أسرار انتظام وتناظر الجزيئات وظهور الحياة على الأرض. ماذا كان العامل الأساسي؟

العلوم والتكنولوجيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/olrs

نستضيف في هذه الحلقة العالم في البيولوجيا المتخصص في طاقة الخلايا البروفسور بجامعة موسكو الرسمية وجامعة أوسنابروك الألمانية أرمين مولكيدجانيان

ليحدثنا عن أسرار بداية الحياة على الأرض وما أذا كان الأمر بحاجة إلى تدخل قوة ما خارقة لانتظام الجزيئات وتشكيل المادة العضوية.

خالد 1 

أهلا بك أستاذ مولكيجانيان... بداية أعبر لك عن سروري البالغ لمشاركت في هذه الحلقة من برنامجنا، وأشكرك على تخصيصك الوقت لنا... سأعتمد، في لقاء اليوم، البحث الموسع الذي أرسلته إلي مسبقا. تبدو لي هذا البحث متاح للفهم للجمهور الواسع، وحتى لذوي التحصيل الدراسي في مجال العلوم الإنسانية. البحث شيق ومثير للاهتمام جدا، إذ يرصد تاريخ تطور المعارف العلمية عن أصل الحياة على كوكب الأرض، أو التخلق اللاحيوي (التولد التلقائي). وهو، عمليا، استعراضٌ تاريخي للأبحاث المتعلقة بذلك، منذ بدايتها في القرن التاسع عشر، وتطورها اللاحق في القرن العشرين، عندما حصل العلماء- بطريق التجربة- على اليوريا (البولة) وأولى الأحماض الأمينية.

وبعد ذلك تطور كل شيء بشكل عاصف، وتتابعت الاكتشافات الواحد إثر الآخر. وكلما كان العلماء يتعمقون في دراسة الخلية، ويتعرفون أكثر على بنيتها والعمليات التي تجري داخلها، كانوا يزدادون قناعة باستنتاج مفاده أن من المستحيل عمليا إعادة عملية نشوء الحياة في ظروف المختبر.

وتذكر في مقالاتك هذه أن الوسط العلمي لم يستطع حسم أمره في تحديد ما هو الأولي، الأسبق، في هذه السيرورة. هنا، ثمة بضع فرضيات، منها أن الأسبقية للحمض النووي الريبي، ومنها أن تاغشاء الخليوي ظهر أولا ومنها أن الأيض ظهر أولا... وغير ذلك.ويجمع العلماء اليوم، كما فهمتُ، على أن من الصعب جدا الحسم بأسبقية عامل واحد، وقد تكون هذه الأمور ظهرت جميعها بالتزامن. والأهم: أن عملية نشوء الحياة على الأرض من الصعب جدا إعادتها (تكرارها في ظروف المختبر).

هلاّ أوضحت لنا أيا من هذه التصورات النظرية، تلتزم؟ هل تؤيد من يطرح عاملا واحدا فقط كبداية للحياة، أم من يرى أن جميع العوامل كانت مهمة في البداية؟

مولكيجيان 1 

أنا أتناول هذه المسألة من ناحية تخصصي العلمي. بحسب الممارسة الأساسية، أنا أدرس عمليات تحول الطاقة في النظم البيولوجية. هذا هو طريقي في ميدان العلم. وأنا أعلم أن مجمعات البروتين المسؤولة عن تحول الطاقة في عضويتنا وفي النباتات، معقدة جدا جدا. يمكننا القول إنها بنى جُمعت من بروتينات مختلفة عديدة، يمكن رصد تاريخ كل منها على حدة. أي بوسعنا معرفة ماذا فعل هذا البروتين قبل أن يدخل في مجمع ما. أي أن مجمع البروتينات هو نقطة النهاية - وليس البداية - للتطور البيولوجي (الحيوي). ومع ذلك، من العلماء من يؤكد أن الحياة ظهرت لأن البنى البروتينية كانت قادرة على التقاط الطاقة، وعلى الأيض البسيط. أي أن في البداية كان الأيض... قبل كل شيء*

خ 3 

ولكن الأيض، كما أفهم، لا يمكن أن يكون سبب ولادة الحياة... أليس كذلك؟

م 2 

صحيح.. ولذلك أنا من أنصار وجهة النظر التي أشرتَ إليها. أولا، في البداية تكونت جزيئات تشبه الحمض النووي الريبي الحالي، أو ربما ظهرت جزيئات الحمض النووي الريبي مباشرة. وهذه الجزيئات معقدة، طبعا. ولم يكن بالإمكان أن تظهر بسرعة. وهي الآن أيضا، لا تظهر ببساطة. لقد ظهرت بفضل تضافر ظروف معينة، وبفضل استعمال الطاقة الضوئية، كما يبدو. لقد نُشرت، بدءا من عام 2009، بضعةُ أعمال أساسية في هذا المجال، يتبين منها أن ضوء الأشعة فوق البنفسجية يحمل قدرا كبيرا من الطاقة. والضوء يحفز، بنحو ما، تشكّل الأجزاء المكونة لهذه الجزيئات. فالجزيئات تحتاج إلى الطاقة... وقبل مليارات السنين لم يكن هناك طاقة بيولوجية. كانت ثمة طاقة ضوئية غير حية. ولكن هذه الطاقة تحديدا يسرت تكوين أولى الجزيئات... وفي ما بعد، أجريت على أساس تلك الأبحاث المذكورة، تجارب برهنت صحة ما تنبأنا به. إن جزيئات الريبونوكليوتيدات التي تكونت منها جزيئات الحمض النووي الريبي، هي – كما اتضح - الجزيئات الأكثر مقاومةً للأشعة فوق البنفسجية. يبدو أن مختلف الجزيئات تشكلت جراء تأثير طاقة الأشعة فوق البنفسجية. ولكننا نلاحظ أن بعضها لم يغير بنيته تحت التأثير اللاحق للأشعة فوق البنفسجية. وأن بعضا آخر قد غير بنيته، وتعرض لتحولات مختلفة قبل أن يتحول إلى جزيئات الحمض النووي الريبي، وهذا ما أثبت بالتجربة. أنا لا أتكلم نظريا. أي في البداية طُرحت فرضية، وبعد ست سنوات تأكدت بالتجربة. ولذلك، على الأرجح، أن بوليمرات معينة تشبه الحمض النووي الريبي، قد ظهرت أولا.

خ 3 

وهل باتت معروفة اليوم آلية ظهور (الانتظام التسلسلي)؟ أي آلية العملية المضادة للانتروبيا (العشوائية الأولية) التي جرت عندما بدأت الجزيئات تتحد مع بعضها البعض؟

م 3

* فيزيائيا، لكي يحدث الانتظام، لا بد من تجاوز فوضى الديناميكية الحرارية. من المعروف أن جميع النظم في الطبيعية تنحو إلى الفوضي، وللتغلب على ذلك، لا بد من مصدر طاقة دائم. وبفضل هذا المصدر يمكن المحافظة على الترتيب في أية منظومة كانت. وكما أسلفتُ، لم تكن على كوكب الأرض في الزمن الغابر، أية مصادر طاقة لمنظومات التفاعلات الكيميائية، غير طاقة الضوء. وهذه النتيجة، بالمناسبة، لم يتم التوصل إلى صوغها إلا منذ زمن قريب نسبيا. تكمن المسألة في أن التحولات والتفاعلات الكيميائية على الكرة الأرضية القديمة (في غابر الزمن) كانت تتطلب قدرا كبيرا من الطاقة. وطاقة الضوء تحديدا هي التي تتمتع بمثل هذه الكوانتات (الكميات) الكبيرة من الطاقة.  

خ 4 

وهل هذا هو السبب الوحيد لأهمية الطاقة الضوئية؟ يدرك الجميع مدى الأهمية التي تتصف بها بالنسبة لجميع الكائنات الحية، الطاقةُ الشمسية في أنواعها الثلاثة: الضوء المرئي، الأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية.

م 4  

نعم.

خ 5

ولكن لماذا الأشعة فوق البنفسجية تحديدا هي التي أدت إلى الترتيب؟ هل من جواب عن هذا السؤال؟

م 5

يتخلص الأمر في أن أولى جزيئات الحمض النووي الريبي كانت تمتص الضوء فوق البنفسجي فقط! على أية حال، طالما أننا نتكلم عن بنية معقدة جدا، كالحمض النووي الريبي، فهذا يعني أنها لم تحدث هكذا مباشرة. والسؤال عن نوع العلاقة بين طاقة الضوء والانتظام، سؤال مثير للاهتمام جدا. في عشرينات القرن الماضي، على وجه التقريب، صدر بحثان  تضمنا صيغة لتلك العلاقة. جوهر الأمر هو، أن التطور البيولوجي لا يعني اصطفاء أشكال ما من الروابط الناجحة، الملائمة، للحياة؛ بل- على العكس من ذلك-  يعني اندثار الأشكال غير الناجحة؛ فالاشكال الناجحة لا يحدث لها شيء... تعيش بسلام، وتنتج ذرية. أي أن الاصطفاء البيولوجي هو في حقيقة الأمر، ليس انتقاء الأفضل، بل انقراض الأسوأ. تهدف جهود الطبيعة إلى تصفية الرديء... ولذلك، عندما أقول إن فوق البنفسجي أحرق كل الجزيئات السيئة ما عدا تلك التي لم تكن تخشاه، فإنني أقصد تحديدا واقعة التطور هذه. وحدث أن جرى انتقاء جزيئات ما لم يطرأ عليها شيء. وكل ما عداها تحطمت، حتى لم يبق منها سوى أجزائها الأصلية، وذلك بتأثير طاقة الكوانتات فوق البنفسجية. وبعد ذلك تجمعت الجزيئات، على شكل أكثر تعقيدا، من هذه الأجزاء الأولية. خلاصة القول إنه في مراحل التطور الأولى انبثق الانتظام، لأن المنظومات المنتظمة كانت أكثر مقاومة لدرجات الحرارة العالية والضوء فوق البنفسجي. ولذلك بقيت حية.

خ 6 

 أي أنه كان لتشكل المواد عالية الوزن الجزيئي- البولمرات- دورٌ في بقاء بعض الجزيئات حيةً؟ إذ أن اتحاد جزيئات مختلفة كان ينقذ هذه المنظومة أو تلك من الاندثار تحت تأثير أشعة الشمس؟ هل هذا ما حصل؟

م 6

هذا ما كان، على الأرجح. ثمة تجربة قديمة تبين عملية التفاعل بين جزيئات الحمض النووي، أو الحمض النووي الريبي، مع الضوء. وهذه الجزيئات تتمثل هناك إما في شكل خيوط وحيدة، وإما في شكل الحلزون المزدوج المعروف لنا جيدا. في هذه الحالة سأتحدث عن الحمض النووي الريبي لأنه، على الأرجح، كان الأسبق عند نشوء الحياة. إذن، مقاومة الخيوط المجمعة في جزيء الحمض النووي الريبي كانت أعلى مئة مرة من الخيوط العشوائية المنفصلة.... مئة مرة, تصور...

خ 7

بالمناسبة، ثمة متشككون، حتى في أوساط البيولوجيين، يؤمنون بوجود طاقة كونية،  أطلقت هذه العمليات الحيوية. حتى أن بعضهم يقولون إن الطاقة كانت قادرة على إرغام الحمض النووي والحمض النووي الريبي على إعادة الإنتاج الذاتي، على التكاثر ذاتيا، وبذلك ظهرت الحياة. البشر لا يستطيعون أن يعيدوا إنتاج العمليات الاستقلابية، والطاقية، ولا عمليات التكاثر الذاتي، في المختبرات، لأنهم لا يمتلكون هذه الطاقة. والأكثر من ذلك، إن بعض العمليات الميكروبيولوجية، التي تتطور في اتجاهات مختلفة وتبدو لنا جميلة جدا ومنتظمة، تبدو كذلك لأن هذا أيضا من مسؤولية طاقة كونية لا نعرف عنها شيئا، ومن المستبعد أن نعرف عنها شيئا في الأفق المنظور.  هل توافق على هذه الآراء؟

م 7

كلا. لأننا لا نلاحظ، على مستوى دراسة النظم الميكروبيولوجية، أية طاقة مستترة من هذا القبيل... أو غير مرئية. وهي لا تتبدى في هذه النظم بأي شكل من الأشكال. أنا أدرك أن عند علماء الفيزياء بعض الغموض على مستوى الأبحاث المتعلقة بتفاعل الجسيمات الأولية البسيطة داخل النوى. وهنا، في هذا الموضوع، لا تزال بعض الجوانب بحاجة إلى الدراسة مستقبلا. ولكن النظم البيولوجية، من وجهة نظر الفيزياء، هي نظم كبيرة، وقد نالت قسطا من الدراسة الجدية. وفي البيولوجيا كل شيء يجري توصيفه كميا، وهذا لا يحتاج إلى البحث عن تدخل قوى ما إضافية. ولكن الأمر يختلف عندما يطرح البيولوجيون السؤال التالي: لماذا كل هذا يفعل فعله وفق هذه القوانين دون غيرها. لا يعرف العلماء من أين أتت هذا القوانين... ويصرحون بذلك علنا. ربما هناك قوة ما تحدد قوانين الطبيعة!!! هذا غير معروف.

خ 8 

يجهد العلماء طيلة هذا الوقت لجعل الحمض النووي الريبي يتكاثر ذاتيا؟ فهم يبذلون جهودهم، ولكن نجاحهم جزئي حتى مع تدخل العلماء والمساعدة... إذ لا نتيجة أبدا دون تدخل.

م 8 

كلا. بعض المنظومات تعمل ذاتيا، من تلقاء نفسها. في عام 2009 نُشرت أول مقالة علمية تتضمن توصيفا لتكوّن منظومة من بضع جزيئات قصيرة تكاثر الحمض النووي الريبي داخلها، وإن لم يكن بسرعة كبيرة.

خ 9

ولكن العلماء تدخلوا في العملية... ساعدوا على تراصف نوكليوتيدات وفق التسسل الذي يجب أن يكون. هذا ما جرى... أليس كذلك؟

خ 9 

هذه التدخلات لا مفر منها. وهذا ما تقوم عليه الحياة, فلا بد من الإيحاءات. إذا كانت عند العالم سلسلة واحدة من النوكليوتيدات وبمحاذاتها يرصف أخرى، فهو طبعا يتدخل في العملية، وإلا لن تسفر عن شيء. 

خ 10 

ولكن في الطبيعة جرة كل شيء دون تدخل الإنسان!

م 10

ولكن بدأت الحياة بشكل ما.

خ 11 

أم أنك تقصد أن كل شيء، بعض إطلاق المنظومة بمساعدة العلماء، سيجري من تلقاء ذاته؟  وستُكتشف آليات ما للتكاثر الذاتي؟

م 11

عملية إعادة الإنتاج الذاتي، التكاثر، تقوم دائما على الأساس الأولي، المبدأ الأصلي، أي على المصفوفة (القالب). لدينا، مثلا، مصفوفة... سلسلة من نوكليوتيدات الحمض النووي الريبي، تتراصف بالتوافق معها، حصرا، سلسلةٌ أخرى من النوكليوتيدات. وهذه العملية لامفر منها، ولا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال...فهذه هي الحياة. إذا كنا، نحن العلماء، نريد إعادة سيرورة نشوء الحياة، فعلينا أن نعي أن العملية تحتاج إلى إيحاءاتنا، إلى تدخلنا بقدر ما. إن النوكليوتيدات الضروية التي يستطيع العالم نفسه تنضيدها ذاتيا في سلسلة الحمض النووي الريبي، موجودة الآن في شكلها الجاهز، وتباع في مختبرات خاصة... وبواسطتها تُجرى التجارب. ولكن هذه النوكليوتيدات المستخدمة للتجربة، هي الأخرى جمَّعها بشر، إنما من مركبات كيميائية بسيطة ما. وهذه المركبات الكيميائية البسيطة موجودة في الطبيعة دائما، ولكن يمكن تجميعها في المختبرات أيضا.. ولهذا الغرض يُبنى الآن جهاز خاص في كندا. ولا أدري إن كان سيعمل  أم لا، ولكن من المؤكد أن العمل جار لبنائه. المهم أن تُخصص لذلك الأموال اللازمة.. وكندا تكفلت بنفقات البناء.  كما أن أعمالا من هذا القبيل تجري في اليابان، ولا أعلم من سيسبق الآخر. فاليابانيون أيضا عندهم تمويل قوي جدا.

خ 12 

حسنا، ثمة حجة أخرى عند المشككين في ما يتعلق بالتخلق التلقائي.

م 12 

نعم.

خ 13

يطرح المتشككون حجة قوية، فمن المعروف للجميع أن أساس كل ما هو حي على الأرض يعود إلى خلو بروتينات الأحماض الأمينية من التناظر، أو الكيرالية؛ وأنها (بروتينات الأحماض الأمينية) تتصف بالتناظر اليساري فقط. أما بقايا سكر الريبوز التي تدخل في تكوين جزيئات الحمض النووي والحمض النووي الريبي فلها يمينية فقط. مع ذلك، لا وجود لهذا الشيء عند المواد غير الحية؛ بل ليس معروفا كيف ظهر "النقاء الكيرالي" عند البروتينات والأحماض النووية. في هذه الحال، مرة أخرى يتذكر المتشككون العقل الأسمى،والطاقة الكونية، ويقولون إن هذا، أي ما ذكر أعلاه، لا يمكن أن يكون قد حدث هكذا، من تلقاء  ذاته.

هل من جوابٍ واضح، وتفسير علمي، لخلو المواد غير الحية من التناظر،الانعكاس المرآتي؟

م 13 

ظاهرة التناظر (الكيرالية) في البيوكيمياء مشروطة بكون الانزيمات تعرف بدقة أية جزيئات يجب أن تربطها ببعضها البعض، وتغيرها. الأنزيمات تعرف جزيئاتها وفق مقاييس محددة. هكذا أرادت الطبيعة. سأحاول توضيح ذلك قدر الإمكان. مثلا، يوجد جزيء له مجموعات كيميائية مختلفة، ناتئة باتجاهات مختلفة. الانزيم يتعرف على جميع هذه المجموعات، دون أن يرتبك ولا يخطئ أبدا في تحديد مجموعة أحد الجزيئات التي يجب ربطها مع مجموعة أخرى لجزيء آخر. ويقوم بكل شيء بشكل صحيح. وبهذه الدقة تماما يجري كل شيء في الجزيئات المتناظرة - النقيةكيرالياً. وإذا درسنا تركيبة جزيء الحمض النووي الريبي، سيتبين أنه يتألف من نوكليوتيدات، والنوكليوتيدات بدورها تتألف من قواعد نيتروجينية. وهذه هي تلك المركبات التي تعرف فورا، كيف تشكل الروابط والأزواج. هذه مركبات هامة جدا... وهي ليست كيرالية.

خ 14 

ولكن، بالمناسبة، أضيف... إن تشكيل هذه الروابط لا يتأتى للعلماء. هذه الروابط تبدو وكأن أحدا ما قد برمجها، ولا يتسنى اصطناعيا، بأي شكل من الأشكال، توحيد القواعد النتروجينية اللازمة وتشكيل نوكليوتيد.

م 14 

وهذه القواعد النتروجينية، أكرر القول، ليست متناظرة. ولكن السكر فيها متناظر. القواعد النتروجينية مرتبطة مع بعضها البعض بواسطة السكر والفوسفات. عندنا ريبوز أحادي السكاريد. هناك "ل- ريبوز"، وهو سكر صناعي. وهناك "د- ريبوز"، مكون طبيعي للأحماض النووية.

 وفي ما يتعلق بالريبوز، فإن مسألة أصل الحياة، لم تجد حلا لها في الوسط العلمي بعد. والسؤال هو: لماذا الطبيعة اختارت تحديدا "د- ريبوز" ليكون أهم عنصر في الحمض النووي الريبي والحمض النووي؟ أحد الأجوبة المحتملة: إن هذا الريبوز  يختلف عن بقية السكريات بكونه يحتوي ذرات كربون كثيرة، وفي كل منها توجد مجموعة هيدروكسيل وبروتينات. ومجموعات الهيدروكسيل هذه منعطفة باتجاه واحد، وحيدة الاتجاه، عند ال"د- ريبوز" فقط. وهذا، في الواقع، حدث نادر ما فيه الكفاية. ولذلك، إذا كانت ولادة الحياة قد جرت على سطوح طيني غني بالمعادن، فمن المحتمل أن يكون ال"د- ريبوز" قد بقي حيا لأنه تشبث بسطح من تلك السطوح بواسطة هذه المجموعات الهيدروكسيلية التي كانت منعطفة باتجاه واحد. مرة أخرى نجد أن العامل الرئيسي هو القدرة على البقاء قيد الحياة. وهذا أحد التفسيرات. ولكن، لننتبه إلى أن هذا التفسير لا يصلح إلا لـ "د- ريبوز". وبعد أن بقي "د- ريبوز" قيد الحياة صارت بقية المكونات العناصر متناظرة - كيرالية...

خ 15 

 مفهوم...

م 15 

.... وباقي العلميات جرت أوتوماتيكا...

خ 16 

... وباتت مفهومة لنا...

م 16

... أما لماذا تم اختيار ال"د- ريبوز" .. فهذا غير مفهوم.

خ 17

أي مع ذلك، ثمة شيء غامض، لا تفسير له حتى الآن؟

م 17 

نعم. علينا أن نبذل الجهد كي نعرف لماذا أثرت ال "د- ريبوز" في ظهور الحياة.

خ 18 

عند دراستك الطاقة البيوكيميائية ومسائل الجزيئات، ألم تشعروا أبدا أن هذه الجسيمات المفرطة في صغرها تتصرف وكأنها تتمتع بوعي ما، وبرمجة ما؟  إذا جاز التعبير، نحن نعرف ماذا يجري بعد التخصيب. نحن نعرف كيف تبدأ الخلية بالانقسام وفق قوانين معينة، منها تتحول إلى خلايا عصبية ومنها إلى عضلية، وبعضها شكلت الجلد كغطاء للجسم الخارجي. كل ذلك يجري وفق ترسيمة محددة بدقة؛ وعلى مستوى دراسة الخلية بيوكيميائيا، على مستوى العمليات الجزيئية... هل يجري كل شيء على هذا النحو تماما؟ وهناك أيضا، هل كل المركبات والجسيمات تعرف عملها، تعرف وظيفتها، وتتبع منهجية محددة؟ وإذا ما اختل شيء ما في هذه المنظومة، فسوف تتعطل بالكامل... ليس في قطاع أو جزء ما معين، بل حالا في مجمل المنظومة... ألا تشعر بذلك؟

م 18

كلا. سأحاول أن أوضح لك الأمر... لا يجوز أن نبخس التطور، النشوء والارتقاء، حقه. استغرق الاصطفاء أربعة مليارات سنة. وهذا يعني شيئا ما... أليس كذلك؟ وعندما كان يجري في عملية التطور شيء غير مضبوط، كانت  تحدث طفرة فورا. وصاحب هذه الطفرة كان يؤدي وظيفته على نحو أسوأ، وبعد ذلك كان ببساطة يغادر مسرح الحياة على الأرض. ولذلك، على مستوى الجزيئات، وخاصة في المنظومات الحية، كل شيء مضبوط، ويعمل على نحو جيد. الخلايا حقيقيات النوى عند الإنسان، وخلايا النبات، أي الخلايا ذات النواة، معقدة التكوين. وفيها كثير من التماثلات الميكانيكية المختلفة التي يمكن النظر فيها. أما خلايا العضويات، الكائنات البسيطة، مثلا، البكتريات والعتائق، فتكوينها بسيط. وهذه كيس صغير جدا من غشاء دهني مليء بجزيئات بروتينية، أو جزيئات عضوية معقدة تتحرك داخل الكيس بحرية نسبية، وتتفاعل مع بعضها البعض... ولا شيء أكثر هناك. ولكنها أيضا، وبفضل التطور، مكونةٌ على نحو يجعلها تعرف بعضها بعضا... وهي تتفاعل بعضها مع بعض، تتعرف بعضها على بعض، وتعرف مع من يجب أن تتحد.  يتحد جزيئان فيتشكل مركب ما. يقترب منه جزيء ثالث، يعرف مكانه على سطح هذا المركب فيستقر فيه. وهذا التشكيل الذي أعبر عنه شفهيا، مهم جدا. وباعتبار أن جميع المكونات مضبوطة بشكل مثالي، فتبدأ أداء عملها دون خلل. ولذلك لا وجود لأية أسرار أو خفايا على مستوى أبسط الكائنات الحية، كالبكتريا. ولو أن أي شيء، في أي حين، صار غير مثالي في مثل هذه المنظومة، بسبب طفرة، فلن  تعيش فيها حتى أبسط الأحياء. فهذا ما تقوم عليه الحياة. الأشكال غير الناجحة تتلاشى، وتزول من التطور.   

خ 19 

هل أفهم من كلامك أن مسألة الاصطفاء ظهرت حتى قبل ظهور الحياة على الأرض، عندما كان كل شيء لايزال على مستوى الجزيئات؟ عندئذ، في أية مرحلة من مراحل اتحاد الجزيئات يمكن وصف ذلك بالحياة، كما نفهمها الآن؟ اليوم، هذه المسألة معقدة، كما في السابق، وحدود الجواب عنها  واهية... هل هذا صحيح؟

م 19

نعم.. صحيح. فلقد جرى، فعلا، اصطفاءٌ ما على الأرض، حتى على مستوى ما قبل الحياة. هذا محتم. جرى انتقاء جزيئاتعضوية سابقة(بنى جزيئية). نحن لا نعرف كيف كانت، ولكن العلماء قدروا بدقة أنها كانت موجودة. وهذه الجزيئات في ما بعد، ربما زُجت في عملية نشوء الحياة. وأنت على صواب، في ما يتعلق بعدم وجود تحديد صارم للتخوم بين الحي وغير الحي. هذه المادة تُناقش في الأوساط العلمية. وثمة من يكتب عن ذلك مقالات مطولة.. مثلا، عند العلماء ما يسمى التعريف العلمياتي، الجاهز، إذا كان الشخص لا يريد الكلام كثيرا عن ولادة الحياة. والتعريف من باب التملص الساخر، هو: "ذكرت وكالة "ناسا" أن الحياة منظومات كيميائية عرضة للنشوء والارتقاء، الدارويني". أي أن هذا عملية تعيد إنتاج نفسها بنفسها. وهذا كل شيء!.... وأنا، يمكنني أن أدحض هذا التعريف المبسط لأنني اشتغلت على هذه المسألة وأقول لك - لا يوجد جواب محدد.

خ 20

أي أنك لا توافق على القول إن التفسير الوحيد للحياة هو القدرة على التكاثر، إعادة إنتاج الذات؟

م 20 

هاك مثالا بسيطا... عن الفيروسات. الفيروسات لا تستطيع التكاثر ذاتيا. بل تتكاثر بمساعدة حامليها. ثمة فيروسات بسيطة للغاية لا تنطبق عليها أية تعريفات للحياة. وهي تفتقد إلى المحافظة على "الاتزان الحيوي" (الهوميوستاز)، وإلى الأيض (الاستقلاب، التمثيل الغذائي). وهي جسيمات دقيقة لا تعيش منفردة، وليست حية بحد ذاتها. ولكن ما إن تدخل الخلية حتى تبدأ على الفور، وبشكل ما، بالتكاثر بمساعدة الخلية ذاتها. إن 90% من سمات حياة الفيروسات تختفي عندما لا تكون داخل الخلية. في مؤتمر حول المسائل المتعلقة بأصل الحياة، تعارفت مع بيتر أونراو Peter Unrau، عالم البيوكيمياء والميكروبولوجيا الشهير، وصاحب بحث كبير عن تكوين الحمض النووي الريبوزي. وأثناء الحديث روى لي ما لم أكن أعلم به... مثلا،  تبين أن على المستوى الميكروبيولوجي توجد في الطبيعة أشباه الفيروسات. وهي تتكون فقط من الجزيء الدائري للحمض النووي الريبوزي بطول أكثر من أربعمئة نوكليوتيد. ولا شيء عدا ذلك. لا بروتين، ولا شيء سوى الجزيء الدائري للحمض النووي الريبوزي... كان أونراو آنذاك منكبا على دراسة هذا الحمض.

خ 21

وأين توجد ؟

م 21 

أشباه الفيروسات هذه تسبب الأمراض للمزروعات.

خ 22

واضح...

م 22 

اكتشفت أشباه الفيروسات هذه عند دراسة الأسباب التي تؤدي إلى مرض المحاصيل الزراعية، كالطماطم، والبطاطا وغيرهما. هذه الأمراض تسببها أشباه الفيروسات.حدثني بيتر أونراو عنها قائلا: "كنا نأخذ شبيه الفيروس هذا، وندعكه بورقة من النبات، وبعد ذلك بشكل ما، كان يتغلغل في بنية الورقة، ويبدأ بالتكاثر هناك". هنا تجدر الإشارة إلى أن أشباه الفيروسات، كمسببة للأمراض، اكتشفت منذ عشرينات القرن العشرين... وفي السبعينات منه عُرفت  خصائصها بمزيد من التفصيل. أي أنها كانت تحت الدراسة، ولكن لم يكن معروفا كيف تسبب ما تسببه.

خ 23 

مفهوم.

م 23

أونراو كان يسأل "هل هو حي أم لا؟  إنه يهتم بنفسه. يبحث عن خلية لكي يتكاثر. ولكنه لا يكترث للبشر".

خ 24

يعني أن شبيه الفيروس هذا يبدأ يتكاثر عندما يقع في خلية النبات حصرا؟

م 24 

 نعم. وعندئذ تظهر بقع بيضاء اللون على أوارق نبتة الطماطم مثلا. ونتيجة ذلك،  في الواقع، اكتشفت أشباه الفيروسات؛ فلو لم تكن ثمة بقع، لما علم أحد بوجودها أصلا. اي أن كل منها يبقى على قيد الحياة كما يستطيع. لأن شبيه الفيروس إذا لم يتكاثر، يختفي. واشباه الفيروسات، بشكل ما، ترغم خلية العضويات الغريبة على مساعدتها في التكاثر، على جعلها تتكاثر. الطماطم والبطاطا تقوم بذلك. هذا أمر معقد جدا. فجميع بنى الخلية تعمل بانسجام تام، وكأن كل جسيم يفهم أنه إذا لم يكن في إيقاع واحد مع غيره، فإن الخلية ستموت، وصاحبها سيموت، وهذه البنى ستموت. نحن نلاحظ في العضويات المعاصرة خلايا مضبوطة جيدا لأنها بقيت حية جراء انسجامها. فكرة العمل المنسجم مهمة جدا على كل المستويات في البيولوجيا، وكل الأشياء يجب أن تناسب بعضها بعضا. *كلها تعمل معا داخل الخلية.. ثم الخلايا نفسها تعمل معا في العضوية. ولا يحدث ذلك بسبب فكرة، بل لأن الخلايا إذا لم تتصرف على هذا النحو ، فإن حامليها سيموتون... وبالتالي هي نفسها ستندثر. إذ تبقى فقط تلك التي تعمل بانسجام.

خ 25 

دكتور نلقاك في الأسبوع القادم سررت بهذا الحديث

م 25

وأنا كذلك. شكرا جزيلا على اهتمامكم.

خ 26 

دمتم بخير.

م 26

إلى اللقاء.

 

 

 

 

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا