الخلية و"الأخطاء المطبعية" والخلود. هل اقتربنا من فهم طبيعة الهَرَم وإمكانية التغلب عليه؟

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/oskb

لماذا على كل إنسان أن يقوم بالفحص الجيني؟ ما الذي الذي يمكن أن تتعلمه الخلية السليمة من الخلية السرطانية؟ هل اقتربا من التغلب على الهرم والشيخوخة؟

للتعمق في هذا الموضوع نستضيف في هذه الحلقة البروفسور قسطنطين سيفيرنوف الحاصل على درجة دكتوراة دولة في العلوم البيولوجية، البروفيسور بمعهد سكولكوفو الروسي للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة روتجرز في ولاية نيو جرسي الأمريكية. يشرف على عدة مختبرات في معهد البيولوجيا الجزيئية ومعهد بيولوجيا الجينات لدى أكاديمية العلوم الروسية.

خالد 1

أهلا بك سيد قسطنطين.

سيفيرينوف 1

طاب يومك.

خ 2 

استكمالا لحديثنا في الأسبوع الماضي، هل هناك اليوم جينة ما يمكننا أن نحدد مجال مسؤوليتها بدقة وبما لا يقبل التأويل؟ أم أن ذلك كله لا يزال في باب الافتراض؟

س 2 

ثمة جينات من هذا النوع. والتلازم شديد جدا بين الجينوم والقطاع الذي هو مسؤول عنه. على سبيل المثال هذا ما يجري في 100% من الحالات مع البشر الذين عندهم طفرات في جينة الهيموغلوبين (خضاب الدم). وهذه إحدى الجينات الأساسية لأن الهيموغلوبين هو البروتين الذي ينقل الدم داخل الجسم. (خالد: نعم، نعم). هناك إذن نوع من الهيموغلوبين مشروط وراثيا. وإذا تغير في ظروف معينة مجردُ حرف واحد في شيفرته فلا مفر من أن يصاب حامله بـ"فقر الدم المنجلي".. وهذا ما يحدث أيضا في حال المرض ببعض أنواع الثلاسيميا. هذه أيضا من أمراض الدم وغالبا ما كانت تصادف في منطقة البحر المتوسط. وكذلك الأمر في ما يتعلق بالهيموفيليا والتليف الكيسي... هذه أبرز الأمثلة.

خ 3 

أولم يُعرف شيء عن سرطان الدم حتى الآن؟ وهل من جينة هناك يمكن أن تسبب طفرتها اللوكيميا الحادة؟

س 3 

كلا. ولو أن أن ثمة أشكالا من سرطان الدم يمكن تشخيصها على مستوى الجينات. وثمة أشكال أخرى من السرطان قابلة للتشخيص أيضا.. فسرطان الثدي عند النساء يعود إلى جينة BRCA المعروفة. إن وجود شكل معين لها في التحليل الجيني يستدعي القلق الشديد من احتمال الإصابة بهذا المرض.  

خ 4 

معذرة.. وهل يمكن تشخيص هذا كله بواسطة تحليل اللعاب؟

س 4 

نعم، بتحليل اللعاب.

خ 5 

حسنا.. واضح.

س 5 

وهذا مرض وراثي. ينتقل من الوالدين.

خ 6 

هذا يعني أن الحذر واجب في مثل هذا الاحتمال... فليس من المؤكد أن يظهر المرض في هذه الحالة. ولا بد من التحسب لاحتمال ظهوره، واتخاذ التدابير الوقائية؟

س 6 

أنت على حق. هذا خطر محتمل وليس مؤكدا. الجميع الآن مغرمون بالتكنولوجيات الجينومية. وهذا النوع من التشخيص عمَّ أوساطا واسعة من مجموعتنا البشرية. على سبيل المثال قد نصادف شخصا لا يدري أن في جيناته شيئا ما ليس على ما يرام. ولم يراجع طبييا أبدا. ولكن التحليل الجينومي يكشف أن إحدى جيناته في حالة تغيّر الأمر الذي ينذر بأنه سيمرض ولكنه لا يمرض. لماذا؟ ربما يعود ذلك إلى بقية التباينات الجينية وعددها ستة ملايين إذ أنها تجعل هذا الشخص متميزا عن غيره.. وتمارس بمجموعها تأثيرا ما على الطفرة فلا تظهر عنده. أي أن المحيط الجيني لهذه الطفرة هو الذي يؤثر عليها.  

خ 7 

ذكرتَني الآن بما ذهبتَ إليه من تشبيه عندما قارنتَ الجينة بالطاقة المظلمة في الفيزياء الفلكية. ثمة شيء ما يولِّد جاذبية مضادة (معاكسة) ولكنه شيء لا نستطيع فهمه. نحن نلاحظ الجاذبية المضادة التي تكفل بحسب قوانين الفيزياء التوسع المتسارع للكون، ولكن ليس بوسعنا أن ندرك ما هي. وكذلك الحال في المايروكوزم، في الحياة العضوية. ثمة طاقة مظلمة ولكن لا ندرك كيف. الجينات هي الأكثر أهمية فينا ولكننا لا نستطيع أن نفهم كيف تكفل نشاطنا الحيوي.

س 7  

وهذا في المحصلة ما يدركه تمام الإدراك- كما أرى- أي عالِم عادي. أي أن ما نعرفه زهيد فعلا. نحن للحقيقة لا نعرف بعد إلا القليل جدا.

خ 8 

سأعود إلى موضوع المستقبل لأسال عما في الأفق.. فمن المهم أن نعرف إن كنا سنستطيع أم لا قراءة المعلومات من الجينات غير المفهومة لنا التي تشكل 90% من مجمل الجينات؟ واذا ما أخذنا نفهم هذه المعلومات شيئا فشيئا، هل سنستطيع أن نفهم كيف توازن الجينات عمل عضويتنا؟ 

س 8 

بالتأكيد سوف نضاعف ما نعرفه عن أنفسنا وعن جميع الأشكال الحية الأخرى سواء بسواء. ولكننا لا نستطيع تحديد إلى مدى يمكن أن يختزل هذا كله بتنبؤات بسيطة. هذه مسألة إيمان بالنجاح. وطالما أنك تطرقت إلى المادة المظلمة فلنتذكر كيف تكونت القناعة بإمكانية التنبؤ بأي شيء بواسطة الحسابات الرياضية بعد أن وضع نيوتن و لايبنتس كل على حدة التحليل الرياضي ومبادئ الميكانيك البسيط. أي إذا عُرفت سرعة الجسيمات وكتلتها يمكن حساب مجمل بنية الكون. وهذا كما لو قيل لنا إن العالم كله قد دُفع بشيء ما وهو الآن يتحرك وفق قوانين بسيطة. وبناء على هذا المفهوم كانت تتطور جميع العلوم حتى بداية القرن العشرين حين ظهرت أولى الأعمال عن نظرية الكم (النظرية الكوانتية)، والسلوك الكوانتي لهذا الكون. ثم اتضح أننا مبدئيا غير قادرين على التنبؤ بكل شيء. إن الغموض جزء من السيرورة العلمية لا محالة. وكذلك الأمر تماما في علم الوراثة. تصور أن كل واحد منا يظهر إلى الوجود من بويضة... من خلية واحدة حيث يوجد بعد الإخصاب نصف جينوم الأب ونصف جينوم الأم. وهذان النصفان ينقلان تلك الحمولة، تلك الثروة- سمها كما تشاء- التي تنتقل إلى جميع خلايانا في الجيل التالي المتولدة من الأم والأب. وهكذا يبدو وكأن كل شيء قد تحدد مسبقا. ولكن ثمة مشكلة، فنحن نتكاثر لأن جميع الخلايا تنقسم. قبل أن تنقسم الخلايا يتكرر ويستنسخ كل الحمض النووي في الخلية. إذن، كل عنصر مستنسخ من عناصر الحمض النووي وكل انقسام في الخلية يترافق بإنتاج جديد لعشرات الطفرات. وتظهر إذا جاز التعبير أخطاء مطبعية لم تكن موجودة في الخلية السابقة.

خ 9 

وهل باتت مفهومة آلية ظهور هذه الأخطاء المطبعية؟

س 9  

تظهر بالصدفة. بمحض صدفة. فعندما ينسخ تلميذ او طالب نصا ما تقع أحيانا أخطاء في الكتابة.

خ 10 

يعني لا توجد آلية وتتشكل الأخطاء عشوائيا؟

س 10 

نعم. الآلية كلها تشكلٌ عشوائي. مثلا، أية معلومة صوتية قد تترافق بضجيج ما. نحن نسمع هذا الضجيج غير أننا لا نستطيع دائما أن نحدد مبعثه بدقة. قد تكون الاحتمالات مختلفة. العلماء الآن قادرون بطرق اصطناعية على استحداث نسخٍ مطابقة تماما للنسخة الأصلية الأولى، وعلى ذلك تقوم فكرة الاستنساخ. ولكن في الحياة ليس كل شيء على هذا النحو. إن خلايا عضويتنا بالكامل قريبة جدا من بعضها البعض، لكنها بالتأكيد ليست متطابقة. الآن، بحسب إحدى الأفكار المتعلقة بالشيخوخة، كلما تقدم بنا العمر تزداد الانقسامات التي تفصل خلايانا الناضجة- الشائخة- عن الخلية التي منها نشأنا جميعا. وفي كل انقسام تتراكم الطفرات.. وفي نهاية المطاف عندما نهرم تغدو جميع خلايا عضويتنا فاسدة بعض الشيء لأن أخطاء مطبعية كثيرة تكدست فيها.

خ 11 

لقد استبقت سؤالي التالي.. أردتُ تحديدا أن أسألك عن تلك المليارات من الدولارات التي ينفقها العديد من رجال الأعمال على الأبحاث المرتبطة بدراسة مشكلات الهرم والشيخوخة. هل ثمة آفاق لهذه القضية؟ وهل الآلية واضحة؟ ما الذي يتعين عمله للخلية وبأي شكل يمكن التدخل فيها كي تكف عن الهرم؟ وإذا كانت الآلية مفهومة ما المطلوب كي تفعل فعلها في الواقع بحيث تتوقف الخلايا عن الهرم؟

س 11 

علم الشيخوخة في الآونة الأخيرة تغير نوعيا وثمة عدد من الإنجازات الأولية المثيرة للاهتمام في هذا المجال. على الأقل صار العلماء يطرحون مهام يمكن اختبارها بالتجربة. وفضلا عن ذلك صارت هذه الأبحاث اتجاها رائجا بدرجة كافية. بهذا المعنى لا يمكننا إلا نشكر أولئك الأثرياء الذين أسهموا بمالهم في تطوير علم الشيخوخة. ولكننا ما زلنا بعيدين جدا عن أن نطيل عن هدف وتقصد عمر أحد ما. والأبسط لإطالة العمر معروف لنا منذ زمن بعيد. وخير طريقة  لضمان عمر مديد هي تناول أقل كمية من الطعام. والأفضل اتباع ذلك منذ الطفولة.

خ 12 

الإقلال من تناول الطعام قدر الإمكان؟

س 12 

نعم. الإقلال قدر الإمكان.

خ 13 

ولماذا؟

س 13

سأوضح الأمر. نحن نأكل لأن بدننا يعمل مثل محرك الاحتراق الداخلي. (خالد: نعم، نعم). ولكي نعالج طعامنا ونحوله إلى وقود نقوم بأكسدته. والأكسدة واقعيا هي احتراق تتشكل في مجراه مختلف أشكال الأوكسيجن النشط.. وهذا مضر بحد ذاته. وبالإضافة إلى ذلك فإن أشكال الأوكسجين النشط المختلفة هذه تفسد بروتيناتنا.. تفسد خلايانا.. وتفسد خاصة حمضنا النووي. ولذلك أرى ما يلي... إذا أسرفنا في الأكل، في التهام الطعام، فعلى الأرجح لن يتسنى لنا العمر الطويل. وإذا كان تناول الطعام في سن الطفولة بكميات قليلة فعندئذ بالضبط ،عندما تنقسم الخلايا بأكبر قدر من النشاط، يكبر الشخص في السن مع قدر أقل من الأذى للخلايا، ولو أن هذا الأذى يظهر من تلقاء ذاته. يحدث ذلك كما في محرك السيارة... بزيادة السير يزداد تلف المحرك تدريجيا. أليس كذلك؟

خ 14 

أي أن هذا عمليا مثل كيلومتراج السيارة ( المسافة التي قطعتها السيارة).على هذا تتوقف مسافة..

س 14 

هذه هي نظرية الهرم المبسطة. نظرية مبسطة عن أن استعمال أي شيء يجعله بمرور الزمن أسوأ مما كان.

خ 15 

ولكن ربما بالإمكان إجراء تعديل ما على الخلية بحيث تكف عن الهرم؟ أم أن هذا متعذر كما في الفيزياء الفلكية حيث لا يمكن للإنسان زياة السرعة أكثر من سرعة الضوء؟ وماذا عن حالتنا؟ هل بالإمكان ابتكار آلية واقعية للتغلغل إلى الخلية وتغيير شيء ما داخلها لكي تكف عن الهرم؟

س 15 

الأسلوب الأفضل لإرغام الخلية على ألا تهرم هو تحويلها إلى خلية سرطانية.

خ 16 

 سرطانية؟

س 16 

سرطانية، نعم. من المميز للخلايا السرطانية أنها تنقسم انقساما جنونيا في الوقت الذي الذي لا ينبغي أن تنقسم فيه. تكمن المشكلة في أنها تقتلنا. عند الخلايا السرطانية مجموعة من الطفرات التي بات ممكنا تشخيصها باستخدام التسلسل الجينومي. وهذا كله أيضا يخبرنا بأن الخلايا السرطانية فعلا قد تكون أبدية.. لا تموت. ونحن لا نعرف السبب الميكانيكي والبيوكيميائي لذلك. ولكن من حيث المبدأ بالإمكان حل مشكلة "الشيخوخة والخلود" على مستوى الخلايا. تكمن المسألة في أن الخلايا أبدية عمليا. فالحياة كلها تنشأ من شيفرة واحدة. نحن نعيش وننقل الخلايا من واحد إلى آخر. ننقلها لأولادنا.

خ 17 

وهل يمكننا أن نتعلم الخلود من الخلايا السرطانية، بمعنى أن تزود الخلايا العادية مستقبلا بميزة الخلايا السرطانية؟ ربما ما أقوله الآن ضروب الخيال... ولكن الكثير مما كان يبدو في السابق خيالا تجسد واقعا مع تقدم العلم.

س 17 

وهذا ما يشتغل عليه  العلماء.

خ 18 

أعلم أن هناك أنواعا من قناديل أعماق البحر التي تعيش مئات السنين.. ويقال إن ثمة نية لأخذ جينات منها وزرعها بطريق ما في جينوم خلية البشر؟ أم أن هذا مجرد خيال؟

س 18 

أعتقد أن هذا مجرد خيال. لأنه من غير المعروف من الذي درس قناديل البحر هذه؟ وكيف لنا القول بجد إنها درست إلى درجة تتيح التيقن من أبديتها؟ لكنني أعتقد أن تجارب ما مثيرة للاهتمام تجرى الآن فعلا. فمن المعروف أن هناك خلايا جذعية ابتهج بها الجميع منذ عشر سنوات واعتبروها طريقة ذات فعالية خارقة لتجديد شبابهم بأنفسهم. تشبه الخلايا الجذعية الخلايا السرطانية في الكثير من الجوانب، فهي أيضا تنقسم، وكثير منها للأسف تتحول إلى سرطانية..

خ 19 

نعم، العلاج بالخلايا الجذعية خطير لأنها قد تتحول إلى سرطانية..

س 19 

إنها تتحول إلى خلايا سرطانية. في هذا الاتجاه تأسس علم على قدر كبير من الجدية وثمة نتائج مثيرة للاهتمام. جزء منها قد يدخل حيز التطبيق العملي مستقبلا. ولكنني أكرر أن تمديد عمر أي شخص بواسطة تدخل ما على مستوى الجينوم متعذر الآن عمليا. ولذلك فإن الفعالية المردودية الأكبر - كما يبدو- هي عدم الافراط في الأكل.

خ 20 

بقي لنا موضوع واحد للبحث. موضع هام. ونحن عمليا نتناوله مع جميع العلماء. إنه موضوع العلم والدين. أود أن أبدأ من السؤال التالي: أنت تعمل في أمريكا وفي روسيا.. هل بين زملائك، بين العلماء الذين يعملون في مجال البيولوجيا الجزيئية، الوراثة الجزيئية، من يعتقد بنظرية الخلق؟ وهل ثمة مقارنة بالنسبة المئوية بين أنصار وخصوم هذه النظرية... طبعا إذا كان في أوساطكم مثل هؤلاء؟

س 20 

إذا فهمنا الكتاب المقدس حرفيا، أقصد العهد القديم.. (خالد: نعم، نعم) وتحدثنا عن أصل البشرية من آدم وحواء.. وإذا أخذنا بتلك التواريخ المذكورة هناك، حيث الحديث عن ستة آلاف عام- او شيء من هذا القبيل-  (خالد: نعم)... فطبعا لا أحد في محيطي من أساتذة الجامعات في أمريكا وفي روسيا، يؤمن بذلك.

خ 21 

لا أحد؟ لا أحد البتة؟

س 21 

ابدا. ففي ما يتعلق بالتواريخ هناك لا يوجد أي تطابق منطقي.

خ 22 

وإذا أغفلنا التواريخ؟ إذا لم نأخذ بالحساب إلا التصور النظري عن أن كل شيء هو من خلق الله، من صنع قوة عليا افتراضية؟ وهل يوجد لاأدريون دينيون إذا جاز التعبير؟أو أتباع فلسفة سبينوزا الذين يجمعون بين العقلانية ووحدة الوجود من جهة أخرى؟

س 22 

لعلي أقول إن بين علماء البيولوجيا الذين أتواصل معهم كثيرين لا يفكرون بهذا الموضوع أصلا، وهذا أولا. مثلا لي عدد معين من الزملاء الذين يقصدون الكنيسة، ولكن ذلك على الأغلب مجرد طقس بالنسبة لهم. 

خ 23 

أي هذا بالنسبة لهم نوع من الواجب ومراعاة التقاليد أكثر مما هو قناعة وإيمان على الأرجح ؟

س 23 

مثلا أحد زملائي عالم ناجح للغاية في بيولوجيا الجزيئات... ومن الطريف أنه يفخر كما يبدو بنشاطه كأمين صندوق كنيسته الإنجيلية أكثر مما يفتخر بما قام به من اكتشافات وما نشره من مقالات في خيرة المجلات العلمية. ولكن ذلك لا يتربط أبدا بنشاطه العلمي. في بداية حديثنا تطرقنا إلى البيولوجيا المعلوماتية. وهذه بمعنى ما يمكن مقارنتها باللسانيات. هذا العلم (اللسانيات) يتيح لنا تحديد أن لغات عديدة تعود جذورها الى اللغة الأصل. وهي الآن مختلفة طبعا لأنها تغيرت بمرور الزمن، ولكنها جاءت من لغة واحدة. وثمة عدد هائل من المفردات الأجنبية المتشابهة فيما بينها. في جميع اللغات (اللاتينية) الغربية مفردات متشابهة وهي بدورها جزء من اللغة الهندوأوربية... العلماء يؤولون هذه الوقائع كدليل على تطور اللغات الطبيعي. كان البشر في العصور القديمة عندما يغادرون كمجموعات معينة مكانا ما ويحلوا في مكان جديد ويبدؤون التواصل مع بشر آخرين يأخذون بلغتهم وهكذا تمازجت اللغات.. وفي النتيجة راحت تظهر لغات جديدة جذرها واحد... وهي عند السلافيين اللغة الروسية، الأوكرانية، البيلوروسية، البولونية وغيرها... (خالد: نعم). لا أحد يشك في أن هذه اللغات خرجت من لغة واحد وبعد ذلك انفصلت كل منها عن غيرها.  وكذلك الأمر في علم الوراثة. عند الإنسان جينات واحدة مشتركة مع جينات الرئيسيات... مع جينات الأسماك، والسحالي وغيرها من الكائنات الحية. ونحن جميعا قريبون جدا من بعضنا البعض على نحو مشابه لقرب اللغات السلافية من بعضها البعض.

خ 24

مفهوم.

س 24 

 أما أنصار نظرية الخلق- إذا كان القصود نظرية الخلق بفهمها الحرفي - فيفترضون أن جميع أنواع الكائنات الحية خلقت في حالة الكمال مرة واحدة ومنذ بدء الخليقة.

خ 25 

نعم. وبحسب رواية أنصار نظرية الخلق كل ما لدينا حتى في أيامنا هذه ما هو إلا جزء من المخلوقات التي نجت على سفينة نوح. أي أن جميع أنواع  المخلوقات حُملت على الفلك المشحون بغية المحافظة على مجموعات الأحياء من بشر وسواهم.

س 25 

دعهم وما يعتقدون... وليكن لهم فُلكٌ عظيم بحجم هائل... ليكن، فهذه نظريتهم. وإذا كانت السنة عندهم تعادل خمسين ألف سنة فالسفينة أيضا قد تكون ضخمة بهذه النسبة تقريبا. ولكن السؤال الأهم هو: إذا كانت جميع الكائنات الحية على الأرض قد خُلقت في شكلها التام دفعة واحدة أفلا يفترض أنها يجب ان تكون في أحسن تقويم؟! وإذا لم تكن كذلك  لتوجب الشك بمهارة من خلقها. إذن، عند أنصار نظرية الخلق كل شيء خُلق دفعة واحدة. ولكننا ندرك أننا جميعا لم نتسم بالكمال منذ البداية ناهيك عن العاهات والتشوهات الخلقية.. ونعلم أن جميع أنواع الأحياء ترتبط بصلة نسب مشتركة كارتباط لغات مختلف الشعوب. وهذا كله حصيلة تطور تدريجي مطرد، وحقيقة تدل على أن تغيرات غير كبيرة تراكمت في سياق هذا التطور وترسخت في ما بعد. حدث ذلك كما في قصة اللغات. (خالد: نعم). ومن هنا التشبيه والمقارنة. أي أنه تطورٌ من المستوى الأبسط للحمض النووي حتى المستوى الأعمق (خالد: نعم). وما نراه حولنا الآن جاء على ما يبدو في سياق الاصطفاء الطبيعي. ولكن ذلك لا يجيبنا البتة عن السؤال، وهو: كيف ظهرت الحياة عموما؟ حتى الآن ليس بمقدور العلم المعاصر الإجابة عن السؤال: كيف ولدت الحياة وكيف نتج الحي من اللاحي... كيف انطلقت جميع هذه السيرورات.  ليس بوسعنا الإجابة عن ذلك. *ولكن دراسة الجينوم تتيح لنا أن نرى الوحدة الجامعة بين كل ما هو حي. لا شك في أن الإنسان العادي الذي ينظر إلى صرصور أو شجرة بتولا أو بلوطة، أو إلى مستعمرة بكتيريا، من المستبعد أن يرى  شيئا ما يجمع بينه وبين جميع هذه الكائنات. ولكن علم الوراثة يبين بما لا يدع مجالا للشك  أن جميع هذه الكائنات عموما هي شيء واحد... الشيء نفسه في حقيقة الأمر. نحن جميعا مجرد احتمالات قليلة الأهمية بالنسبة للاصل. وكمختص بالمعلوماتية الحيوية يبدو لي أن كل ما هو حي على الأرض حصيلة النشوء من جذر واحد وفق تطور تدرجي وتراكم تدرجي للتغيرات بآلية ما.

خ 26 

إذا حاولنا التمعن في هذه الحصيلة وفهم جوهرها، ولماذا امتلك نوعٌ واحد فقط عقلا خاصا به، دون سائر الكائنات الحية بأنواعها المتعددة اليوم؟ أنا أقصد الإنسان. وهل هذا حقا بسبب الطفرات العشوائية وحسب؟ وهل بالفعل ليست لدينا اليوم أية تفسيرات أخرى غير الطفرات العشوائية التي أدت إلى ذاك التنوع تحديدا وإلى انفصال الإنسان وتشكيله فئة مستقلة؟

س 26 

دعنا نجزئ سؤالك.. إذا كنا نتحدث عن الطبيعة الحية بمعزل عن الإنسان.. (خالد: نعم)... فعموما، لا توجد أية شكوك في أن جميع أشكال الحياة ظهرت عبر الاصطفاء الطبيعي. *ويمكننا من نأخذ صناعة الطيران كمثال لنرى إن كان ذلك ممكنا. يعرف الجميع الآن كيف كانت تبدو الطائرات الخشبية الأولى التي صممت قبل أكثر من مئة سنة. والآن لنتصور طائرة بوينغ 747 أو ايرباص 380 A... إذا وضعنا جنبا إلى جنب طائرة القرن الماضي والطائرة الحالية سيكون من الصعب عليك- إذا لم تكن على معرفة بتاريخ الطيران- إدراك أن هاذين الجهازين على صلة أحدهما بالأخر. لا شك أنهما مترابطتان ونحن نعرف كيف كانت تصنع بطريقة الخطأ والصواب وسائط النقل الجوي من البداية وحتى الآن. وهذا الاختراق حدث في غضون قرن واحد فقط. وإذا نظرنا إلى تطور الأرض الذي استغرق زمنا طويلا... مئات ملايين السنين، نجد أن هذا الزمن كان كافيا لخلق الكثير.

خ 27 

الهدف النهائي لهذا التطور هو الإنسان، على حد الزعم. ذروة التطور كما يقول البعض. أو شيء ما من هذا القبيل.

س 27 

هذه نظرة محدودة الأفق. نحن لسنا ذروة التطور بأي حال من الأحوال. وهذا جوابي على الجزء الثاني من سؤالك حول عقل الإنسان... فنحن أيضا في قديم الزمان لم نكن الكائنات العاقلة الوحيدة إذا نظرنا إلى أنفسنا كنوع. كان هناك إنسان "نياندرتال" وإنسان "دينيسوفان".. ولكن أفراد هاتين الفصيلتين انقرضوا، أبيدوا عن بكرة أبيهم. هذا مع العلم أنه كان لهم دياناتهم ايضا...

خ 28 

على الأقل كانت لهم طقوس...

س 28 

أي ما شابه الديانات القديمة...

خ 29 

نعم. هذا واضح. في هذا الشأن لدي سؤال آخر عن أسلافنا، عن أمنا الأولى "حواءالميتوكوندرية" وأبينا الأول "آدم ذي الكروموسوم Y".

س 29 

مفهوم.

خ 30 

موقف أنصار نظرية الخلق واضح للجميع. فعندهم الجنس البشري بدأ من آدم.. ومن آدم خلقت حواء...

س 30

من ضلع آدم.

خ 31 

نعم. وهل من تأكيد في دنيا العلم لصحة هذه الأسطورة؟ أقصد أن  جدنا الأول سلفنا الأقدم كان رجلا، ومن ثم ظهرت المرأة؟ أعتقد أن هذا يشبه السجال الأبدي عما كان أولا الدجاجة أم البيضة، وأيهما نتج عن الآخر... أم أنهما ظهرا في الوقت نفسه في الحياة الواقعية الفعلية- أي حواء الميتوكوندرية و آدم ذي الكروموسومY؟ وفي هذه الحال كيف التقيا؟

س 31 

لسؤالك هذا شقان، وبالتإلى جوابان. إن السؤال عن أصل الجنسين بالغ التعقيد فعلا، ولا جواب عنه من الناحية البيولوجية. هناك مشكلة عامة: لماذا عندنا جنسان؟ ولماذا لم يكن بالإمكان منذ البداية أن يكون عندنا جنس واحد فقط؟ فمن المعروف أن في الطبيعة أمثلة على التكاثر وحيد الجنس. ولكن إذا انطلقنا من أن كل شيء تطور على طريق التعايش بين جنسين فإن فكرة تكاثر المرأة بدون الرجل لم تكن سليمة. نحن جميعا نعرف منذ كنا في المدرسة أن المرأة عندها اثنان من كروموسوم x  وعند الرجل كروموسمان  Y و X . وعند الإنجاب يعطي الرجل للوليد كروموسوم X  أو كروموسوم Y ، بينما تعطيه المرأة كروموسوم X  فقط.  وبالتالي يولد ذكر أو أنثى. هذا هو الجزء الأول من الجواب. *أما أن المرأة جاءت بشكل ما من الرجل،  وأن الرجل خلق أولا  فهذا ليس  صحيحا من الناحية البيولوجية. وعلماء الوراثة أنفسهم لا يحبون استعمال مصطلحي "حواء وآدم". هذا كله من باب الاصطلاح والافتراض. ربما كان في الماضي السحيق أكثر من "حواء" وأكثر من "آدم" أيضا، أي بضعة من كل منهما. ببساطة يمكن القول إن أخلاف البشر الأولين لم يعيشوا جميعا حتى أيامنا هذه. وعلماء الأنثروبولوجيا بالمناسبة حتى الآن لا يفهمون لماذا يوجد جنسان في الطبيعة. ولربما لاعتبارات عديدة كان من الأنسب الاقتصار على جنس واحد يتكاثر بواسطة التوالد العذري. مشكلة الجنس بهذا المعنى هي إحدى أكبر المشكلات التي لم تجد حلا لها في البيولوجيا الحديثة حتى الآن.

خ 32 

لماذا، وعلى أي أساس يعتقدون ذلك؟ لماذا يعتقدون أن من الأفضل التكاثر العذري.. على اي أساس؟

س 32 

أولم يكن لديك أبدا أية مشكلات في إقامة أسرة؟ أو هل بين معارفك من لم تكن لديه أبدا مثل هذه المشكلات؟

خ 33 

وأية مشكلة تقصد؟

س 33 

مشكلة في التفاهم.

خ 34 

بمعنى إيجاد لغة مشتركة؟

س 34 

نعم. فلاستمراية النوع لا بد من تواصل مع الآخر، واستمالته والفوز بتعاطفه... وعند البشر في المرحلة الأولية قد تبرز مشكلات وعقبات مختلفة كثيرة غير مرتبطة بظواهر محض طبيعية، بل بالسايكولوجيا والظروف الاجتماعية. هذه العملية مكلفة... إذ يجب بداية إيجاد الشريك المحتمل وبذل بعض الوقت على ذلك، فمن الأبسط إذن التكاثر بالتوالد العذري حيث أن فردا واحدا ينتج أفرادا جددا بقدر ما يلزم. ولهذا السبب، فإن التكاثر بالتوالد العذري ملائم أكثر حتى من وجهة نظر اقتصاد الطاقة.

خ 35 

نعم، نعم. ولكن في الطبيعة لا يجري دائما ما هو مريح وملائم. أحيانا يجري العكس تماما... وهو موجود رغم ذلك.

س 35 

إذا كنت تؤمن بالتطور فعندئذ يجب أن يكون قابلا  للتفسير ما هو غير مريح أيضا.

خ 36 

حسنا. ومع ذلك سأعيد السؤال. نحن لا نستطيع تحديد مَن تولّد ممن؟ من كان الأول: حواء الافتراضية، أم آدم الافتراضي والكروموسومY  المشترك للجميع؟ أليس بوسع العلم مطلقا أن يقول شيئا بهذا الصدد؟

س 36 

لقد تطرقت إلى هذا السؤال. ولفهم جوهره اضطررنا أن نتذكر الفرق بين الجنسين مع الكروموسومين X  وY. أضيفُ أيضا أن الحمض النووي الميتوكوندري ينتقل فقط من الأم إلى البنت. أما الكروموسومY  فينتقل دائما من الأب إلى الإبن فقط ولا يمكن أن ينتقل إلى البنت. (خالد: نعم). يعني عند البحث عن الأسلاف الأجداد بناء على الكروموسوم Y نستبعد المرأة. إذا كنا نتتبع كروموسوم Y فقط .

خ 37 

عفوا. أنا أقصد أمرا آخر. عندما تم بحسب الجينات اكتشاف حواء القديمة التي أورثت  جميع النساء المعاصرات ميتوكوندريا الحمض النووي تبين أنها عاشت بزمن طويل قبل آدم القديم الذي يوجد كروموسومه Y عند جميع الرجال المعاصرين. هذا ما أسفرت عنه الأبحاث... أليس كذلك؟

س 37 

هذه نتيجة طبيعية شئنا أم أبينا.. ولكن الرجال يتكاثرون بنسبة أكبر من تكاثر النساء. كان يمكن للرجل خاصة في العصور القديمة أن يخلف ذرية أكبر قياسا بقدرة المرأة على ذلك. وإذا ولدت للرجل من إمرأة واحدة إناث فقط فمن أخرى غيرها قد يولد له ذكور. وفي معظم الحالات كان الرجل ينقل كروموسومهY  لاحقا إلى الجيل التالي. أي مبدئيا كروموسوم Y ينتقل إلى عدد من البشر أكبر من عدد الذين ينتقل إليهم الحمض النووي الميتوكوندراتي. وإذا ولد للمرأة عدد معين من الذكور فهذا يعني أنها لم تعد قادرة على نقل حمضها النووي الميتوكوندراتي أبعد، إلى الجيل التالي. ثم بدأ ينتقل أبعد من ذلك كروموسوم الرجل Y الذي هو أصغر سنا من الحمض النووي الميتوكوندراتي. ولذلك تبين أيضا أن حواء الميتوكوندراتية أكبر سنا من آدم ذي الكروموسوم Y.

خ 38 

مفهوم. أي أن جميع الخرافات تبقى خرافات.. وكلما سار العلم قدما إلى الأمام تلقى هذه الخرافات مزيدا من الدحض والتفنيد. ومفهوم أن كل ما يمت بصلة إلى الأدب الملحمي القديم لا يتقبله الناس بجد إلا من وجهة نظر أدبية.

س 38 

ولكن سبق أن ذكرنا أن بين العلماء أيضا مؤمنين. (خالد: نعم). ولذلك يمكن تناول الدين بجد من وجهة نظر القضايا المعنوية والأخلاق والمشكلات الاجتماعية. ولكن من المؤكد أن العلوم الطبيعية لا تولي هذا الموضوع اهتماما خاصا.  

خ 39 

ولكنني الآن أقصد الذين يبحثون عن براهين علمية على مكانة الإنسان الفريدة في الكتب المقدسة... فهؤلاء يقولون إن النصوص هناك تتضمن معارف علمية ثبتت صحتها اليوم. هذا ما أتكلم عنه.

س 39 

كلا، كلا.

خ 40 

أم أنها مزاودات؟

س 40 

يبدو لي أن هذا بالنسبة للؤمنين استراتيجية رديئة - أي البحث عن تعليلات لدينهم في الكتب المقدسة. فطالما أن الإيمان يجعلنا أفضل كبشر فهذا كاف كما اعتقد لكي يبقى على قيد الوجود.. الدين لا يفترض أن يكون دقيقا كالعلم.

خ 41 

بالفعل... أشكرك على هذا الحديث الشيق.. شكرا جزيلا لك.

س 41 

شكرا لك.

خ 42 

وإلى لقاءات جديدة. دمتم بخير.

س 42 

إلى اللقاء.  

 

 

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا