"أن تلعب دور الإله". كيف ستتغير البشرية بتطور التعديل الوراثي واستبدال المادة الحية؟

أخبار العالم

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/pnd9

كيف ستتغير البشرية بعد تعميم التعديل الوراثي والاستنساخ وطباعة الأعضاء ثلاثية الأبعد وغيرها من منجزات التكنولوجيا الحيوية؟ هل سنصبح خارقين أو ربما حتى أزليين؟

 ما هي آفاق "التلاعب" بالطبيعة وما هي المخاطر المترتبة عن ذلك؟ ثم ماذا بخصوص لاأخلاقية هذه الأنواع من التجارب خصوصا على الإنسان الأمر الذي كثيرا ما يطرحه رجال الدين من مختلف الملل؟ نطرح هذه الأسئلة وغيرها في هزذه الحلقة من برنامجنا على العالم البيولوجي المتخصص في التكنولوجيا الحيوية الدكتور ألكساندر بانتشين.

-

أهلا بك... ألكسندر.

-

طاب يومك.

-

تتحدث في كتابك "مجموعالتكنولوجيا الحيوية" (البيوتكنولوجيا) عن الخطأ في فهم مصطلح "طبيعي".. فتقول "إننا نستعمل هذا المصطلح على نحو غير صحيح... إذ أن المنتجات "الطبيعية" المعاصرة ما كانت لتوجد لو لم يتدخل الإنسان في عملية التطور ويعمل على توجيهها. إن الذرة والملفوف والبطيخ والشمام من نتائج الاصطفاء والانتقاء الاصطناعي الذي غيَّر على امتداد أجيال عديدة هذه النباتات ومعلوماتها الوراثية بحيث صارت من المزروعات. وفي حقيقة الأمر فإن الكائنات الحية المعدلة وراثيا هي أيضا طبيعية مثلها مثل أصناف النباتات ذات المنشأ الاصطفائي. وهذا ليس مدعاة لأن تعد آمنة تماما. فالطبيعي أيضا قد يشكل خطرا على الصحة".. //نهاية الاقتباس//.

هل يعني ذلك أننا أمام استبدال للمفاهيم؟ وهل نحن نحمِّل  مختلف المفاهيم معاني  شعبوية لاعلاقة لها بالعلم؟

-

هذا مثال على الاستخدام غير الصحيح للتفكير الترابطي... فبمَ يقترن مصطلح "طبيعي"؟ وما هي تداعياته في أذهان الناس؟ هذا المصطلح يستدعي إلى الأذهان الطبيعة بجمالها من شلالات وجداول المياه النقية وما إلى ذلك... أي تتولد عندنا فورا صورة شيء ما جميل ومفيد. ولكن الفطر السام المعروف بقبعة الموت.. وفيروس كورونا.. وفيروس أيبولا.. والإيدز (نقص المناعة البشرية)... هذه كلها من الطبيعة أيضا. هذا كله طبيعي.. ولكن مثل هذه التداعيات - ولسبب ما- لا تقترن عند الناس بكلمة "طبيعي"... فالطبيعي بالنسبة لهم ليس سوى شيء ما حسن. وهذا ما يشوه لوحة العالم بعض الشيء. ولذلك مثلا يصدق الناس بسهولة الإعلانات التي تقول إن (الشامبو) مصنوع من مادة طبيعية. في الواقع إن وجود مثل هذه المادة في الطبيعة لا يعني البتة أنها مفيدة لشعر الإنسان. ولحسم الأمر ينبغي دراسة تأثيرها. والأمر نفسه ينطبق على الأشياء التي تسمى "غير طبيعية". ثمة الكثير جدا من الوسائل والمواد المصنعة ولا أحد ينكر فائدتها. البنسلين مثلا مادة طبيعية ولكن كثيرا من المضادات الحيوية المنتجة على أساسه اصطناعيا ليست اسوأ من البنسلين الطبيعي في ما يتعلق بإنقاذ حياة البشر. ومن النادر أن ينكر أحد ذلك إذا كان الأمر يتعلق بإنقاذ حياة الإنسان وخاصة في حالة تعفن الدم.

 -

أو تلك العاثيات؟ هذه أيضا فيروسات مصنعة... أليس كذلك؟

-

توجد في الطبيعة أيضا عاثيات تكافح الجراثيم. ولكن يمكن تعديل العاثيات وراثيا لتقوم ببعض المهام على نحو أفضل... وعمليا كل الانسولين الذي يُنتج في العالم اليوم يُصنع باستخدام كائنات دقيقة اصطناعية.. أي معدلة وراثيا وهذا إنتاج اصطناعي.

-

وهل يمكن أن نعزو النفور من التعديل في المادة الطبيعية إلى المعتقدات الدينية؟ من المعروف أن المتدينين يرون أن كل ما هو حي حولنا من صنع العلي القدير.. ويضيفون أن الإنسان عندما يتدخل في صنع الخالق فحتما سيُفسد وسيُلحق الأذى بالطبيعة. وهؤلاء يتساءلون: إذا كان الإنسان مخلوقا على صورة الرب كما في المسيحية أو في أحسن تقويم كما في الإسلام فكيف له أن يشك في كمال صنعه؟!

اليوم هناك مثال ساطع.. وهو وجود تقنيات حديثة جدا (طبعا باهظة الثمن وليست واسعة الانتشار حتى الآن) تستخدم لمعالجة أمراض السرطان.. يأخذ العلماء من الشخص خلايا مناعية ويعدلونها ثم يعيدونها إلى مكانها. وهذا مثال ساطع على إنقاذ حياة البشر بواسطة التعديل الوراثي... أليس كذلك؟

-

هذا يسمى العلاج الخلوي (العلاج بالخلايا) CAR-T. تؤخذ من الشخص المريض بالسرطان خلايا من جهازه المناعي وتحقن فيها جينة تتيح لهذه الخلايا إيجاد الخلايا السرطانية وتدميرها. ثم يعاد زرع هذه الخلايا المناعية المعدلة في المريض. هذا طبعا اختراق جبار في الطب وفي العلاج الخلوي. وفضلا عن ذلك توجد طرائق أخرى. مثلا، العلاج الجيني.. تغرس في الجسم قشرات فيروسية معدلة تحتوي داخلها جينة مفيدة يمكنها إزالة عيب جيني ما عند الشخص المعني. وبذلك يتسنى مكافحة بعض الأمراض الوراثية الفطرية. وهذه ليست بالقليلة عددا. مثلا إثر مرض الهيموفيليا (نزف الدم الوراثي) لا يجري تخثر دم المريض كما ينبغي، حيث أصغر خدش يتسبب له بفقدان كمية كبيرة من الدم. فهل نقول أن هذا من صنع الله ولا نعالجه؟ بات بمقدور العلم اقتراح العلاج الجيني لهذه الحالة. وبالإمكان اليوم الانتصار على الأمراض التي كانت في السابق عصية على العلاج بالتعديل الوراثي. وهذه الأمثلة في ازدياد. ولو أن كثيرا من الأمثلة التي أتحدث عنها اليوم ليست برهانا بالنسبة لخصوم الكائنات المعدلة وراثيا. هؤلاء واثقون أن الآخرين يكذبون عليهم. ولذلك يطالبون بحظر الكائنات المعدلة وراثيا، علما بأن اللقاحات ضد فيروس كورونا- ومنها اللقاح الروسي "سبوتنيك v" والصيني CanSino -هي كائنات معدلة وراثيا. هذا الفيروس الذي تم تغييره وراثيا اصطُنع كي يحمل في داخله كاشفا كيميائيا لبروتين فيروس كورونا. هذا البروتين- الكاشف يصل إلى الخلية. ومن هذه اللحظة يمكن تبين جرعة بروتين معينة على سطحها. يكتشف جهاز المناعة هذا البروتين- الكاشف ويتفاعل معه على النحو المناسب ويدافع عن الجسم. هذا اللقاح- كائن معدل وراثيا. ولكن هذا لا يعيقنا عن التطعيم ضد الفيروس. ومن المثير للفضول بالمناسبة أن البعض ممن يعارضون أحيانا الكائنات المعدلة وراثيا ليسوا أبدا ضد استعمال اللقاحات. وبحسب رأيهم لا يجوز استعمال الكائنات المعدلة وراثيا في التغذية ولكن يجوز حقنها بالتطعيم. هذا شيء مضحك وناجم عن الجهل.. ولكننا كثيرا ما نصادفه.

 -

يحمل الفصل الثالث عشر من كتابك عنوان "التشبه بالإله". ما السبب وراء اختيارك هذه التسمية؟ أنت تستشهد بمقالة عن عالم البيولوجيا كريغ فينتر، وعنوانها: «Playing god» (التشبه بالإله)، وربما من هنا جاء عنوان ذاك الفصل من كتابك؟ ولكن ما المغزى الذي تقصده أنت شخصيا من هذه التسمية؟ وما الذي قصدته أنت من هذا العنوان؟ أين يحاول الإنسان التشبه بالإله؟

 -

فعلا نشرت مجلة «New Scientist» مقالة عن كريغ فينتر الذي استحدث كائنات حية باستخدام الحمض النووي الاصطناعي. بالأحرى لم يستحدثها هو وزملاؤه باستنساح أحماض نووية موجودة فعلا بل خلقّها في مركِب  كيميائي بتجميع أجزاء الحمض النووي بحسب الحروف وضم مقاطع الجزيء إلى بعضها البعض. أثبت كريغ وفريقه أن هذه الحياة المخلقة اصطناعيا ليست أسوأ من أية حياة أخرى. هذه الكائنات الحية الدقيقة لم تعش بحد ذاتها وحسب بل انقسمت وواصلت العيش. لسبب ما غالبا ما تحمل عبارة "التشبه بالاله" معنى سلبيا. ولكن عندي مقولة مضادة لذلك وهي ضرورة البدء بلعب دور الإله. ولهذا عنوان إحدى محاضراتي أيضا "التشبه بالإله". شرحت في تلك المحاضرة بالدقة والتفصيل أن استخدام الهندسة الوراثية يمكّن من إنقاذ حياة البشر والتغلب على الأمراض التي كانت في السابق عصية على العلاج. سبق أن تعرضنا لبعض الأمثلة على ذلك.

في الأديان غالبا ما يقال إن الصلاة تساعد في الاستشفاء. ولكن من غير المعروف لأي سبب لم تشفِ الصلاة أبدا تلك الأمراض التي كانت تعد دائما عصية على العلاج ولا يمكن أن تزول من تلقاء نفسها. ببسيط العبارة إن من بُترت أطرافهم لم تنبت لهم من جديد أياد وأرجل بعد الصلاة. أما الأطراف الصناعية فبات ممكنا باستخدامها الآن مساعدة الشخص الذي فقد يدا أو ساقا ليقوم بنشاطاته. وهذا ما يحسّن حياته بقدر ملموس. عادة ما أختتم محاضرتي بمقطع من تسجيل صوتي لإحدى المداخلات في مؤتمر TED العلمي المعروف. تقدمت بمداخلة فتاة سبق أن فقدت رجليها نتيجة انفجار قنبلة ألقاها متعطرفون دينيون أثناء ماراثون بوسطن. هذه الفتاة كانت ترغب في أن تصبح راقصة باليه. وكانت دائما تحلم بالرقص. صُنعت لها أطراف اصطناعية، فصارت تمارس الرقص في القاعات. هذه لحظة مؤثرة جدا. وبالنسبة لي كاختصاصي في مجال علمي هذا مثال جيد على مدى أهمية التدخل في المرض بالنسبة للإنسان وإمكانية مساعدته وحل مشكلته. بعد هذا الاستعراض أتساءل: "هل نستطيع أن نلعب دور الإله؟". وأجيب عن ذلك بالقول "نعم نستطيع. بل يجب أن نفعل ذلك. فإذا لم نكن نحن فمن؟

-

كيف سيتطور لاحقا هذا الاتجاه العلمي؟ هل سيبدأ الإنسان بصنع أعضاء داخلية باستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد؟ *ما رأيك: هل هذه مسألة المستقبل البعيد أم ربما ستتحقق في المستقبل القريب.. ربما القريب جدا ؟ أنا وأنت في العمر نفسه تقريبا وربما سنشهد الوقت الذي سيغدو فيه ذلك كله من الأمور المألوفة؟ أقصد استبدال الأعضاء الداخلية بأعضاء منسوخة على طابعة ثلاثية الأبعاد؟

-

لا أستبعد البتة أن نشهد ذلك أنا وأنت خاصة وقد تحقق في الآونة الأخيرة تقدمٌ كبير في العديد من فروع هذا الاتجاه. منذ فترة وجيزة نُشرت مقالة في مجلة «Nature» تقدم وصفا لكيفية إعادة البصر للقوارض باستخدام العلاج الجيني. ثمة بروتينات خاصة تسمى "عوامل يماناكا"... أجرى العلماء جملة من التجارب تسنت لهم بنتيجتها إعادة برمجة خلايا مجموعة من الجينات بحيث تستطيع العودة إلى حالتها الجنينية، بل وأن تولّد خلايا أخرى أيضا. وهذه الجينات تحديدا تم إدخالها في نموذج خلوي لمرض زرق العين عند القوارض وجرى رصد الخلايا وهي تجدد شبابها وتعيد تخلّقها مع حتمالات المستقبل.

ولكن إذا كان بمقدور البشرية الآن إعادة توليد خلايا السليلوز فربما ستتمكن في المستقبل من أعادة توليد خلايا الدماغ أيضا؟ لست أدري... سنرى. وفي ما يتعلق بالأعضاء الاصطناعية ثمة بضعة اتجاهات في هذا الميدان... منها الطباعة ثلاثية الأبعاد التي سبق وأشرتَ إليها... فباستخدامها تصنع الآن بعض الأعضاء البسيطة رغم أن مشكلات تقنية لا تزال قائمة. وتوجد تصاميم تمكِّن من تنمية أعضاء الإنسان أو الحيوان في حيوانات أخرى. في الخنازير مثلا. ليس لأن هذا الحيوان قريب من الإنسان جينيا بل لأنه يشبهه جدا من حيث حجم الأعضاء الداخلية. وهنا يجب أن تستخدم زراعة الخلايا وفق الطباعة ثلاثية الأبعاد. اقتصرت التجارب على القوارض.. يمكن مثلا استنبات بنكرياس جرذ في فأر وبالعكس. يجري ذلك على النحو التالي: يؤخذ أولا جنين لم تتكون فيه بعد الجينة الضرورية لتنمية البنكرياس. ثم تضاف خلايا من جنين نوع آخر توجد فيه هذه الجينة. هذه الخلايا من الجنين المتبرع يجب أن تكون قليلة جدا بحيث لا يتسبب استخلاصها منه بالأذى له. هنا لا يمكن خلق بنكرياس إلا من هذه الخلايا. أجريت تجارب ناجحة على القوارض. والآن تُجرى تجارب لزراعة بنكرياس إنسان في الخنازير... وحتى اليوم لم يتسن ذلك بسبب عوائق تقنية. ولكن لدي إحساس بأن هذه المسألة قابلة للحل مستقبلا. ينبغي مواصلة التجارب وحسب. أعتقد أن العمل على خلق أعضاء اصطناعية بهذه الطريقة أو تلك سيكلل بالنجاح.

 -

ما رأيك... هل سيكون بالإمكان استنبات أطراف؟ وهل سيستطيع الإنسان تعلم ذلك من السلمندر بأخذ جيناته بنفس الطريقة التي ذكرتها؟ هل هذا واقعي؟ أم اننا على الأرجح سنتعلم استبدال الأعضاء الناقصة بأعضاء يمكن إعدادها من مواد بيولوجية اصطناعية؟

 -

طالما هذا موجود في الطبيعية.. وطالما بعض أنواع الحيوانات تعرف كيف تفعل ذلك فهذا يعني أنه لا يتناقض وقوانين الفيزياء. أي قد يكون ممكنا. تكمن المسألة في كيفية مقاربة هذه المشكلة بغية حلها. للأسف، معلوماتي هنا زهيدة وليس لدي القدر الكافي من المعلومات.

 -

حسنا. في كتابك أيضا موضوع مثير للاهتمام جدا... أقصد مسألة الاستنساخ.  أنت تذكر أن "البطريرك أليكسي الثاني كان يقول //إن استنساح الإنسان فعل لا أخلاقي.. جنوني.. يؤدي إلى تدمير شخصية الإنسان.. ويتحدى خالقه//. والكاهن الأب فسيفولود تشابلين تساءل قائلا " كيف سيعيش الإنسان إذا كان يعرف أنه مجرد نسخة عن أحد ما؟"// نهاية الاقتباس//.

هنا استدركُ فورا لأقول إن هذا الموقف ليس محصورا في الأرثوذكسية الروسية بل إن الموضوع برمته مطروح أيضا عند الكنائس الغربية، وفي الإسلام. وفي الأديان الأخرى الكبيرة بكل تأكيد. ما جواب العلم عن ذلك؟

  -

لنبدأ من أن دواعي الفكرة القائلة بلا أخلاقية الاستنساخ غير مفهومة..

 -

الإنسان يتشبه بالله ولذلك فإن الاستنساخ لا أخلاقي. يرد في الاقتباس أن الإنسان في إقدامه على ذلك "يتحدى خالقه". ولذلك الاستنساخ لا أخلاقي.

 -

وهل يعني التشبه بالله إتيان أمر من أمور السوء؟..  إذا حاكمنا القضية بهذا المنطق الديني وانطلاقا من أن الرب هو خير مطلق  فما الضير من تشبه الإنسان بالرب عندما يقوم بأعمال خيرة؟... على أية حال أنا لست خبيرا في الشأن اللاهوتي...

  -

ولكن كيف لك أن تجيب عن السؤال: ما الحاجة للاستنساخ أصلا... وكيف يمكن أن يفيد الإنسان؟ كيف يمكن أن ينقذ حياته أو يُحسّنها؟

 -

في الممارسة العملية مثلا يستخدم الاستنساخ الآن لإنقاذ بعض أنواع الحيوانات المعرضة للانقراض. *والسؤال: هل من الضروري استنساخ الإنسان؟ لنفترض أن امرأة وزوجها عاجزان لسبب ما عن الإنجاب.. ولايريدان طفلا بالتبني... بل يريدان ذرية من جيناتهما من صلبهما. نظريا، قد يكون الاستنساخ باستئجار رحم بديل حلا لمشكلة مثل هذين الزوجين. ولكن هذا لا يتطلب مجرد الرغبة الذاتية بل لا بد من مساعدة الآخرين. وخاصة مساعدة المرأة التي ستكون أما بديلة للطفل المستنسخ، وكذلك مساعدة الأطباء الذين سيعلمون على تخليق الجنين. *فلغرض الاستنساخ تؤخذ من خلية ناضجة نواةٌ مع مادة وراثية وتنقل إلى بويضة فارغة بلا نواة، ثم تنقل البويضة إلى رحم الأم البديلة لانطلاق عملية الحمل. في ما يتعلق بالبشر توجد منذ الآن تقنية نقل نواة الخلية لعلاج مرض الميتوكوندريا. أحيانا يحدث في المتقدرات (الميتوكوندريا) تشوه وراثي (خالد: نعم) وعندئذ يكون أداؤها رديئا. وإذا كانت إمرأة عندها مثل هذه المتقدرات الرديئة وتريد لطفلها المقبل أن يولد بمتقدرات سليمة فتخضع لإجراء خاص... تُنتزع النواة من جنين الطفل المنتظر الذي يفترض أن يولد لإمرأة عندها متقدرات رديئة. تنقل هذه النواة إلى بويضة إمرأة سليمة. وبعد ذلك تعاد البويضة التي باتت ذات متقدرات سليمة إلى المرأة الأولى فتحمل الجنين وتغدو أما لوليد سليم. وفي هذه الحالة - كما يرى كثيرون- يولد طفل لثلاثة آباء. أما في حقيقة الأمر فالمادة الوراثية عنده من والدين اثنين مع قليل من متقدرات شخص ثالث.. ووفق هذا المبدأ تعمل تقنية الاستنساخ أيضا. ولكن هذه التقنية لا يُسمح باستخدامها إلا في بعض البلدان.

-

سأطرح عليك سؤالا تجيب عنه في كتابك بدقة وتفصيل. أي السؤال الذي غالبا ما يواجهك أثناء محاضراتك، وهو: "هل يوجد في الطبيعة كائن حي خالد.. لا يموت.. يمكن للإنسان أن "يسرق" منه سر العمر المديد؟ 

-

توجد كائنات حية لا تشيخ عمليا. مثلا من الثدييات "فأر الخلد العاري" الذي يشبه الجرذ من حيث الحجم.. يعيش هذا الحيوان حتى الثلاثين سنة، أي أكثر بكثير من ثدييات هذا النوع. وعند مرحلة البلوغ وتقدم العمر لا تزداد احتمالات موته نفوقه.

-

وما الذي يؤدي إلى موت هذا الحيوان؟

-

الأسباب كثيرة. قد تموت هذه الحيوانات بسبب جروح أو عدوى ما. حتى أن هناك وصفا لإصابتها بأمراض سرطانية. وكان ذلك أمرا مثيرا بالنسبة للعلم. ولكن الإنسان كثيرا ما يصاب بها. * عند فئران الخلد العاري توجد آلية تحد من تكرار الخلايا عندما يتراكم حولها كثير من الخلايا الأخرى. هذه آلية مضادة للأورام لا توجد عند البشر.. فمرض السرطان يحدث عندما تتحطم آليات الدفاع الكثيرة داخل خلايا الكائن الحي والتي يفترض أن تقي من المرض. هذه الآلية عند فئران الخلد العاري تعمل على نحو ممتاز. مثال آخر على الكائنات الحية المعمرة التي لا تشيخ.. الهيدرا أو بعض أنواع قناديل البحر. مرة أخرى أكرر أن هذه الأنواع ليست خالدة لا تموت إذ يمكن قتلها ولكنها لا تهرم. أحد أسرار هذه الظاهرة عند الهيدرا هو مقدرة خلاياها الناضجة على العودة إلى حالة الشباب ومن ثم النمو والتحول إلى خلايا ناضجة من جديد. هذه المقدرة تعطي الخلايا إمكانية التجدد، أي استعادة حيويتها. سبق أن أشرت إلى مقالة مجلة «Nature» التي تتضمن وصفا لتخليق قدرة استرجاعية عند خلايا عيون القوارض باستخدام العلاج الجيني. هذا مثال على أن  البشر لم يكتفوا ب"سرقة" عمل الآلية التي تتيح العيش عمرا أطول من الطبيعة بل واستطاعوا بالتجربة إرغام الخلايا على التجدد.  

أما المثير للاهتمام فهو أن جينة FoxO تتنوع عند الإنسان، وهي التي تؤدي في الكائن الحي دورا دفاعيا. إن تباين الجينة يحمل علامة FoxO 3  ويظهر في الغالب الأعم عند الذين يعيشون أكثر من تسعين عاما. بل والآن بات معروفا لنا أن جميع الكائنات الحية على الكوكب تحدرت من سلف مشترك. إذن وجد العلماء تنوع هذه الجينة عند سلف مشترك بعيد للهيدرا التي لا تشيخ وكذلك عند المعمرين من البشر. وفضلا عن ذلك اتضح للباحثين أن هذه الجينة ذات الطفرة القديمة جدا والموجودة عند الإنسان المعمر أيضا، إذا ما دُمرت عند الهيدرا فإن الهيدرا هذه تشيخ وتفقد قدرتها على الحياة الأبدية.

 -

هل اتضح ذلك من خلال التجارب؟

 -

نعم، نعم.

 -

هذا مثير للاهتمام.... اقتباس آخر من كتابك: "الخلايا التي تراكم طفرات كثيرة تدمر نفسها. الخلايا لا تتقن الانقسام إلى ما لانهاية ما لم يكن يعمل فيها انزيم تيلوميراز الذي يكتمل بناؤه عند كل انقسام للكروموسوم". برأيك.. هل بالإمكان التدخل في هذه العملية وتصويبها؟

 -

لقد أجريت تجارب من هذا القبيل على القوراض.. وتسنى تمديد حياتها.

 -

كم من الزمن؟

-

بنسبة 20%

 -

بنسبة 20%؟

-

نعم. وذلك نتيجة حقن القوارض بجينة تشفر انزيم تيلوميراز الذي أكمل بناء أطراف الكروموسومات.

 -

أفهم من ذلك أننا إذا اتبعنا المنطق العلمي.. وبعد التجارب على القوارض.. وبعد  مراكمة كثير من المعطيات المثبتة، فإن مثل هذه الأبحاث يمكن إجراؤها على الإنسان.. هل يمكننا القول إنه في المستقبل.. بعد حوالي خمسين عاما، ربما أكثر أو أقل، سيكون متاحا تمديد حياة البشر بنسبة 20% أيضا؟

 -

أعتقد أن تمديد الحياة بنسبة 20% ممكن الآن.. ولكننا نطمح بالمزيد. تكمن المسألة في أسباب الشيخوخة كثيرة. يمكن للعلماء أن يجدوا طريقة تلغي أو تقلل هذا السبب أو ذاك من أسباب الشيخوخة. ولكن تبقى أسباب أخرى. ولذا يجب العمل الجاد لتصميم علاج مركب متكامل من شأنه أن يؤثر على جميع أسباب الهرم دفعة واحدة. مثل هذا العلاج من شأنه أن يكون أكثر فعالية من العلاج المنفرد غير المتكامل. 

-

ولكن هل يمكن بذلك إنقاذ الدماغ من الهرم؟ في كل الأحوال الهرم جار... والتقدم في العمر على مستوى الخلايا في الدماغ أيضا حيث "الأنا".. "أنا" الإنسان. بالإمكان استعمال أي علاج مركب متكامل ووقف شيخوخة خلايا ما.. ولكن الإنسان عاجلا أم آجلا سيفارق "أناه" لأن دماغه عرضة للموت. وهذا ما سيكون على الدوام ما لم يُبتكر شيء ما ثوري في هذا المجال... أليس كذلك؟

 -

ولذا من المهم العمل على الطب التجديدي الهادف- من ضمن أمور أخرى-  إلى استحداث أساليب لترميم النسيج الحي. ولذلك من المهم جدا البحث عن أدوية لمرض الزهايمر. مبدئيا نحن نعلم أن ثمة أشخاصا يعيشون حتى سن 120 سنة مع احتفاظهم بسلامة العقل في مثل هذه العمر المتقدم. ولكن الأمثلة على ذلك ليست بالكثيرة. ولذلك يبدو لي أن هذه مهمة تقنية معقدة. أنا لست واثقا البتة بأننا سنحلها - مثلا-  في حياتنا أنا وأنت. ولكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي مستسلمين لأننا  جميعا سنموت في كل الأحوال. هذا الموقف لا يناسبني أبدا. يبدو لي أنه قبل الاستسلام لهذه الحقيقة يجب الكفاح من أجل حياتنا.. من أجل حياة الآخرين الأعزاء علينا. فالأمر لا يتعلق بتمديد حياتنا الخاصة فقط. بل ثمة العديد من الأشخاص الذين بودي جدا - على سبيل المثال-  أن أتعلم الحفاظ على حياتهم أطول ما يمكن.

 -

نعم. هذه مسألة مثيرة للاهتمام... يقول بعض أهل الدين إن العلماء منكبون على قضايا إطالة العمر تحديدا لأنهم لا يؤمنون بالله.. ولا يؤمنون بالآخرة. أما الذين يؤمنون بالبعث والنشور والحياة بعد الموت فليسوا في حاجة للعمر المديد. الحياة على الأرض بالنسبة لهم مرحلة عابرة وامتحان قبل حياة الآخرة الأبدية. ولذلك يواجهون الموت بشجاعة.

 -

فعلا إذا كان الشخص يفكر أن حياة أبدية تنتظره بعد الموت فيمكن تفهم موقفه عندما يرى أن لا ضرورة البتة لدراسة إطالة أمد الحياة. ولكن الحقيقة القاسية لوجودنا تتلخص في أن كل ما هو "شخصي".. "خاص"- أي ذكرياتنا وطباعنا وملكة الكلام والتفكيرعندنا... كل شيء.. كل ما هو جزء لا يتجزأ من شخصنا... كل هذا مادي. وهو نتيجة العلاقات بين (الخلايا العصبية) في دماغنا. فانتفاؤها يعني انتفاء وجودنا.

ولذلك أنا لا أفهم تماما كيف يستطيع الناس تصور حياة ما بعد الموت؟ فإذا لا يوجد مركز النطق لا نستطيع الكلام.. وإذا لا يوجد مركز البصر لا نستطيع الرؤية، ودون القشرة السمعية لا يمكننا أن نسمع، ودون قرن آمون لا يمكننا التذكر. فما هذه "الأنا" التي لا تتذكر شيئا ولا تحس شيئا ولا تعرف شيئا وحتى لا تستطيع ممارسة التأمل الذاتي؟؟... إنها لا شيء... خواء.

-

حسنا يا ألكسندر.. شكرا جزيلا لك.. تناولنا في حديثا بدقة وتفصيل مواضيع هامة جدا. أنا بانتظار كتبك الجديدة ليكون بوسعنا اللقاء مرة أخرى والتواصل حول مواد أخرى. شكرا جزيلا...

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا