إلى متى يصمد الاتفاق بين روسيا والسعودية بشأن النفط؟

أخبار الصحافة

إلى متى يصمد الاتفاق بين روسيا والسعودية بشأن النفط؟
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء اجتماع قمة مجموعة العشرين (يونيو 2019)
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/obra

حرب باردة جديدة تلوح في الأفق. لكن هذه المرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث يعاد مرة أخرى تدريجيا تقسيم العالم إلى كتل.

ومع ذلك، وعلى عكس الحرب الباردة الأخيرة، لا يوجد ولا يتوقع أن يوجد في المستقبل القريب تكافؤ عسكري بين الكتل، فمن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها أقوى. حتى الآن تواصل الصين محاولاتها في التهرب من النزاع، ولا تتخذ خطوات لاستقطاب حلفاء وإنشاء معسكر خاص بها.

ورغم ذلك، لن يمكنها الإفلات. هناك إجماع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية على قضية الصين، ومن غير المرجح أن تؤدي خسارة دونالد ترامب المحتملة للانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى تغير في مسار المواجهة الأمريكية الصينية على نحو كبير. وبعد العقوبات على بكين بسبب هونغ كونغ، ستكون هناك عقوبات بشأن الإيغور، ثم عقوبات بسبب فيروس كورونا، ثم بسبب الطقس السيئ أو الجيد في الصين.

كما يؤكد خبراء النظريات العسكرية، هناك نوعان من الحروب: محدودة – من أجل فرض شروط خاصة، وأخرى شاملة – من أجل التدمير الكامل للخصم. اليوم، لا تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى حلول وسط وإنشاء آلية جديدة لحق النقض في مجلس الأمن، كما كان الحال مع الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية. أعتقد أن ثمن القضية وخطورة التحدي سيكسبان الحرب الأمريكية المحتملة ضد الصين شخصيتها الشاملة.

في نفس الوقت، فإن الترسانة النووية الصينية الكبيرة تجعل من حرب التدمير "الساخنة" أمرا بعيد الاحتمال. ما تبقى هو الحرب الاقتصادية، التي يجب أن تكون، نظرا لاستحالة الحرب الحقيقية، شرسة قدر الإمكان. بالكاد يمكن استبعاد العمليات العسكرية، لكنني أظن أن الشكل الأكثر احتمالا لها هو الحصار البحري بهدف وقف التجارة، والخنق الاقتصادي للصين من أجل الدفع نحو انهيار اقتصادي، ثم انهيار سياسي ومزيد من التفكك للبلاد.

لقد استخدمت الطاقة أكثر من مرة كسلاح، وهي هنا سوف تصبح حتما سلاحا في المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين. علاوة على ذلك، ربما يكون النفط، نظرا لاعتماد الصين على واردات الطاقة، هو السلاح الرئيسي. دعونا نتذكر أن اليابان دخلت الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1941، حينما فرضت الأخيرة عليها حظرا نفطيا . والتاريخ كثيرا ما يميل إلى تكرار نفسه.

بناء على ذلك بدأ الانقسام إلى كتل في قطاع الطاقة. ولم يكن ضغط الرئيس الأمريكي على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من أجل صفقة "أوبك+" سوى العلامة الأولى على ذلك، وينتظر الرياض بهذا الصدد الكثير من المحادثات الصعبة مع واشنطن في المستقبل.

قبل بضع سنوات، كتبت أن المملكة العربية السعودية والخليج ككل سيتعين عليها الاختيار بين الولايات المتحدة الأمريكية كضامن لأمنها، والصين كشريك اقتصادي رئيسي. يبدو لي أن هذا الاختيار يجب أن يتم في العام أو العامين المقبلين، وحتى الآن ليس لدى الرياض بدائل حول أي قرار تتخذه. بل سيتعين على العالم أجمع أن يتخذ مثل هذا الخيار، وستدفع الولايات المتحدة الجميع إلى التحالف المناهض للصين، ولن تتمكن من الإفلات من العضوية في إحدى الكتل والاحتفاظ ببعض حرية المناورة سوى الدول الأكبر والأقوى على غرار روسيا والهند وبعض الدول الأخرى، إذا ما رغبت في ذلك.

ونتيجة لذلك، سيكون لدى بعض منتجي النفط منافذ خاصة بهم محميّة من المنافسين. على العكس من ذلك، تخاطر بعض الدول المنتجة للنفط مثل فنزويلا وإيران بالتهميش التام، وفقدان حصتها من السوق. وسيتعين على كثيرين خفض الإنتاج.

في سياق العقوبات الأمريكية ضد "السيل الشمالي"، وبشكل عام بسبب انخفاض الطلب، تعاني روسيا من خسائر في سوق الطاقة الأوروبية، لذلك، وبطبيعة الحال، يتم توجيه الصادرات الروسية إلى حد ما نحو الصين.

قبل يومين، وردت أنباء تفيد بأن شركة "غاز بروم نفط" الروسية نجحت لأول مرة في شحن أول دفعة من نفط القطب الشمالي إلى الصين. كذلك صرح رئيس شركة "غازبروم"، أليكسي ميلر" بأن حجم إمدادات الغاز الروسية إلى الصين في السنوات القادمة سيكون مساويا للإمدادات إلى أوروبا. بالإضافة إلى خط أنابيب غاز "قوة سيبيريا" الحالي مع الصينيين، يجري العمل على بناء خطين جديدين آخرين، حيث سيصل حجم الغاز المصدر بعد إطلاق هذين الخطين إلى 130 مليار متر مكعب.

ربما تكون روسيا المصدر الوحيد الآمن والمضمون للطاقة في الصين تحت ظل العقوبات الأمريكية، وحتى الحصار البحري.

لقد استوردت الصين حوالي 10.1 مليون برميل نفط يوميا عام 2019، بما في ذلك 1.7 مليون برميل يوميا من المملكة العربية السعودية، وهو ما يعادل 17% من الواردات الصينية، بينما بلغت صادرات النفط الروسية إلى الصين في العام نفسه 1.6 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل 16% من الواردات الصينية، كما تستورد الصين بالإضافة إلى ذلك 25% من وارداتها من العراق وعمان والكويت والإمارات.

كان حجم جميع صادرات النفط الروسية عام 2019 قد بلغ حوالي 5.2 مليون برميل يوميا، أي نصف الواردات الصينية. وفي حال فرض حظر أمريكي على الصين، ستتمكن روسيا من زيادة إنتاجها وصادراتها إلى الصين دون قيود. في المقابل، ستواجه أوبك، بما في ذلك المصدرون العرب، زيادة في المعروض من النفط في سوق تستثنى منه الصين. أضف إلى ذلك انخفاض استهلاك النفط بسبب الأزمة الاقتصادية التي بدأت لتوها! وفي الوقت نفسه، فإن ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية على روسيا لا تحظى بفرصة كبيرة للنجاح، في حين سيتعين على حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الخليج تحمّل وطأة تخفيض الإنتاج. بطبيعة الحال سوف تصبح اتفاقية "أوبك+" في هذه الحال بلا معنى.

قد يستغرق تنفيذ هذا السيناريو الجذري على أرض الواقع وقتا طويلا، إلا أن المثل الصيني القديم يقول: "إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة".

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا