حقنة ضد النازية

أخبار الصحافة

حقنة ضد النازية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hp3i

اعتبرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية في تعليق بمناسبة الذكرى الـ70 لمحاكمة مجرمي النازية والفاشية أن خطر طاعون النازية لا يزال ماثلا رغم اجتثاث رؤوس قاماته ومؤدلجيه قبل سبعة عقود.

وتزامنا مع استضافة العاصمة الروسية موسكو في الـ31 مايو/أيار الجاري المؤتمر الدولي "سبعون عاما على محكمة نورنبيرغ ودروس التاريخ"، كتبت الصحيفة أن مفعول اللقاح المضاد للنازية الذي تم حقنه للعالم قبل عقود، صار يضمحل وينحسر على ما يبدو.

وأشارت إلى أن المجتمعين في مؤتمر موسكو الدولي، أعادوا إلى الأذهان أن الدول الكبرى استطاعت من خلال محكمة نورنبيرغ تخطي الخلافات بينها إعلاءا للعدالة، فيما لعبت محاكمة مجرمي النازية دورا كبيرا في نشوء القانون الدولي المعاصر وتبلوره.

ونقلت عن فلاديمير كوزنيتسوف رئيس مكتب الأمم المتحدة الإعلامي لدى موسكو قوله في هذه المناسبة، إن القرارات التي صدرت عن محكمة نورنبيرغ ما انفكت تحظى بأهميتها في يومنا هذا، نظرا لأن تجربة هذه المحكمة أظهرت حقيقة استحالة القبول بأن تتحول المعتقدات العرقية البالية وغيرها مسوغا للمذابح والقتل الجماعي.

وشدد كوزنيتسوف على ضرورة الإخلاص لمبادئ نورنبيرغ، ونبذ جميع محاولات انتهاك القانون الدولي واعتبر أن محاكمة نورنبيرغ هي التي ولّدت محكمة الجنايات الدولية القادرة على منع اقتراف الجرائم ضد الإنسانية من جديد.

وأشارت الصحيفة إلى أن المشاركين في المؤتمر، ركزوا بشكل خاص على بحث القضايا المتعلقة بمدى تطبيق القانون الدولي والتقيد بأحكامه في الوقت الراهن، حيث أكد أليكسي مويسييف عضو اللجنة التنفيذية للرابطة الروسية للقانون الدولي، أن أوكرانيا تواصل انتهاك المبادئ التي رسختها عملية نورنبيرغ، وأن أقطاب السلطة الأوكرانية سوف يتحملون المسؤولية لا محالة عن الجرائم المرتكبة في بلادهم.

يلينا غوسكوفا رئيسة من مركز بحوث أزمة البلقان المعاصرة لدى أكاديمية العلوم الروسية، أعادت إلى الأذهان ما شهده التاريخ المعاصر من سوء تطبيق القانون الدولي وتحريفه، حينما جرى تشكيل المحكمة الدولية حول يوغوسلافيا السابقة لإعادة تدوين تاريخ انهيارها، إذ تعكف هذه المحكمة على تحقيق هدف سياسي أوحد يتمثل في إدانة شعب دون سواه بإشعال جميع الحروب في البلقان.

ولفتت غوسكوفا النظر إلى أن نسبة المدانين من الصرب بقرارات من المحكمة المذكورة حتى سنة 2009 بلغت 67 في المئة، فيما برّأت الكثير من المسلحين الألبان، المسؤولين عن المذابح التي تعرض لها الصرب في كوسوفو.

أولغا ميلنيكوفا التي مثلت إلى المؤتمر الدائرة الإعلامية لدى وزارة الخارجية الروسية، اعتبرت أن محكمة نورنبيرغ كانت أول جهاز يدين جرائم دولة بأكملها، وأنه لا يمكن غفران الجرائم التي اقترفها قادة ألمانيا النازية.

وأشارت رغم ذلك، إلى تناسي البعض في العالم ما خلصت إليه محاكمات نورنبيرغ، فيما تزداد أعداد العصابات العنصرية، وتتفاقم النعرات العرقية، فضلا عن استمرار محاولات تمجيد النازيين وتبييض صفحتهم.

وذكّرت ميلنيكوفا بأن الجرائم الإرهابية في النرويج أو في مدينة أوديسا الأوكرانية لا تختلف شيئا عن مذابح القتل والتهجير التي شهدتها مدينة لفوف السوفيتية سنة 1941 على أيدي النازيين والموالين لهم من عناصر قومية بين أبناء المدينة المذكورة إبان الاحتلال الهتلري لها.

وفي تغطية الحوارات التي شهدها المؤتمر، سلطت الصحيفة الضوء على ما خلص إليه الدبلوماسيون والخبراء المشاركون، الذين أجمعوا على أن المبادئ التي أسست لها محكمة نورنبيرغ، صارت تتعرض للتآكل وبشكل متدرج.

ونقلت عن سكرتير الأمانة العامة لوزارة الخارجية الروسية إيفان كرافتشينكو قوله، إن المحامين الذين ترافعوا عن مجرمي النازية خلال محكمة نورنبيرغ، أوردوا مسوغات أرادوا منها تبرير ما اقترفه موكلوهم، بينها أنه لا يمكن محاكمة زمرة بعينها وتحميلها المسؤولية عن جميع الجرائم، وأن الألمان عانوا كضحاياهم أيضا، فضلا عن محاولات نفي معاناة الشعب السوفيتي، والمساواة ما بين هتلر وستالين.

وأعرب عن دهشته، تجاه أن العبارات والمصطلحات التي كانت تحاول المساواة بين ستالين وهتلر، جرى دحضها وتفنيدها خلال عملية نورنبيرغ، فيما عادت لتطفو على السطح من جديد لتتلقفها وسائل الإعلام الغربية وتروجها.

وأضاف أن العمل مستمر بشكل متدرج على غسل الأدمغة وصياغة تاريخ جديد يطرح على أوروبا، تبدو فيه روسيا دكتاتورية مدحورة، وحذر في هذه المناسبة من احتمال أن يدخل القانون الدولي مرحلة مظلمة، معربا عن أمله في أن تبقى محاكمة نورنبيرغ منارة يهتدي بها العالم.

وأشارت الصحيفة إلى أن القائمين على المؤتمر كرسوا الجزء الثاني منه للصحفيين، بما للصحافة وما تكتبه من دور كبير، لا يتوجب أن يحمل أثرا هداما في طياته.

غينادي بورديوغونوف، رئيس المجلس الدولي لـ"رابطة باحثي المجتمع الروسي"، يرى بدوره، أن محاكمة نورنبيرغ قد حددت أطر الحروب التقليدية، فيما يعايش العالم في وقتنا هذا حقبة من الحروب الهجينة.

وأعرب عن ثقته بأن استمرار الحروب الإعلامية بلا قيد أو رقيب، قد يكون له تأثير منقطع النظير على آراء الناس وفكرهم.

أما ليونيد مليتشين مدير قسم البرامج التاريخية لدى "القناة العامة الروسية"، فقد اعتبر أن محاكمة النازيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قد كشفت حينها عن العلاقة بين الرأي العام العالمي والدعاية الرسمية التي كانت تحرض هذا الشعب أو ذاك على الآخرين.

وشدد على ضرورة فهم طبيعة الدور الذي يتعين على الصحافة لعبه في ظل الأنظمة الشمولية، وتجاوز سابق انخراطها في الدعاية الشمولية الموروثة عن الماضي، معتبرا أن الدور الأول والأخير في ذلك يعود للصحفيين بعينهم.

واستذكر أن أحد مجرمي النازية الذين أدانتهم محكمة نورنبيرغ كان صحفيا، وأنه لم يتورط في أي جرائم قتل، بل أشرف على إصدار مجلة "شتيورمير" المعادية للسامية، وعكف على تربية الكراهية في قلوب الألمان التي حرضتهم على الجريمة.

هذا، وتعتبر محاكمات مدينة نورنبيرغ في بافاريا الألمانية والتي عقدت أولى جلساتها في أكتوبر/تشرين الأول 1945 وتوالت طيلة عام كامل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أشهر عملية قضائية شهدها التاريخ، حيث شكلت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا ومحورها الفاشي، محكمة مشتركة أصدرت أحكامها بحق قادة ألمانيا النازية ممن ارتكبوا جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

كما قاضت المحكمة المذكورة أطباء الدولة النازية الذين أجروا التجارب على البشر، واختبروا عليهم العقاقير والأدوية كفئران المختبر.

المصدر: "إزفيستيا"