.. ولذلك توقفت عند ذلك المقطع من كتابه.

ب 23

نعم، يوري درزدوف يكتب كثيرا جدا بهذا الأسلوب. ولذلك فإن عنوان كتابه "الخيال مستبعد كليا" عنوان جيد، ولكني لن أعلق عليه بمزيد من التفصيل.

خ 24

ما رأيك... هل يمكننا القول الآن إن تلك المخابئ موجودة في عشرات أو مئات البلدان؟  فهي حقا يمكن أن تكون- كما أفهم- في كل أرجاء العالم؟ أم أن الأمر ليس كذلك؟

ب 24

حسنا، قل لي من فضلك... وما الغاية من أن يكون لنا مخبأ في ساحل العاج مثلا؟

خ 25

أنا طبعا لا أقصد مثل هذه الأماكن. أنا أتكلم عن البلدان التي تنتمي إلى حلف الناتو، أو ربما بعض بلدان الشرق الأوسط...

ب 25

إذن يجب اختصار عدد البلدان في السؤال. أنت سألتني عن عشرات ومئات البلدان...

خ 26

ولكن عدد بلدان الناتو كبير ما فيه الكفاية. وإذا ما أضفنا حلفاءه...

ب 26

حسنا. أليست البرتغال عضوا في حلف الناتو؟

خ 27

أعتقد أن البرتغال عضو في الناتو... أوليس كذلك؟

ب 27

أترى؟ حتى أننا لا نتذكر على وجه الدقة إن كانت عضوا أم لا.

خ 28

أظنها كذلك...

ب 28

ما الحاجة إذن إلى مخبأ هناك؟ وماذا سنفعل به في حال وقوع الحرب؟ ...

خ 29

لا يوجد مخبأ هناك إذن...

ب 29

قد توج وقد لا توجد، وربما لا يوجد. هنا يعود دور هام للخبرة التي اكتسبتها استخباراتنا في سنوات الحرب العالمية الثانية. سألتني أيضا عن الوحدات الخاصة ك"فيمبل". لقد أثبتت خبرة الحرب تلك ضرورة تشكيل مثل هذه الوحدات *ولكي يتمكن رجال الاستخبارات غير الرسميين من الوصول إلى البلد المعني قبل وقت طويل من "الحالة الخاصة" أي الحرب، والعيش والعمل كمواطنين عاديين بسطاء في ذاك البلد. وبحيث يكون هؤلاء أشخاص أعدّوا خصيصا لغرسهم في أراضي العدو... وبحيث يتمكنون عند الضرورة من الوصول إلى تلك المخابئ وانتشال معدات ما  ضرورية لخوض المعركة. فقبل ذلك كان لدى استخباراتنا تجربة مؤسفة في أوروبا عندما فقدت صلاتها بالكامل، ولم يتمكن جماعتنا من الحصول حتى على جهاز لاسلكي.. وفقدوا شبكات العملاء المقيمين. أي تبين أن ثمة كثيرا من المشكلات. ولكن هذه التجربة لحسن الحظ نالت قسطها من التحليل النقدي وبناء على ذلك أسست المخابئ وتم بعناية تمحيص الأمور المتعلقة بمجمل العمل  في هذا الاتجاه.

خ 30

اقتباس آخر: "للالتحاق بالوحدة الخاصة فيمبل كان يجب أن يكون المرء خارقا عمليا. من بين ألف شخص كان يبقى ما لا يزيد عن 12 مرشحا لفترة اختبار لا يصمد فيها سوى ثلاثة أو أربعة. تلك متطلبات عالية جدا في ما يخص الحالة الصحية والصفات النفسية ومعرفة اللغات الأجنبية. كانت الامتحانات النفسية تتضمن مركبا كاملا من الاختبارات الذهنية والشخصية..."استبيان مينيسوتا"، واستبيان كاتيل، واختبار "بقع رورشاخ" واختبار "تات" (Thematic Apperception Testواختبارات بطرائق كل من ليونارد،  ورافين،  وفيكسلر... ومئات من الأسئلة والمهام الأخرى، وكذلك فحوصات على جهاز ياباني لكشف الكذب". إن الإعداد البدني في وحدة من هذا النوع يتطلب منا حديثا مستقلا فهناك تجرى امتحانات عالية التعقيد لتبيان القدرة على التحمل البدني. ولكن في حالة التحمل البدني أعتقد أن ألأمر لا يختلف كثيرا عن امتحانات من هذا النوع عند  قوات المهام الخاصة في بلدان العالم الأخرى. فمن المعروف أن حدود طاقة الإنسان على التحمل البدني متشابهة تقريبا. إن الجري لمسافة عشرة كيلومترات بصدور عارية في درجة حرارة 30 تحت الصفر أو شيء آخر من هذا القبيل أمر مفهوم... ولكن لماذا الاختبارات النفسية بهذه الكمية؟ ماذا تقدم كل هذه الاختبارات التي بالكاد تمكنتُ من نطق تسمياتها.. ما الغرض منها؟

ب 30

تصور أن رجل استطلاع، استخباري غير رسمي، وجد نفسه فجأة في ظروف غير مألوفة له البتة. صحيح أن مسؤوليه قد أعدوه وشرحوا له ماذا سيعمل.. وكيف سيعمل هناك. ولكن لنتذكر- على سبيل المثال-  وصولك أول مرة إلى بلد لا تعرفه إطلاقا؟ في شتى الأحوال ستكون في حاجة إلى بعض الوقت للتكيف حتى لو كنت سائحا عاديا أو صحافيا. أما هنا فالمرء حتى لو كان من الاستخبارات يجد نفسه في ظروف لا تسمح له بأي شكل من الأشكال التعبير عن الدهشة ولا الارتباك في أي وضع كان. عليه بلمح البصر التكيف مع هذا البلد وألا يتعرض لموقف محرج في لحظة غير متوقعة، وأن يتخذ على جناح السرعة القرار الصائب وألا يصدر منه أي تصرف قد يفضح شخصيته الحقيقية. عمليا يجب عليه أن يعيش ظروفا قتالية دائمة، كما في ساحة المعركة عندما تتفجر الألغام على مقربة منك أو يئز الرصاص فوق رأسك. ولكن مع ذلك يجب دائما التصرف بدقة دون أخطاء. وفضلا عن ذلك يجب التواصل مع المحيطين بك. وتعلم أن هذا ليس بالأمر اليسير. والأساليب النفسية تتيح استبيان كيف يجيد الشخص القيام بذلك لأن رجل الاستخبارات- فضلا عن  كل شيء- عليه أن يجتذب الناس. يجب أن يثير اهتمامهم. عندنا يسود الاعتقاد غالبا أن رجل الاستخبارات هو رجل عابس وجامد وبارد.. ولكن في الواقع العكس تماما هو الصحيح.. لنتذكر بطل الاتحاد السوفيتي غيفورك فارتانيان.. إنه شخص جميل ساطع الملامح وجذاب تبقى صورته في الذاكرة زمنا طويلا.

خ 31

وهذه المرة أيضا أذكر المشاهدين أننا أجرينا حوارا مع أحد أشهر الاستخباراتيين غير الرسميين السوفيت غيفورك فارتانيان عن مؤتمر طهران عام 1943... لروحه السكينة والسلام.. كان إنسانا نادرا بالفعل.

ب 31

تصورت أنك أجريت حوارا معه..

خ 32

 نعم. بالطبع.

ب 32

إذن رجل استخبارات كهذا يجب أن يكسب قلوب الناس سريعا، وأن يجتذبهم ويثير اهتمامهم به.. ومع ذلك يجب أن يعرف ويتذكر بدقة ماذا يمكنه أن يقول وكيف يقول في تواصله مع الآخرين بحيث لا تنشأ عند أحد أية شكوك... وقد يصادف الكثير من هذه اللحظات. إذن كل هذه الأساليب تتيح تحديد المرشح للاستخبارات غير الرسمية الذي سيكون بإمكانه التكيف والتصرف وفق أوضاعه.. وكيف سيكون تعامله مع المحيطين... وكيف سيكون تعاملهم معه. وثمة الكثير غير ذلك. أي يجري إعداد شخص يفترض أن يتصرف ويعمل في ظروف استثنائية تنطوي على درجة عالية من الخطر. أما عندما يضطلع بالنشاط الاستخباري شخص يعمل بصورة رسمية، أي تحت ستار موظف هيئة دبلوماسية أو غيرها تابعة لبلده في الخارج فكل شيء – ان انكشف أمره - ينتهي عادة بخير وسلام. أجهزة الاستخبارات في ذاك البلد تستدعي القنصل وتعرب له عن احتجاج ما.. وأقصى ماتقوم به هو إبعاد عنصر الاستخبارات من البلد بإعلانه شخصية غير مرغوب فيها. ولكن الأمر مختلف إذا انكشف استخباري غير رسمي كما جرى مثلا مع بطل روسيا أليكسي كوزلوف. هل عرضت قصته في برنامجك؟ (خالد: كلا). إنه إنسان مدهش. ظل طيلة عامين في زنزانة المحكومين بالإعدام في جنوب افريقيا.

خ 33

نعم. هذا ما يرد ذكره عند درزدوف، وفي كتابك أيضا.

ب 33

إنه رجل استخبارات فريد من نوعه. والذين أرسلوه للعمل كانوا واثقين حتما أنه لن ينتقل إلى جانب العدو مهما كان الوضع. فأفظع شيء دائما هو أن ينجح الخصم بإعادة تجنيد رجل الاستخبارات تحت التعذيب. ولذلك يجب اختبار الأشخاص أطول فترة ممكنة بحيث يتم اختيار الأفضل.

خ 34

هل يمكننا القول إن الإعداد في الوحدة الخاصة "فيمبل" كان جمعا بين أقصى ما يمكن من قواعد إعداد قوات المهام الخاصة وأقصى ما يمكن من قواعد إعداد رجال الاستخبارات؟ أي هذا وذاك معا. بحيث يمتلك المرشح القدرات البدنية والذهنية المناسبة.. يعني اثنين في واحد.. هل الأمر على هذا النحو؟

 ب 34

سبق وذكرت أن هؤلاء كانوا يسمون بالقوات الخاصة الذكية 

خ 35

كل عنصر كجيمس بوند حقيقي؟ وليس كما في أفلام الإثارة، صحيح؟

ب 35

نعم. أكرر مجددا أن المقاتلين من الوحدة الخاصة "فيمبل" كانوا يوصفون بـ"بالقوات الخاصة الذكية". كان هناك أشخاص ذوو إعداد في ميادين مختلفة. وقد قُدم لهم أقصى ما يمكن تقديمه.

خ 36

وما مدى حريتهم في اتخاذ القرار؟ ماذا كان يحق لهم عمله دون التشاور مع "المركز"؟ وإذا كانت تلك قوات خاصة ذكية كما تذكر انت ودرزدوف فهذا يعني أن بإمكانهم اتخاذ قرارات بشكل مستقل... فهم ليسيوا منفذين فقط كما الوحدات الخاصة العادية، بل هم يضعون الخطط بأنفسهم ويغيرونها بحسب تغير الأوضاع ميدانيا؟ فماذا كان هامش التصرف عندهم خلال تنفيذ هذه العملية الخاصة أو تلك؟

ب 36

كانوا يشتغلون على مهام شاملة مناطة بهم من المركز.. كان يجب أن يحققوا هدفا محددا. وفي ما يتعلق بتنفيذ المهمة كان يحق لهم إما اتخاذ القرار ميدانيا وإما ىقديم مقترحات مسبقا لمناقشتها منذ البداية. عندي في الكتاب قصة عن استخباري غير رسمي خالف كل التعليمات ودخل قاعدة للناتو حيث دعاه أصدقاؤه الأمريكيون. مقابل ذلك تلقى هدية ثمينة من رئيس لجنة أمن الدولة أندروبوف.

خ 37

فعل ذلك دون اذن من المسؤولين؟

ب 37

نعم. وعلى ذلك وبخه رئيسه المباشر. بينما الإدارة العليا قامت بتكريمه.

خ 38

وفي أي بلد كانت قاعدة الناتو تلك؟ أم أن هذا سر؟

ب 38

 كان ذلك في اسبانيا. القصة رفع ستارالسرية عنها.

خ 39

واضح.. شكرا جزيلا ألكساندر على هذا اللقاء .. ولنتوقف هنا اليوم على أمل أن نواصل الحديث في حلقة الأسبوع القادم. شكرا جزيلا.

ب 39

بكل سرور... شكرا... إلى اللقاء.

 خ 40

إلى اللقاء.

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا