الأديان الكلّانية الجديدة وعقيدة ما بعد الإنسانية

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/psqh

(العصر الجديد) أو (جماعة العهد الجديد) تتحدث عن التزاوج بين التقدم العلمي والمذاهب الغنوصية القديمة التي تقول بوحدة الوجود وبالتناسخ (التقمص) وبلوغ الخلود عبر اتحاد العالم الأصغر

(النفس البشرية) والعالم الأكبر (الطاقة الكونية). فهل ستسمح التكنولوجيا الجديدة ببلوغ الخلود عبر رَقمنة النفس البشرية والمعلومات التي يحملها الحمض النووي وهل هذا ممكن أصلا؟ أم أنه الطريق إلى هلاك البشرية الذي يجب أن نبتعد عنه ونحذر منه؟

التفاصيل في هذه الحلقة مع الدكتورة أولغا تشيتفيريكوفا.

 

 

خالد 1

أهلا بك دكتورة.

تشيتفيريكوفا 1

طاب يومك خالد.

خ 2

يسرني أن نلتقي في حلقة جديدة من برنامجنا.

ت 2

وأنا سعيدة جدا بذلك 

خ 3

شكرا. بعد آخر مقابلة لنا معك صدر لك كتابان جديدان. الأول بعنوان "ديكتاتورية المستنيرين" وقد ترجم إلى اللغة العربية. وسنعرضه للمشاهدين بكل تأكيد. والكتاب الثاني بعنوان "الديكتاتورية الرقمية" تتناولين فيه التقنيات (التكنولوجيات) الجديدة وكيف تؤثر على الإنسان. سأبدأ مباشرة باقتباس من كتابك الأول عن حركة "الجيل الجديد"- «NewAge» التي أخذت تلقى رواجا في الغرب، والتي تجمع بين التعاليم الباطنية القديمة...

ت 3

 صحيح

خ 4

... ومنجزات التقنيات العلمية المعاصرة. تقولين إننا نجد "في صلب عقيدة حركة الجيل الجديد «New Age» هذه أفكار الإيمان بالقوى الخفية (الخفيانية)  والغيبيات    occultism ،مثلا أفكار "التركيب العظيم".. Grate synthesis ( أي تركيب  العلم والفن والدين) أهداف "الصنعة العظيمة"..  Magnum Opusوتحويل البشر إلى جماعة كبيرة واحدة ذات نفس كونية واحدة. تتلخص المبادئ الأساسية لهذه العقيدة بما يلي: أولا- مذهب وحدة الوجود.. ألوهية الكون، حيث الرب روحٌ مجردة لا شكل ولا صورة له... طاقةٌ فضائية، وعيٌ شامل ينتظم كل شي وكل روح". نهاية الاقتباس.

بالمناسبة هذه الأفكار كانت موجودة أيضا في الأديان الكلاسيكية.

ت 4

نعم. بالطبع.

خ 5

كانت ثمة طوائف باطنية وتيارات مختلفة ادعت وحدة الوجود. وكان ذلك عند الصوفية واليهودية والمسيحية. أي أن هذه الأفكار ليست بالجديدة. أواصل الاقتباس: "ثانيا- العرفانية (الغنوصية) حيث ينقذ الإنسان نفسه بالمعرفة لا بالإيمان. وخلاصه يأتي من داخله بفضل المعارف وتغيير الإنسان "الأنا".. بمعنى تنوير الذات وتغييرها. ثالثا- التوفيق بين مختلف المعتقدات الدينية. رابعا- التقمص أو التناسخ. خامسا- توقع قفزة تطورية جديدة. سادسا- الكلانية". بعد ذلك تضيفين أن "القفزة التطورية من صنع الإنسان". وتوردين قول الباحثة الثيوصوفية (نصيرة مذهب الحكمة الإلهية) أليس بيلي إن "البشرية تحدد لنفسها سرعة تطورها الخاص وسرعة مصيرها وفق الخطة". ونتيجة تنفيذ هذه الخطة الكونية العظيمة سيشاد نظام عالمي جديد مع ديانة عالمية واحدة وحكومة عالمية واحدة ومنظومة تعليمية جديدة تشمل الكوكب كله".

طيب، ألا يبدو لك أن الذين يطرحون هذه الأفكار يفكرون على النحو التالي: "دائما ما نرى على مر التاريخ مواجهات دينية وعقائدية دموية إلى أبعد الحدود. والبشرية كانت على مدى تاريخها كله - ولا تزال-  تقتل بعضها بعضا بسبب الآراء الدينية المختلفة. يكفي أن نلقي نظرة على الشرق الأوسط أو أن نتذكر القرون الوسطى عندما كان المسيحيون يهدرون دماء بعضهم بعضا لعشرت السنوات بسبب بعض الاختلافات الدينية. وفي القرن العشرين لا يزال البشر يقتلون بعضهم بعضا على أرضية الإيديولوجيا.. لقد شهدنا مواجهة ضارية بين عقائد وإيديولوجيات النازية والفاشية والشيوعية والإمبريالية وغيرها. أليس من الأصح إنشاء شيء ما واحد موحد... إيديولوجيا كونية كالتي وردت في الاقتباس؟ عندئذ سيختفي التناحر الديني أو العقائدي". ما رأيك... ألا تنطوي عقائد هذه الحركات على تطلع ما نحو تفاهم شامل ونبذ العنف؟

ت 5

هكذا كان الأمر منذ البداية. فالخالق خلق الرجل آدم والمرأة حواء وأوصاهما بالتكاثر وصنع ذرية. وكان بوسعهما خلق عالمهما وإدراكه.. فإذا كان الرب قد علم آدم الأسماء، فهذا يعني أنه منذ البدء أدرك كنه العالم من حوله. فإعطاء الأسم، يعني الإدراك والفهم. لقد أُنعم على الإنسان إذن بملكة الإدراك منذ اللحظة التي خُلق فيها. وطبعا، كل شيء في هذا العالم كان متحدا مع الخالق.. وفي صلب كل شيء كانت الوصية الرئيسة- وصية الحب. وبعد ذلك جرى كل ما نشهده اليوم. لقد ارتد ابن آدم- قابيل عن حياة الإنسان المتحدة مع خالقه الرب. إن رغبته بالعيش دون مساعدة الرب- أبيه والعيش حصرا بواسطة اختراعاته التقنية هي بالتحديد التي أدت به وبأتباعه في المحصلة إلى السقوط وإلى الإنحلال الأخلاقي. كانت جماعة قابيل الغنوصية في الإمبراطورية الرومانية أول من راح يقتل ويحارب الكفار ويقترف الإثم إلى جانب الإقدام على تصرفات غير أخلاقية وممارسة الرذائل وارتكاب خطيئة سدوم (اللواط). وأصل هذا كله منهم: من تلك الجماعة.

لم يعرف عالم البشر في البداية الانقسام بحسب الأديان. وإذا تتبعنا كل تاريخ البشرية الديني بعد ذلك سنرى أنه تاريخ مشوش في غاية التعقيد.. دب الخصام في صفوف البشر.. لم يعد ثمة نظام عالمي واحد. وتلك الاتجاهات والتيارات والحركات التي لا تعترف بالرب- الخالق وتنكر النظرة الثنوية إلى العالم تحولت إلى الوحدانية صارت تؤمن بوحدانية الكون. أي أنها لا تميز الجوهر الإلهي عن الكينونة البشرية، وتختزل كل التنوع في أصل واحد..  فالله وواقعنا بالنسبة لهم شيء واحد... كورقة.. لنأخذ هذه الورقة كشكل لعالمنا. هذه الورقة نفسها لها وجهان. الله هو وجهها غير المرئي، أما عالمنا فهو وجهها المرئي. ولكن هنا وهناك.. في كلا الجانبين.. كل الأشياء متشابهة.. هي نفسها.. على نحو واحد. بالتالي فهم يقولون إن قوانين الوجود الربانية وقوانين الوجود البشرية واحدة.. هي نفسها. ولذلك عندما ندرس واقعنا البشري نتعرف على قوانين الوجود الربانية. هذه هي وحدة الوجود التي يتحدثون عنها.

أما تلك الأديان التي ترفض فكرة (وحدة الوجود) فنظرتها للعالم مختلفة تماما. مرة أخرى أعود إلى مثال الورقة (ها هي: الورقة الأولى) وترمز إلى المخلوق (ها هي: الورقة الثانية) وترمز للخالق. هذه ثنوية وهي عكس مفهوم وحدة الوجود. وهكذا، إذا تفحصنا جميع المذاهب الفرعية التي ابتعدت عن المعرفة القديمة معرفة القدماء نرى أن لها الأساس نفسه أيا كانت وكيفما سُميت. وجميع هذه الإيديولوجيات الشرقية الباطنية والتعاليم السرية الغيبية تنتمي إلى فكرة الكون الأوحد.. فكرة وحدة الوجود.

ولذلك عندما يقول الناس بضرورة إيجاد دين جديد توفيقي يوحد الجميع..  أرد بالقول: بل يجب العودة إلى الأصو. فكل شيء موجود منذ القدم. ولكن للحيلولة دون ذلك ولاستبعاد هذه العودة  يجري اختراع مزيد ومزيد من الديانات التوفيقية الجديدة. ديانة NewAge التي بدأنا حديثنا بها هي وريثة التيارات الغيبية الخَفِيَّانية القديمة. بعد قليل سنتحدث وإياكم عن دواعي هذه الديانة التوفيقية وما تقدمه للذين يخترعونها. 

خ 6

*مرة أخرى أتوقف عند مقطع من كتابك. تقولين إن حركة  NewAgeتعيد إنتاج                         تعاليم القبالا (اليهودية) عن الإنسان الأول، كأول ثنائي الجنس.

ت 6

ثنائي الجنس . نعم.

خ 7

"تكاملية ثنائي الجنس (الأندروجين، الخنثوي) هذا تنشطر إلى نصفين نتيجة التجسيد المادي. فجنس الإنسان إذن الكري والأنثوي هو محدودية مَعيبة ضارة تؤدي بالإنسان إلى الموت والانحلال. ولإنقاذ الإنسان يجب العودة إلى الحالة الروحية السابقة.. حالة الكلانية والاتحاد مع الإله. طيب، في الأديان الابراهيمية ثمة اتفاق بخصوص مسألة نفسخ الروح الإلهية في الإنسان  "ونفختُ فيه من روحي". ويقال في بعض الاتجاهات الصوفية في الإسلام والمسيحية واليهودية وأديان أخرى بأن روح الإنسان جزء من روح الله، أما جسده فهو سجن للنفس وجزاء على الخطيئة الأولية، خطيئة آدم يعني. ولذلك يجب أن تتحرر النفس  من الجسد وتعود لربها. ومن هنا نجد في العديد من الديانات اتجاهات زهد وتنسك ترى في المادة، في الجسد...

ت 7

 نعم.

خ 8

... في الجسد مع كل شهواته وحاجاته المادية شيء ما دنسا ينبغي التحرر منه. أما الروحانية فبالعكس من ذلك كانت موضع إشادة وحرص. وبالمناسبة كثير من القديسين الأرثوذكس كانوا لا يعيرون اهتماما لأجسادهم وحاجاتها كرمزية فناء الجسد وبقاء الروح. بالتالي، لا أرى تناقضا بين الدين وفكرة تجاوز الإنسانية H+. الأفكار الجديدة  من هذا النوع تتحدث أيضا إمكانية التخلص من سجن الجسد وعندئذ سيكون بالإمكان العودة للاتحاد مع النفس الكونية. أي إذا استعملنا المصطلحات الفلسفية، فإن العالم الأصغر microcosm سيتحد ثانية مع العالم الكبير(macrocosm).  ألا يتحدث رهبان الكنيسة وأنصار تجاوز الإنسانية عن نفس الشيء لكن من منظور مختلف، أقصد ديني من ناحية وعلمي من ناحية أخرى.. ما رأيك؟

ت 8

كلا. هنا تحديدا الخط الفارق عميق. وربما أقول أنه فارق أساسي مبدئي. الإنسان وفق العقيدة الأرثوذكسية كما جاء في سفر "التكوين" خُلق كاملا، وفيه ثلاثة أجزاء: الروح والنفس والجسد. قوة الإنسان رائعة في الأصل لأن الله خلق له جسدا جميلا... أما نفسه فلها عنصر مادي وآخر روحي. الروح تعني قدرة الإنسان على التواصل مع الله. لأن الإنسان كما نعرف خُلق على صورة الرب ومثاله. وعندما نتكلم عن "صورة الرب ومثاله" ينبغي التشديد على أمر هام، وهو أن هذه الصورة جُعلت في الإنسان. ولذلك شاء الإنسان أم أبى لا يمكنه القضاء على صورة الرب هذه في شخصه.

وبعد قليل سنتناول محاولات أنصار "الإنسانوية العابرة" كالذين في حركة NewAge ... المحاولات الرامية إلى تدمير صورة الرب هذه في الإنسان واستبدال شيء آخر بها. ولكن هذا مستحيل. فإذا كان الإنسان منذ البدء قد خلق على صورة الرب فيعني أنه خلق إنسانا كاملا متكاملا له جسد رائع.. ويمارس حياة روحية ثرية. والأهم هو أن الإنسان وُهب حرية الإرادة والقدرة على الإدراك. ولكن آدم وحواء أرادا اختصار طريق الإدراك والحصول على المعارف الربانية دون المرور بطريق التطور... الطريق الإخلاقي المعنوي والروحي التدرّجي. جاء في سفر التكوين: "يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان عارفين الخير والشر". لكن آدم وحواء قاما بارتكاب الخطيئة الكبرى إذ أرادا أن يكونا كالرب قبل أن يقطعا طريق التطور الأخلاقي السامي. ولذك وقعت المعرفة على الإنسان ناقص الأخلاق ناقص الروح. وفي النتيجة.. بالنسبة للإنسان نفسه انقلب ذلك كله شرا وإثما.

ذلكم هو سبب ظهور أفكار جديدة عن مغزى الحياة. وصار الفلاسفة يقولون إن الإنسان يجب أن يتحرر من جسده نتيجة عدة تحولات تناسخية. وهذا بالضبط  ما اقتبستَه في بداية الحلقة. فكرة التناسخ هذه وجدت في فلسفة فيثاغورس الذي كان يرى أن نفس الإنسان قد تنتقل إلى جسد حيوان مثلا، وليس بالضرورة إلى جسد إنسان آخر. وكان أفلاطون أيضا من أنصار هذه الفكرة.

يمكن العثور على تلك الأصول والأفكار المشابهة في تعاليم القبالا وفي التعاليم الكلدانية. انطلاقا من ذلك تؤكد تلك التعاليم أن مغزى حياة الإنسان يكمن في التحرر من الجسد والاتحاد مجددا مع الجوهر الرباني (الذات الإلهية). وللقيام بذلك ينبغي اكتساب معرفة ربانية عرفانية (غنوصية). وهذا بالتأكيد غير متيسر للجميع.

ولذلك تحديدا كان يوجد في كثير من الطوائف العرفانية- عند أتباع القديس فالنتين مثلا- تقسيمٌ دقيق للبشر إلى ثلاث مراتب. وهذه المراتب لا يختارها البشر بل تولد معهم. الفئة الأولى بشر روحانيون. والثانية نفسانيون والثالثة جسديون علما بأن الروحانيين وحدهم قادرون على الخلاص واكتساب المعارف الحقيقية. الآخرون لا نجاة لهم لأنهم عاجزون بطبيعتهم عن القيام بذلك. نرى في هذه الحالة أن جميع البشر ينقسمون أيضا إلى مستويين: مختارون وغير مختارين. أي الخاصة والعامة.

خ 9

 واضح.

ت 9

وهذه المسلمات نراها بهذا الشكل أو ذاك في الكثير من التعاليم الدينية. فعلى سبيل المثال فكرة الكالفينية في الديانية البروتستانتية هي اليوم أساس عقيدة النخبة الأمريكية. هذه الكالفينية- أي الاصطفائية بمعنى وجود بشر "مختارين" وتميزهم المحدد مسبقا- فكرة مرعبة لأنها لا تُبقي للإنسان الفقير أية فرص.. والأكثر من ذلك أن البرهان على أنك مختار يقتضي منك بالضرورة أن تحقق النجاح... أن تكون ناجحا.

خ 10

نعم.

ت 10

ولذلك في الحضارة الغربية.. عند الإنكليز الكالفينيين والأمريكيين الكالفينيين يعرّف التميز كمختارين بالنجاح في المجتمع. ولأن الثروة هي الأساس لكل نجاح فكان من الطبيعي أن تصبح المعيار الرئيسي في بلوغه، بالتالي اختفت جميع المعايير الأخلاقية. والحضارة الرأسمالية بالإجمال تقوم على فهم معنى الحياة كبحث عن برهان دائم على تميزها وأنها مختارة بواسطة الثروة. وهذا ما يحدد كل الجوانب الأخرى المفصلية في تطور مجتمعنا- أي الفلسفة والإيديولوجيا والسياسة وكل ما عداها. ولذلك عندما يدور الحديث عن الظواهر السلبية للمجتمع الرقمي الذي يُفرض علينا اليوم يجب أن ندرك أن في صلب هذا المجتمع هناك فهمٌ معين للإنسان لا  يتوافق والرؤية المسيحية والإنسانية. في المجتمع الرقمي يُعدُّ الإنسان مادة تجريبية ما. زد على ذلك أن هذه المادة لن تكون ممن يعتزمون بناء هذه الحضارة الرقمية فهؤلاء يعدون أنفسهم مختارين... ولكن هذه المادة ستكون كل الجزء الباقي من البشرية- أي غير المختارين الذين يمكن إقامة أي تجارب عليهم.

خ 11

والتحكم بهم وتعديلهم

ت 11

التحكم كان موجودا على الدوام. ولكننا اليوم نرى أن هذه الأفكار تتجاوز كل الحدود. واليوم لم يعد أحد يخفي أن الإنسان أصبح مادة للتجربة.

خ 12

سأقرأ مقطعا من كتابك عن المادة التجريبية لأن هذا المقطع بدا لي مثيرا للاهتمام جدا. وفي سياق الحلقة القادمة سنعد تقريرا موجزا عن أفكار "الإنسانوية العابرة" وعن "عصر الدلو".. أما الآن فنأخذ هذا الاقتباس: "بين أنصار مذهب "الإنسانوية العابرة" البارزين عالمُ المستقبليات الإنكليزي صاحب مبدأ "إكستروبيا" (خارج الوجود) ماكس مور.. والبروفيسور في جامعة أوكسفورد نيكبوستروم. *إن النشاط الرئيس بالنسبة لهما هو الإعلان عن تكوين جسد جديد وذهن جديد. وأن كل ذلك يمكن تحقيقه إما عن طريق عدد كبير من التغيرات في الإنسان ذاته وإما عن طريق خلق مجتمع اصطناعي. الموضوع الأساسي عند أنصار" الإنسانوية العابرة"- هو البحث عن الخلود علميا.. أي بلوغ الخلود عن طريق النقل الرقمي للنفس. هنا يجري نسخٌ كامل للمعلومات من دماغ الإنسان على الحاسوب بغية تكوين نسخة رقمية للنفس. إذ أن الإنسان في نظر هولاء عبارة عن معلومات جينية مشفرة في الحمض النووي.. .وبالتالي فإن الدماغ بالنسبة لهم هو حاسوب عصبي. وأن الخلود يتحقق عمليا عن طريق نقل الوعي من حامل معلومات إلى آخر".  ثم تستعرضين كتاب دوروثي نيلكين وسوزان ليندي "سر الحمض النووي". تقول المؤلفتان إن كل شيء في الحمض النووي مشفر كما في الحامل الطبيعي ولذلك يمكن نقل معطياتنا كاملة إلى حامل آخر. أنا كشخص يقرأ مثل هذه التصورات عن المستقبل بوصفها أدبيات خيالية أجد ذلك مثيرا للاهتمام جدا. ولو كنت عالما لدفعني ذلك على أن أفكر كيف يمكن تجسيد مثل هذا الأفكار في الحياة مستقبلا. أود أن أستطرد قليلا لأسأل إن كنت على علم بوجود مسلسل " المرآة السوداء"Black Mirror  ...

ت 12

 نعم.

خ 13

... الذي يعبر على نحو جيد عن أفكار المستقبل الرقمي. علما بأن المسلسل في البداية كان مخصصا لتبيان مدى الرعب في المستقبل جراء الولع المفرط بالعالم الافتراضي. إن بعض المشاهد تؤثر على الحالة النفسية تأثيرا شديدا... لست أدري إن كنت شاهدت حلقات من هذا المسلسل...

ت 13

تابعته خصيصا كباحثة وحسب... لا كهاوية مسلسلات  بأي حال من الأحوال.

خ 14

هناك المشهد الرابع من الجزء الثالث بعنوان San Junipero حيث يدور الحديث عن هذه الفكرة تحديدا.. فكرة نقل وعي الإنسان إلى حامل رقمي معين. وبذلك يستطيع الإنسان العيش إلى الأبد في عالم افتراضي. وربما تذكرون أن فيلم ماتريكس  Matrix الذي حظي بنجاح كبير كان أول تصوير عن شيء من هذا القبيل. ما رأيك... أليس هذا تطورا طبيعيا للعلم يتعذر تفاديه؟ العلم يسير قدما إلى الأمام بفضل أمور منها رقمية كل شيء بمافي ذلك العملات ضمنا. وعملة البيتكوين اليوم تحطم أرقاما قياسية في السوق المالية. يا ترى ألسنا نسير في المجرى الطبيعي لتطور التاريخ؟ من المشكوك فيه أن تكف التقنيات الجديدة عن تطورها مهما وكيفما قاومناها كما فعل ذلك الرهبان.. وأولئك الذين يخلقون هذه التقنيات لن يلقوا بالا إلى الانتقادات وسيمضون في طريقهم قدما بغض النظر عمن يفكر البعض بهذا الخصوص؟

ت 14

نعم. ولكن هذا لا علاقة له بالعلم بتاتا. هذا خيار سياسي. هذا مشروع سياسي، وليس مشروعا علميا بأي شكل من الأشكال.. فإذا تكلمنا بلغة بسيطة وسألنا: من هو العالِم؟ سنقول إنه شخص يسعى إلى الحقيقة، يبحث عنها. أما عندما نتكلم عن خبراء في التقنيات الحديثة فالكلام لا يدور دائما عن السعي إلى الحقيقة. يعجبني جدا كتاب الأمريكي إيريك ديفيس (عن التكهن التقني)  وعنوانه: "تكنوغنوزيس: الخرافة  والشعوذة في عصر المعلومات". لقد بيَّن على نحو جيد جدا أن جميع هؤلاء الدعاة المعاصرين لعالم جديد يستمدون أفكارهم في حقيقة الأمر من مصادر قدماء العرفانيين (الغنوصيين) والمنجمين في عصر النهضة وحتى من الفيلسوف فرنسيس بيكون. ورغم أن فرنسيس بيكون هو مؤسس المنهج العلمي فكان يرى أن العلم ليس إلا رأس جبل الجليد العائم في المعرفة. بيكون لم يتخل عن الجوهر الأعمق للمعرفة عندما رأى أن الأهمَ محجوبٌ عن الأغلبية ويوجد في أسفل جبل الجليد هذا. ولكن الأفظع هو أن الأفكار عن الاستعمال المستقبلي للتقنيات ترمي إلى تغيير الإنسان. التقنيات العلمية السابقة كانت تغيّر العالم حول الإنسان. نحن دائما نؤكد ذلك. العلم في زمن الثورة الصناعية الأولى والثورة الصناعية الثانية كان يرمي إلى ذلك بالتحديد. ولكن عندما يقال لنا إن التقنيات يجب أن تقتحم الكينونة البشرية ويجب أن تغير الإنسان فهذا طبعا لا يجمعه بالعلم جامع.

خ 15

الوعي عند أشخاص من هذا النوع أهم من النفس وله ما يكفي من التجلي المادي على مستوى الطاقة. ونشاط عمل دماغنا الذي يعطينا الوعي يمكن تصنيفه أو الحصول عليه في شكل إشارات ما. وفضلا عن ذلك ووفق قانون نيوتن لحظ الطاقة فإن الطاقة لا تفنى بل تتحول من حالة إلى أخرى. ولذا من الممكن فيزيائيا نقل هذه الطاقة إلى أي مكان آخر... أليس كذلك؟ الذين لا يؤمنون بوجود النفس في هذه التصورات عن المستقبل لهم منطقهم.. فهم يعتقدون بوجود معلومات رقمية في الحمض النووي وفي دماغنا يمكن تخزينها على حامل مصطنع. ما أريد قوله هو أن مثل هذه الأحلام عن المستقبل يمكن أن تحفز تطور العلم. فحتى الفيزيائي العظيم اسحاق نيوتن كانت معظم مكتبته مرتبطة بأبحاث عن السحر والخيمياء. * أقصد أن علماء عظاما كثيرين كانوا أصحاب خيال واسع بدرجة ما وهذا ما كان يحفزهم على الاختراع والابداع.

ت 15

 طبعا.

خ 16

لم يكونوا كالجميع... كانوا متمردين يتمتعون بفكر حر يحلق عاليا.. وهذا أيضا يحفز العلم. الخيال كان يحفز نشاطهم الإبداعي...

ت 16

صحيح تماما.

خ 17

... لما فيه فائدة البشرية، وفائدة المجتمع واقعيا. لأن الخيال يمكن أن يلعب دور المنبه والواقي. مسلسل شركة Netflix الذي أشرت إليه ربما يريد أن ييبن للجميع أن هذا يبدو الآن من باب الخيال ولكن أحدا ما قد يتعلق بهذه الفكرة ويجسدها في الحياة. تلكم هي الأفكار التي تُطرح. أتذكرين كيف كان يجري تشجيع العلماء سابقا؟

ت 17

 نعم.

خ 18

وصف جول فيرن غواصة ناوتيلوس الخيالية تبحر في الأعماق طويلا. وهذا الآن واقع، فالغواصات التي تعمل بمحركات نووية تستطيع فعلا الإبحار تحت الماء لعشرة آلاف كيلومتر. في البداية كان ذلك خيالا.. قرأه العلماء فصار مصدر إلهام لهم،  فاخترعوا ما اخترعوه. وكذلك الأمر بالنسبة لغزو الفضاء. كثير من الفيزيائيين ومصممي الطائرات وصناع الصواريخ كانوا منذ الطفولة يقرؤون الكتب الخيالية فألهمهم ذلك فصاروا علماء مخترعين. وربما كل التصورات التي تبدو الآن مستحيلة تماما وغير قابلة للتحقيق- كنقل الوعي مثلا- ستحفز العلم في وقت ما وسيتحقق ذلك.. ما رأيك؟

ت 18

كلا. أود التأكيد مرة أخرى أن لا علاقة لهذا بالعلم بتاتا لأن العلم معرفة. والعلم يجب أن يرمي إلى معرفة ما خلقه الخالق. وطالما أن ما خلقه الخالق حكمة عظيمة فمن المفترض بالإنسان دراسة ما هو موجود. إن هذه الأفكار الجديدة كلها تخرج عن الإطار الطبيعي وتحاول اختراع شيء ما مناف للطبيعة.. غير طبيعي. أي أنها تسير عكس الطبيعة. وإذا نحن حاولنا إيجاد جذور هذه التصورات عن العالم في قديم الزمان سنرى كل شيء على هذا النحو نفسه...

والترسيمة نفسها. إلامَ كان يطمح الخيمائيون والعرفانيون (الغنوصيون) القدماء؟ وعمَ كانوا يبحثون؟ هؤلاء أيضا حاولوا تحقيق الخلود للإنسان لأن فكرة أن "الإنسان فان" كانت أكثر ما يقلقهم. ولكن كيف يمكن تحقيق خلود الإنسان إذا كانت البشرية بأسرها قد تخلت عن التعاليم الأخلاقية؟ هواة الخلود الرقمي المعاصرون واثقون أن بالإمكان بلوغ الخلود بطريقة واحدة فقط - باستخدام التقنيات. ولذلك يبدأ التكنولوجيون عمليا باستبدال بنية نمط الحياة الأخلاقي الروحي.

واليوم هذا ما يغير الإنسان إلى حد يجعل من المتعذر معرفته. يرد في البيانات عن التصورات "الإنسانوية العابرة" أن هدفها خلق إنسان سايبورغ (ما بعد الإنسان).. أي الإنسان خالي البال الذي لن يعاني ولن يتألم ولن يصاب بأي مرض من الأمراض... سيتم تغيير جسده... وسيتم خلق إنسان معدل وراثيا ذي جينومات أعيد تكوينها. والخطوة التالية المفصلية خلق كائن خالد لا يموت. أما الأسلوب الأنجع لتحقيق الخلود فهو- بحسب رأيهم- أن تستخلص من الشخص مادة الخلود الموجودة في الحمض النووي.

بالمناسبة، لقد بيّن إيريك ديفيس في كتابه المذكور آنفا "تيكنوغنوزيس" أن ما كان يعد ربانيا عند عرفانيي (غنوصيي) الزمن القديم يراه أنصار "الإنسانوية العابرة" في الحمض النووي. وفي هذا الحمض تحديدا توجد كل المعلومات التي اعتبرها القدماء ربانية. وهذا يعني أنه حامل هذه المعلومات. ويكتسب الحمض النووي عند هؤلاء الأنصار أهمية طقس من طقوس العبادة. وهم يرون أن حل شيفرة الحمض النووي يمكّنهم من نقلها باستخدام التقنيات إلى جسد خالد. بل أن هذا الجسد الخالد لن يكون بشريا بل سيكون آليا. ومن هذا الكائن شبه الآلي سيكون بالإمكان نقل شيفرة المعلومات إلى كائن آلي آخر.... وهكذا إلى ما لانهاية. وبهذا الشكل سيتحقق خلود البشرية...

لقد تواصلتُ مع هؤلاء الناس. أثناء الحديث معهم رأيت كيف تتغير نظراتهم فتتقد عيونهم بنار النشوة عندما يصفون سفراتهم المتخيلة إلى عوالم فضائية أخرى وتحولهم إلى جواهر خالدة لا تموت. قالوا لي: "وأنت... ألا تريدين أن تكوني سايبورغ؟!"... وعندما قلت إنني لا أريد أن أكون سايبورغ، وأريد أن أبقى إنسانة...استفظعوا ذلك مني..  بعد ذلك تدرك أن هذا في واقع الأمر مجرد ديانة تعصب وتزمت.

خ 19

إذن تعتقدين أن ذلك يشبه تلك الظروف عندما ساد الإيمان بإمكانية خلق حجر الفلاسفة؟ هل ترين مثل هذا التشابه...؟

ت 19

طبعا. ولكن تصور أية إمكانات ظهرت الآن عند هؤلاء المتعصبين؟ باتت التقنيات اليوم على درجة من التطور تجعل بالإمكان تدمير كوكبنا بالكامل خلال دقائق معدودة. أود التأكيد  أننا نعيش في مجتمع المعلومات ولكننا في حقيقة الأمر نتصور على نحو سيء جدا ما يجري في العالم لأننا نتلقى مع المعلومات كما كبيرا من التضليل الإعلامي والمعطيات المزيفة التي يقدمها أشباه علماء وأناس على قدر متواضع جدا من التعليم. على أساس ذلك يتكون شعور بأن العالم بأسره يغوص في ظلامية ما. وأن الظلامية والجهل صارا الاتجاه الرئيس في هذا العصر.

وهذا بالمناسبة ما لفت الانتباه إليه علماء رصينون. ثمة كتاب للبروفيسور الأمريكي الرائع توم نيكولس بعنوان "موت الخبرة. كيف يقتل الانترنت المعارف العلمية". يعني نيكولس بالخبرة مدارس واتجاهات العلماء الحقيقيين ويقول إن مكانة هؤلاء العلماء اليوم متدنية إلى درجة غير عادية الأمر الذي لم يسبق له مثيل حتى الآن. في حين تحظى بشعبية كبيرة تلك التيارات شبه العلمية والباطينة التي تُطرح على أنها معارف علمية وحقيقة مطلقة. *ولذلك فإن العلماء الذي يمتلكون المعرفة العلمية هم ألد الأعداء عند هؤلاء القاصرين تعليميا. وكذلك يرعبهم جدا الأشخاصُ الذين حافظوا على الإيمان وعلى الفهم الصحيح للمعرفة.. أي علماء اللاهوت الحقيقيون الذين يتعرضون وأمثالهم لمحاولات الاستبعاد أو الحط من سمعتهم والتشهير بهم.

خ20

دكتورة... شكرا جزيلا لك على ما تفضلت به من آراء ومعلومات قيّمة في هذه المقابلة.

ت 20

شكرا.

خ 21

دمت بخير.

 

 

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا