ستالين وروزفلت والجمهورية اليهودية في القِرم كبديل للمشروع الصهيوني. لماذا فشل المخطط؟

أخبار العالم

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/p9y6

كتب جنرال الاستخبارات السوفيتي الشهير بافيل سودوبلاتوف في مذكراته: "كان فيفر يُستقبل بين الحين والآخر في شقة سرية من قبل بيريا شخصيا لمناقشة موضوع إقامة جمهورية يهودية في القرم".

(إتسيك فيفر - عضو اللجنة السوفيتية اليهودية لمناهضة الفاشية، لافرينتي بيريا - وزير الداخلية السوفيتي)

"بقي هذا المشروع ساري المفعول حتى يونيو عام 1945 وكان من المفترض أن يوضع موضع التنفيذ. أثناء التحضير لمؤتمر يالطا طرح الدبلوماسي الأمريكي آفيريل هاريمان عليَّ وعلى مساعد مولوتوف (فياتشيسلاف مولوتوف - وزير الخارجية السوفيتي) - نيقولاي نوفيكوف سؤالا عن سير الأمور بشأن إقامة الجمهورية اليهودية وذلك بمقتضى القروض الأمريكية المخصصة لهذا المشروع...".

التفاصيل في هذه الحلقة

خالد 1

بروفسور سعيد بلقائك من جديد.

كوستيرتشينكو 1

أهلا بك.

خ 2

متابعة لما ورد في الحلقة السابقة أود أن استوضح منك مسألة تتعلق بمشروع توطين اليهود في القرم وإقامة جمهورية لهم هناك. هل كانت هذه النوايا حقيقية أم أن السلطة السوفيتية كانت تستغل أموال الجمعيات الخيرية اليهودية الأمريكية التي تم تخصيصها لإقامة تعاونيات زراعية في القرم؟ وربما كان الغرض في تخصيص جزء من تلك الاستثمارات لاحتياجات الدولة السوفيتية؟ أي هل خُدع الأمريكيون  واليهود إذ صدقوا فعلا أن هناك مشروع لإقامة جمهورية اشتراكية في روسيا السوفيتية كوطن قومي لليهود؟

ك 2

كلا... أعتقد أن الأهم في الأمر هو ظهور  مشروع بديل عن "مشروع القرم" الذي أخذ يتبلور منذ عام1927 وعرف بمشروع الشرق الأقصى لحل المسألة اليهودية...أي إقامة حكم ذاتي يهودي في مقاطعة من الشرق الأقصى تحديدا.

خ 3

حيث بيروبيدجان؟

ك 3

نعم. العاصمة- بيروبيدجان. إن إعادة إسكان اليهود وتوطينهم هناك تحديدا كانت لها أسباب عملية جدا. فلماذا اختيرت هذه المنطقة كبديل عن مشروع القرم؟ أولا- لأنها منطقة سوفيتية نائية قليلة السكان على الحدود مع الصين ولم يكن هناك أي عداء للسامية. ثانيا، هذه المنطقة كانت ملائمة للقيادة السوفيتية لجهة إعمارها وتطويرها اللاحق صناعيا.كان على ضفتي نهر آمور الكثير من الثروات الباطنية التي من الضروري استخراجها ومعالجتها. وهذا يعني ضرورة  تأمين ظروف حياة مناسبة لمن سيعمل في هذا المجال. ولذلك اتخذت اللجنة التنفيذية المركزية للحزب في آذار/ مارس عام 1928 قرارا بتخصيص مساحة على امتداد جغرافي واحد في حوض آمور الشمالي.. في الشرق الأقصى لإقامة منطقة قومية لليهود في

خ 4

تبلغ مساحتها 72 ألف كيلومتر مربع.

ك 4

 نعم، صحيح.

خ 5

 للمقارنة اسرائيل اليوم حوالي 23 ألف كيلومتر مربع... وهنا 72 ألف كيلومتر مربع. استوقفني تحديدا هذا المقطع من كتابك.

ك 5

وهو كذلك تماما. وبداية عام 1928 انطلق إلى الشرق الأقصى أوائل المستوطنين اليهود الجدد. كان هؤلاء بالدرجة الأولى أشخاص يعانون ظروف معيشة مضطربة، قادمين من تجمعات يهودية صغيرة. أما اليهود الذين كانوا يعيشون في المدن فقد تمكنوا من ترتيب حياتهم على نحو جيد عموما والتحقوا بالوظائف الحكومية إلى جانب أعمال أخرى. بالتالي لم يكن يهود المدن راغبين البتة في السفر إلى أصقاع نائية ومجهولة. على أية حال لم يكن مشروع الاستيطان في الشرق الأقصى مشروعا عمليا قابلا للتنفيذ...

خ 6

أي كانت البروبوغاندا هي الغالبة في هذا المشروع؟

ك 6

كان ذلك مشروعا دعائيا سوفيتيا على أنه نموذج لحل المسألة اليهودية.

خ 7

ألا يبدو لك أن كل ما أراده المسؤولون السوفيت آنذاك هو أن يقدم الأمريكيون التمويل من جديد ليستصلح اليهود منطقة سوفيتية أخرى؟.. فقد سبق أن وظف الأمريكيون في "مشروع القرم" 20 مليون دولار.. في هذا الصدد أود أن أقرأ ما قاله أحد الصهاينة الأمريكيين المشهورين، الكاتب في الشأن العام روفيم براينين، الذي جاء إلى الاتحاد السوفيتي كي يطّلع بنفسه على "مشروع بيروبيدجان" لتوطين اليهود. كتب يقول: "في القرم.. على أراضي خرسون.. أذهلني بكل معنى الكلمة ما أُحرز هناك من نجاح. ولكن استصلاح بيروبيدجان يلهمك أكثر نظرا لما يفتحه من آفاق واعدة. تكوَّن لدي انطباع وكأنني هبطتُ على كوكب جديد. عندما انتشر في أمريكا أول خبر عن بيروبيدجان ترك انطباعا قويا جدا لدى الجميع. وأثناء وجودي في شيكاغو عُقد اجتماع حاشد حيث غصت القاعة بالحضور حتى أن كثيرين وقفوا في الشارع يستمعون للمتكلمين في الداخل. هذا المشهد لا مثيل له في التاريخ اليهودي كله.. أي أن تبادر حكومة ما جهارا إلى التجاوب مع آمال السكان اليهود كما نرى ذلك الآن في الاتحاد السوفيتي". نهاية الاقتباس

 يعني هذا نص ذو نبرة حماسية للغاية.. ومن الجلي أنه يعبر عن أمل كبير جدا عند اليهود الأمريكيين الذين توقعوا أن وطنا قوميا سيقام لليهود في بيروبيدجان.. هذا شيء مذهل فعلا!

ك 7

نعم.. حدث ذلك. وبدأت تتدفق المساعدات. كانت المعونات ترد على سبيل المثال من منظمة خيرية أمريكية تسمى «ICOR». (أيكور)

خ 8

The Organization of Jewish Canalization in Russiaومنظمة

ك 8

وبعد ذلك- في عام 1936-  شُكلت في الولايات المتحدة "لجنة أمبيدجان الأمريكية- البيروبيدجانية" التي أخذت هي الأخرى تساعد المهاجرين. وخصصت حتى عام 1950 بعض المبالغ لتطوير منطقة الحكم الذاتي اليهودية. والأكثر من ذلك أن بعض المتحمسين من اليهود الأمريكيين وغير الأمريكيين  قرروا الانتقال إلى بيروبيدجان. لقد انتقل للعيش في هذه المنطقة على مدى تاريخها كله حوالي 900 أجنبي، سرعان ما غادرها نصفهم إذ لم يحتملوا الظروف الطبيعية القاسية والبرد ونقص التموين. ومما لا شك فيه أن تلك الظروف - فضلا عن مجاعة عام 1933 وعدم استقرار الحياة اليومية - كان لها دور سلبي في ذلك كله. ومن الجدير بالذكر أن العديد من الأجانب الذين لم يعودوا إلى الغرب، اعتقلوا في النصف الثاني من الثلاثينات بتهمة التجسس. هذا مع العلم أن الغرب ومنظمة "جوينت" عندما قدما المساعدة لمنطقة بيروبيدجان كان يحدوهما أملٌ كبير بأنها قد تصبح مكانا آمنا لإنقاذ اليهود الفارين من ألمانيا وغيرها من بلدان أوروبا بعد وصول النازيين إلى السلطة. كان يهود الغرب يأتون إلى ستالين ملتمسين منه أن يفتح الاتحاد السوفيتي "بوابة النجاة" ليهود أوروبا. ولكن أواخر عام 1934 وخاصة بعد اغتيال مسؤول لينيغراد سيرغي كيروف، عمَّ هوس التجسس كافة مستويات السلطة في الاتحاد السوفيتي. وإثر ذلك بدأت أعمال القمع بناء على الانتماء القومي. واعتُقل عدد كبير من أولئك اليهود الذين تسنى لهم الوصول إلى الاتحاد السوفيتي من ألمانيا، وكانوا أطباء في غالبيتهم. بالتالي، لم تغدُ بيروبيدجان دار نجاة لليهود أبدا. من جهة، لا بد من القول إن قلة من اليهود الأوروبيين أرادوا طوعا واختيارا الذهاب إلى مكان ما في سيبيريا ليواجهوا كل تحديات الطبيعة القاسية وليناضلوا من أجل البقاء. إذ أكثرية اليهود الساحقة رفضت الانتقال إلى الشرق الأقصى. كان عدد اليهود في الاتحاد السوفيتي يزيد قليلا على ثلاثة ملايين نسمة قبل توسع أراضي الاتحاد السوفيتي في عام 1939 بضم المناطق الشرقية من بولندا. وبعد توسيع الحدود صاورا خمسة ملايين. أما في منطقة بيروبيدجان للحكم الذاتي اليهودي فكان يعيش آنذاك ما لا يزيد على 20 ألف يهودي. وهكذا نرى أنه لم يجرِ في حقيقة الأمر أي انتقال لليهود على نطاق واسع. ولكن المنظرين العقائديين السوفيت أحرزوا الانتصار الدعائي في حل المسألة اليهودية.

خ 9

طيب، لنتقل إلى مرحلة الحرب العالمية الثانية. من المعروف أن أعمال إبادة جماعية جرت ضد اليهود وضمنا في القرم بُعيد احتلال الألمان لجزء من أراضي الاتحاد السوفيتي. وفي آب/ أغسطس عام 1941 دوى من الاتحاد السوفيتي نداء شهير بعنوان "إلى يهود العالم". كان الاتحاد السوفيتي ماضيا للتقارب مع ممثلي الصهيونية العالمية. وعن ذلك تقول في الكتاب ما يلي: "بما أن إقامة علاقات مع الصهيونية العالمية صارت بالنسبة للقيادة السوفيتية إحدى الأولويات الرئيسة على صعيد السياسة الخارجية وكانت تبشر بفوائد كبيرة، فقد قررت مفوضية الشعب للشؤون الداخلية أيضا ان تسهم بقسطها في تطوير المشروع اليهودي الدعائي. هكذا اقترح مفوض الشعب للشؤون الداخلية لافرينتي بيريا تأسيس منظمة اجتماعية يهودية دولية موالية للسوفيت لاستخدامها في الدعاية الرامية إلى استمالة الغرب. واُقترح لقيادة هذه المنظمة مسؤولوا منظمة "بوند" اليهودية السياسية السابقين الذين كانوا قد اعتقلوا عام 1939".... أضيفُ هنا أنه بعد حين تأسست في الغرب "اللجنة الأمريكية للكتاب والفنانين والعلماء اليهود".

 «American Committee of Jewish Writers, Artist and Scientist» برئاسة ألبرت إنشتاين والأديب اليهودي المعروف شالوم عليخم... وكذلك تأسس الصندوق اليهودي لروسيا السوفيتية The Jewish Fund for Soviet Russia. وانخرطت في عملية تقديم المساعدات صناديق أخرى وشخصيات بارزة شهيرة من القومية اليهودية....

هل أفهم أن ستالين أقدم على التقارب مع الصهيونية العالمية لاعتبارات مادية حصرا وليس لاعتبارات إنسانية البتة؟ وأنه كان يريد أكبر قدر ممكن من المال لا لمساعدة اليهود السوفيت بل لمساعدة الدولة السوفيتية في وقت الحرب؟... أي كما حدث مع "مشروع القرم" و"المشروع الجنوبي"... هل الأمر على هذا النحو؟

ك 9

أعتقد أن هذه الدوافع كانت حاضرة. ولكنني أرى أن الأهداف الايديولوجية كانت الأهم هنا. في تلك السنوات الأولى من الحرب عندما أصبح الغرب حليفنا الجديد، كان التقارب معه من الأولويات. كما أن تعزيز الصلات مع اليهود الغربيين كانت له مسوغاته إذا أخذنا بالاعتبار نفوذ الجاليات اليهودية وتأثيرها على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أيضا. وتلك الصلات أثبتت جدواها لأن حوالي خمسين مليون دولار تم جمعها...

خ 10

نعم، نعم...

ك 10

...خلال فترة الحرب.

خ 11

هذا مبلغ لا بأس به. آنذاك كان الدولار مرهونا بالذهب.

ك 11

نعم. كان ذلك أحد جوانب المسألة. والأهم أن يتعزز هذا التعاون أيديولوجيا. كان الاتحاد السوفيتي في حاجة لأن يبدو في جميع أنحاء العالم كبلد متعاطف مع اليهود. بعد ذلك- وبمساعدة الجالية اليهودية في الولايات المتحدة - كان يمكن التأثير على القيادة الأمريكية واستدرار المزيد من تعاطفها. وهكذا، ظهرت في الاتحاد السوفيتي في أواخر عام 1941- أوائل عام 1942 "اللجنة اليهودية لمناهضة الفاشية" وعلى رأسها الفنان والمخرج المسرحي المعروف سولومون ميخويلس. راحت اللجنة تنظم ندوات عبر الراديو وتخاطب الرأي العام الدولي وتصم النازية بالعار بسبب الهولوكوست. وحتى أنها بادرت بمشروع دولي سانده ألبرت إنشتاين يتلخصبجمع المعلومات عن الجرائم الهتلرية ضد اليهود وتوثيقها في ما يسمى "الكتاب الأسود". في عام 1943 سافر مخويلس والشاعر إيتسيك فيفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا والمكسيك وكندا لجمع الأموال. تحدثا أمام يهود بلدان الغرب وأجريا اتصالات عديدة مع ممثلي مختلف الهيئات والجهات.. وتحديدا أثناء هذه الجولة- في النصف الثاني من عام 1943- ظهرت فكرة إحياء "مشروع القرم"، أي إقامة منطقة قومية يهودية. وأثناء مفاوضاته مع الشخصيات الاجتماعية من اليهود الأمريكيين، اجتمع مخويلس إلى مسؤول منظمة "جوينت" جيمس روزنبرغ... الذي كان على معرفة به منذ العشرينات عندما كان روزنبرغ في زيارة إلى الاتحاد السوفيتي لحل مسائل تتعلق بـ"المشروع الجنوبي" وإعادة توطين اليهود في القرم. كانا قد تعارفا منذ ذلك الحين...

خ 12

في الولايات المتحدة الأمريكية.. في حزيران عام 1943.. كان في استقبال ميخويلس وفيفر في المطار الصحافي الأمريكي المعروف بن تسيون غولدبرغ. وكان آنذاك يعد أفضل صديق للاتحاد السوفيتي. كان الاستقبال جيدا جدا.

أفهمُ أن الأمريكيين صدقوا أن الاتحاد السوفيتي مستعد لإحياء مسألة توطين اليهود في القرم مقابل حصوله على دعم مادي ملموس من جانب الولايات المتحدة؟ هل الأمر كذلك فعلا؟

ك 12

أعتقد أنك على حق. كان بن تسيون غولدبرغ صهر شالوم عليخم الكاتب اليهودي المعروف الذي - بالمناسبة- هاجر من روسيا إلى أمريكا. أما جيمس روزنبرغ فلم يكتف آنذاك بدعم تجهيز الأرض لليهود في القرم وحسب، بل وأن يقام هناك حكم ذاتي لهم. ربما رأى ضرورة تعزيز تلك البدايات التي شهدتها عشرينات القرن.. على أية حال، قال لميخلويس إن منظمة "جوينت" مستعدة لمساعدة الاتحاد السوفيتي في ذلك... تجدر الإشارة هنا إلى أن نشاط هذه المنظمة كان قد حظر في الاتحاد السوفيتي في أيار/ مايو عام 1938 وتم اعتقال جميع السوفيت العاملين في فرعها بموسكو، حتى أن بعضهم أعدم. ومع ذلك كان جيمس روزنبرغ عام 1943 مستعدا لاستئناف التعاون بين "جوينت" والاتحاد السوفيتي. وأعلن لميخويلس أن "جوينت" مستعدة لتقديم الدعم المالي لإقامة حكم ذاتي يهودي في القرم للم شمل اليهود هناك. ولكن جماعة "جوينت" أصيبوا بخيبة أمل لأنه لم يتسن جعل الاتحاد السوفيتي دار نجاة لإنقاذ النازحين اليهود. آنذاك كانت "جوينت" تفترض أن بوسع اليهود الأوروبيين الذين نجوا من الهولوكوست أن يأتوا إلى القرم ويقيموا هناك شيئا من قبيل كيان إقليمي يهودي. عندئذ- وتحت وصاية الأمريكيين ضمنا- كان من المحتمل تماما أن يظهر إلى الوجود هناك بديلٌ عن المشروع الشرق-أوسطي في فلسطين.

خ 13

"كاليفورنيا القرم"  أو "الجمهورية اليهودية الاشتراكية ذاتية الحكم".

ك 13

نعم. يعود ذلك إلى أن نظام الحصص في ما يتعلق بالسكان اليهود طُبق هناك منذ عام 1939 بعد الانتفاضة العربية الشاملة في فلسطين. لقد فرض الإنكليز قيودا على هجرة اليهود إلى فلسطين بحيث لا يتجاوز عدد القادمين إليها 15 ألف شخص في السنة. ولذلك كانت اقتراحات "جوينت" إبان الحرب واقعية تماما فاليهود وجدوا أنفسهم في وضع معلق مرة أخرى. لم يكن في نية الإنكليز الجلاء عن فلسطين، ما يعني أن "مشروع القرم" كان يبدو قابلا للحياة تماما لتوطين اليهود هناك. استغرقت جولة ميخويلسوفيفر سبعة أشهر: من أواخر عام 1942 حتى منتصف عام 1943. هنا، لا بد من القول إنهما إذ أمضيا وقتا طويلا في تنقلاتهما واتصالاتها في الخارج فقد انقطعا عمليا عن الواقع السوفيتي.. عن وجود مفوضية الشعب للشؤون الداخلية ووجود لافرينتي بيريا وأعمال القمع والاضطهاد. وإذ نسيا ذلك - وخاصة ميخويلس- شعرا فجأة بالحرية  أكثر مما ينبغي. وبعد عودتهما إلى الاتحاد السوفيتي التقى ميخلويس مع بولينا جيمتشوجينا زوجة فياتشيسلاف مولوتوف الشخص الثاني في الاتحاد السوفيتي بعد ستالين. وكان آنذاك وزيرا للخارجية ويلعب دورا هاما في السياسة. وبواسطة جيمتشوجينا نقل ميخويلس إلى مولوتوف مقترحات منظمة "جوينت"بإقامة جمهورية لليهود في القرم. وكبلشفي وموظف حزبي محنك لم يأخذ مولوتوف على عاتقه أية مسؤولية. وكان رده: "اكتبوا رسالة إلى القيادة السوفيتية تتضمن عرضا لتلك المقترحات، وبعد ذلك سننظر فيها". أي لم يقل شيئا محددا.. ولكنه ألمح إلى أنه يؤيد المبادرين في هذا المشروع. وفي شباط/ فبراير عام  1944 سُطرت تلك الرسالة فعلا.

خ 14

لعلي أوضح هنا شيئا للمشاهدين. وهو أن بولينا جيمتشوجينا كانت يهودية. واسمها الحقيقي بيرل كاربوفسكايا. كانت تُعَدُّ في الاتحاد السوفيتي ممثلة للمصالح اليهودية  لأنها كانت زوجة مولوتوف، وصديقة ناديجدا ألّيلويفا زوجة ستالين السابقة.. أي كانت مقربة من السلطة.  كما شغلت مناصب في مختلف فروع الصناعة السوفيتية. لذلك ربما لجؤا إليها باعتبارها لوبي أو مركز قوة الوحيد ربما لليهود في السلطة.  

ك 14

نعم.. هذا ما كان. سُطرت الرسالة الأولى الموجهة إلى ستالين في أواخر كانون الثاني/ يناير عام 1944. وقّع تلك الرسالة ميخويلس واثنان آخران من مسؤولي "اللجنة اليهودية لمناهضة الفاشية". تحدث هؤلاء في رسالتهم عن وضع يهود أوروبا وأشاروا إلى أن القرم تحديدا يمكن أن يكون لهم مستقرا للخلاص والعيش الآمن بعد الحرب. أُرسلت تلك الرسالة بالبريد العادي. ولم يلقوا أي رد فعل أو جواب من طرف القيادة الستالينية. عندئذ أعدوا رسالة ثانية إلى مولوتوف هذه المرة وبعثوا بها عن طريق زوجته بولينا جيمتشوجينا وذلك للتأكد من أنها ستصل إلى مقصدها. وهنا نسخوا مضمون الرسالة السابقة بالحرف. ولكن مولوتوف لم يجب بشيء. وهذا طبيعي فمن المحتمل أن وجوده في مواقع السلطة العليا أتاح له أن يعلم بموقف ستالين السلبي من هذه الفكرة. في الوقت نفسه، كان موضوع مساعدة وتوطين اليهود يناقش على صعيد السياسة الخارجية بشتى السبل الممكنة. ولذلك لم تتوقف المساعدة الغربية. وسارت على قدم وساق الإرساليات من أمريكا.. من منظمة "جوينت" إلى الاتحاد السوفيتي حتى العام 1947. في عام 1947 توقف التعاون مع "جوينت". ثم بدأت في الاتحاد السوفيتي ملاحقة اليهود، كعداء للسامية على مستوى الدولة، إنما بشكل مستتر. أما في عام 1948 فدبرت في مينسك بأمر من ستالين عملية خاصة لقتل ميخويلس. لقد استدرج إلى بيت ريفي لوزير أمن الدولة في بيلوروسيا لافرينتي تسانافا... وهناك تمت تصفيته. وقيل إنه توفي في حادث سير. ولكن بولينا جيمتشوجينا حضرت مراسم دفنه وأعلنت هناك أن وفاته ليست نتيجة حادث، بل إنها عملية قتل بأمر من ستالين.

خ 15

سنتحدث وإياك عن هذا الموضوع بشكل مستقل في حلقات قادمة، أي مرحلة بعد الحرب... وبودي ألا أستبق الأحداث. سأقرأ مقطعا آخر عن جولة ميخويلس وفيفر في الولايات المتحدة، تلك الجولة التي تبدو لي ذات مدلول هام. ردا على طلب  فيفر. قال جيمس روزنبرغ للوفد السوفيتي: "أنتم تطلبون باستمرار، ولكن لا فائدة منكم. ألا تذكرون أننا  كمنظمة جوينت أنفقنا أكثر من ثلاثين مليون دولار على مشروع القرم.. ماذا استفدنا؟ القرم ليس لنا، وأنتم طردتم من هناك". وبعد وقفة قصيرة، واصل رونبرغ بنبرة ألطف قائلا: "لو أن الحكومة السوفيتية سمحت باستيطان اليهود في القرم لكنا نحن- اي "جوينت"- قدمنا لكم المساعدة المادية. أنتم لا تتصرفون كما ينبغي أن يتصرف اليهود الحقيقيون. اليهود السوفيت يرجون كثيرا، ولكنهم قليل جدا ما يلحون في الطلب. على الشعب - إذا كنا شعبا واحدا - أن يناضل من أجل حقوقه"... أي أن روزنبرغ كان يفكر بعقلية أمريكي، بمقاييس الديمقراطية الأمريكية التي تقتضي من المرء النضال من أجل حقوقه، والمطالبة بها. طبعا لم يكن يفهم تماما الواقع السياسي السوفيتي. ولذلك سأقتبس أيضا من مذكرات رجل الاستخبارات السوفيتي بافل سودوبلاتوف. هذا مقطع عن إيتسيكفيفر الذي كان عميلا لمفوضية الشعب للشؤون الداخلية: "كان فيفر يُستقبل بين الحين والآخر في شقة سرية من قبل بيريا شخصيا لمناقشة موضوع إقامة جمهورية يهودية في القرم. حتى حزيران/ يونيو عام 1945 بقي هذا المشروع ساري المفعول وكان من المفترض أن يوضع موضع التنفيذ. أثناء التحضير لمؤتمر يالطا طرح الدبلوماسي آفيريل هاريمان عليَّ وعلى مساعد مولوتوف - نيقولاي نوفيكوف سؤالا عن سير الأمور بشأن إقامة الجمهورية اليهودية وذلك بمقتضى القروض الأمريكية المخصصة لهذا المشروع. أتذكر أنني قرأت خبرا عن أن ستالين بعد الحرب مباشرة ناقش مع وفد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي خطة إقامة جمهورية يهودية في القرم وإحياء منطقة غوميل حيث يعيش اليهود في بيلوروسيا. طلب ستالين من الأمريكيين ألا تقتصر قروضهم ومساعدتهم التقنية على هاتين المنطقتين، وطلب تقديم هذه المساعدة دون ربطها بمشاريع محددة". نهاية الاقتباس. أي أن كل الأمور كانت قد تمت دراستها والاتفاق بشأنها في مستويات السلطة العليا، وأن فيفر وميخويلس لم يتحدثنا عن المشروع في القرم بمبادرة منهما؟

ك 15

كلا، كلا... إذا حاكمنا الأمور على غرار ما ورد عند سودوبلاتوف فيعني ذلك أن الجانب السوفيتي كان يخدع الأمريكيين وحسب. كان يخدعهم كي يفتحوا من جديد محفظاتهم ويبدؤوا بدفع المال. ولكن ماذا بعد؟ إلى متى كان يمكن الاستمرار في هذا الخداع؟ ولماذا إذن كان ميخويلس مضطرا لكتابة تلك الرسائل إذا كانت المبادرة أساسا آتية من السلطة السوفيتية؟

خ 16

وهل ترى أن المقطع الذي اقتبسه مجرد أوهام سودوبلاتوف؟

ك 16

نعم، نعم. ، خاصة في هذا الجزء من المذكرات. أنا لا أتكلم عن الأجزاء الأخرى.. ولكن في هذا المجال لم يكن مؤهلا ولا مختصا. بافل سودابلاتوف لم يكن مؤهلا في هذه المسألة. كان مؤهلا ومتمرسا في النضال ضد القوميين الأوكرانيين، ضد بانديرا وأمثاله.. أما بخصوص اليهود فلم تكن له أدنى علاقة بالأمر. والفصل المتعلق بالمسألة اليهودية أضيف إلى تلك المذكرات لإضفاء قدر أكبر من الجاذبية عليها. وأذكر أن أسرته تباهت بها حتى إني قرأت في الصحافة أنها حصلت مقابل ذلك على 800 ألف دولار لأن المذكرات صارت الأكثر مبيعا... ببساطة كانوا بحاجة للمال... 

خ 17

عندئذ هذا شيء فظيع طبعا.. أي إذا كانت مذكرات لأشخاص بهذا المستوى تتضمن اختلاقات فالأمر مؤسف ويبعث على التأمل...

ك 17

لنتصور الوضع في تسعينات القرن الماضي، في روسيا المفقرة، حيث انهار كل شيء وحيث بالإمكان بيع وشراء أي شيء. في تلك المرحلة قد تكون معدما اليوم وميسورا غدا. ولا أحد يريد تفويت الفرصة.

خ 18

تقولون في كتابك ما يلي: "تذكر فيفر أن روزنبرغ في أحد أحاديثه الأولى معه ومع ميخويلس أكد قائلا: "إن القرم يعنينا كيهود من جانب وكأمريكيين من جانب آخر. بعد إقامة جمهورية يهودية في شبه الجزيرة سيكون بوسع قيادتها ألا تعول على مساعدة أمريكا المادية وحسب، بل وعلى إمكانية ممارسة الضغط الدبلوماسي على الحكومة السوفيتية عند الضرورة". نهاية الاقتباس

ما رأيك.. هل لهذا السبب تحديدا رفض ستالين النظر في كل تلك  المشاريع من قبيل "كاليفورنيا القرم"؟

ك 18

لا أستبعد أن ستالين عندما رفض اقتراح ميخويلس حول إقامة جمهورية يهودية في القرم بعد الحرب كان يعي ويأخذ بالحسبان أن كيان دولة يهودية إذا أقيم في القرم فسيشكل تعقيدا سياسيا كبيرا. وكما ترى في ضوء الأحداث الراهنة فإن القرم كان دائما ذا أهمية استراتيجية للاتحاد السوفيتي وما زال...

خ 19

نعم، بالتأكيد.

ك 19

... كتب ميخويلس رسائله تلك في مطلع عام 1944، أي قبل ترحيل تتار القرم في ربيع نفس العام. ربما استشعر ميخويلس هذا الترحيل..وتوقعأنه سيحدث..ولذلكطالب بمنطقة القرم. إذ كان من المحتمل آنذاك أن يفرغ في القرم مكانٌ لليهود. ولكن ستالين قرر أن يحل محل تتار القرم فلاحون روس.. وليس اليهود. أي كان ينبغي أن يعيش في القرم أناس يمكن الاعتماد عليهم وضمان ولائهم. وفي عام 1944 بعد أن فرغت شبه الجزيرة من التتار بدأ توطين الروس...أي فلاحين سوفيت. كان ستالين يراهن عليهم. كان هؤلاء أناسا مضمونين يمكنهم مواجهة تركيا في حال دخولها الحرب...

خ 20

في ما تبقى من وقت البرنامج سأطرح عليك سؤالي الأخير الذي أراه مثيرا للاهتمام جدا ولو أنه لا يتعلق مباشرة بموضوعنا. تقول في الكتاب إن "الشعبوي السياسي ستالين لم يكن بوسعه أن يسمح  بكشف الأسرار العائلية لآلأوليانوف... ليس  لأن هذا الأمر على النقيض من نهجه الوطني وحسب، بل ولأن ستالين شخصيا كان على معرفة جيدة بالعداء للسامية المنتشر جماهيريا. ولذلك لم ترد في جميع إصدارات كتاب ماريتا شاهينيان عن عائلة لينين أية إشارة إلى قومية جد لينين من ناحية الأم. هذا مع العلم أن الطبعة الأولى من سيرة الحياة هذه المرتكزة على وثائق الأرشيف ورد فيها أن الجد إزرائيل بلانك ولد في أسرة يهودية لتاجر مديني". الحديث هنا عن جذور لينين من ناحية الأم.

ك 20

نعم. إزرائيل بلانك... جد لينين.

خ 21

ما رأيك... لماذا بقي موضوع جذور لينين اليهودية سرا حتى أوساط الثمانينات عمليا؟

ك 21

سبق أن تطرقنا إلى سياسة العداء للسامية على مستوى الدولة. البيروقراطية الحاكمة.. موظفو الدولة البيروقراطيون هم الذين مارسوا هذه السياسية أساسا. ليس ستالين فقط. وحدث ذلك بعد ستالين أيضا في عهد كل من خروشوف وبريجينف. وعلى هذه الأرضية ذاتها تم التستر على الجذور اليهودية لرئيس لجنة أمن الدولة (كي. جي. بي) والأمين العام للحزب في ما بعد يوري أندروبوف. أي أنه هو الآخر كانت له أصول يهودية. يذكر في سيرته الذاتية الرسمية أنه ولد في ستافروبول، ويورد تاريخ ميلاد آخر غير تاريخ ميلاده الحقيقي.. علما بأنه في واقع الأمر ولد في موسكو، وعاش في كنف جده اليهودي الذي كان صائغا يملك متجر مجوهرات كبيرا في شارع بولشايا ليوبيانكا. وهذا كله أُبقي طي الكتمان. ولذلك فإن كل المعلومات الأرشيفية عن نسب عائلة لينين وأصوله اليهودية أخفيت في عهد خروشوف وغيره من القادة جميعا. هذا إذن مثال ساطع على سياسة العداء للسامية الشعبوية على الصعيد الرسمي والتي لم يتم التخلي عنها إلا في الفترة المتأخرة من زمن البريسترويكا. 

خ 22

حسنا.. هذا واضح... أشكرك جزيل الشكر. أعتقد أننا ألقينا الضوء  بقدر لا بأس به من التفصيل على هذا الموضوع المعقد في تلك المرحلة. وآمل أننا في مرة قادمة.. في لقائنا المقبل سنتكلم عن مرحلة ما بعد الحرب وإقامة دولة اسرائيل. فهي أيضا مثيرة للاهتمام. خصوصا زيارة غولدا مائير إلى موسكو وكثير غير ذلك. شكرا لك وإلى اللقاء في حلقة قادمة.

ك 22

حسنا.. دمتم بخير.

خ 23

 شكرا.

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا