العمى السياسي والأمية التاريخية في البيت الابيض!

أخبار الصحافة

العمى السياسي والأمية التاريخية في البيت الابيض!
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/nv08

تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي رامي الشاعر في "زافترا" حول موقف الولايات المتحدة من دور الاتحاد السوفيتي في الانتصار على ألمانيا النازية.

نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض على موقع فيسبوك في الساعات الأولى من يوم التاسع من أيار/مايو مقطع فيديو بمناسبة مرور 75 عاما للنصر على النازية، ظهر فيه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، والسيدة الأولى وهما يضعان إكليلا من الزهور على قبر الجندي المجهول، بينما نسمع في المقطع صوت الرئيس الأمريكي معلقا:
"لقد مضى 75 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، التي تطورت معها علاقاتنا منذ ذلك الحين، لتصبح أقوى من أي وقت مضى. في هذا اليوم من عام 1945، انتصرت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى على النازية. وبينما نحتفل بيوم النصر الأوروبي، سوف نتذكر دائما أجيالنا الأعظم. دوما سوف تنتصر الروح الأمريكية، وهذا ما سيحدث دائما في النهاية".
وفي المنشور المصاحب للمقطع على "فيسبوك"، نشر حساب البيت الأبيض العبارات التالية: "في الثامن من مايو عام 1945، كان النصر حليفا لأمريكا وبريطانيا العظمى على النازيين! دوما سوف تنتصر الروح الأمريكية، وهذا ما سيحدث دائما في النهاية".
كما نرى ونسمع ونقرأ بكل وضوح، لا وجود لأي دور للاتحاد السوفيتي في ذلك "النصر الأوروبي" الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي.
يكفينا أن نعود لأرقام ضحايا الحرب العالمية الثانية التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية: ضحايا الاتحاد السوفيتي (8 مليون و668 ألف قتيل من العسكريين، عدا عن 4 مليون ونصف ممن ماتوا جراء العمليات العسكرية)، ضحايا المملكة المتحدة (450.900 قتيل، و67.200 ماتوا جراء العمليات العسكرية)، وضحايا الولايات المتحدة الأمريكية (419.400 قتيل، و12.100 ماتوا جراء العمليات العسكرية)!
وتجدر الإشارة الى أن المعطيات الغربية عن عدد ضحايا الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، أقل بكثير عن الواقع. فالأرقام تشير إلى أكثر من 27 مليون، مدني وعسكري قضوا دفاعا عن الوطن ولتخليص العالم من وباء النازية والفاشية.
أعتقد أن إنكار البيت الأبيض للدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي، وللتضحيات الجبارة، التي قدمتها الشعوب السوفيتية والجيش الأحمر لتحقيق الانتصار على النازية، وإنقاذ البشرية من نير الفاشية، هو دليل ساطع على وجود لوبي داخل الإدارة الأمريكية، يتحدى الحقائق والوقائع والأحداث، ويحاول عبثا تزييف التاريخ المحفور بدماء ملايين الضحايا، الذين تتحدث عنهم عشرات الملايين من الخطابات "المثلثة"، التي لا زال الأبناء والأحفاد يحتفظون بها من شعوب روسيا والاتحاد السوفيتي السابق (كان الجنودالسوفيت، بسبب أزمة في ورق الكتابة، يكتبون الخطابات ويطوونها على هيئة مثلث دون مظروف، ويدونون العنوان على أحد الجوانب، بينما كانت الرسائل الرسمية من إدارة الجيش بشأن الوفاة تأتي مربعة الشكل. لهذا، كانت الأهالي تنتظر الخطابات المثلثة بلهفة وتحتفظ بها، وتهاب الخطابات المربعة).
لقد كان العلم الذي رفع على مبنى "الرايخستاغ" في برلين علما سوفيتيا، لكن روسيا لم تتجاهل يوما دور الحلفاء سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا، اللذان ساهما أيضا في القضاء على النازية، ودائما ما ذكر الاتحاد السوفيتي، وتذكر روسيا أن القوات الأمريكية دخلت برلين الغربية في نفس الوقت الذي سيطر فيه الجيش الأحمر على برلين الشرقية، وحينما كان الجيش الأحمر السوفيتي قد حرر جميع أراضي أوروبا الوسطى والشرقية ورابط في معظم أجزائها . فكيف يمكن للرئيس الأمريكي أن يتجاهل ذكر دورالاتحاد السوفيتي في كلمته التي ألقاها بمناسبة مرور 75 عاما على القضاء على النازية، على الرغم من اعتراف الولايات المتحدة رسميا بهذا الدور بموجب اتفاقية يالطا الموقعة بين الاتحاد السوفيتي وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في شباط/فبراير من عام 1945؟!
إن اللوبي، الذي يتعمد إنكار دور الاتحاد السوفيتي في النصر على النازية، يسعى من خلال ذلك إلى تجاهل أحد أهم إنجازات هذا النصر في وضع أحد الأسس المتينة لبناء عالم متعدد الأقطاب، وتعزيز مبادئ الأمن والاستقرار الدوليين، والتي ترسخت بقوانين الأمم المتحدة، وتحددت بتعريفات مفاهيم التعاون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
إنه نفس اللوبي الذي يسعى اليوم إلى توسيع حلف الناتو، وحصار روسيا، وشن حرب هجينة تلجأ لكل الأساليب، والتي نوه عنها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في واحد من خطاباته بمناسبة مرور 75 عاما على النصر، مشيرا الى الأعمال التخريبية التي شهدتها روسيا منذ عشرين عاما في شمال وشرق منطقة القوقاز الروسية، وغيرها من المناطق التي كانت قوى خبيثة تعبث بها، بهدف تقسيم روسيا وإضعافها.
إنه اللوبي الذي لا زال يتوهّم القدرة على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، واستعادة أحادية القطبية، وبسط هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على كل العالم والسيطرة عليه والتحكم به، وإذا كان ذلك ضربا من الأحلام والأوهام ما قبل جائحة كورونا، فهو الآن ضرب من الجنون والهلاوس.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فكما ادعت الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان رئيسها، النصر على النازية بمشاركة بريطانيا العظمى وحدهما، أعلنت أيضا القضاء على التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، وهو أمر شديد الغرابة. فقبل أن ترسل روسيا قواتها الجوية الفضائية إلى الأراضي السورية، بناء على طلب من السلطات السورية، سبتمبر عام 2015، كانت هذه المنظمات الإرهابية تسيطر على 90% من سوريا، على الرغم من وجود قوات أمريكية وحلفاء لها في مناطق الشمال الشرقي لأكثر من عام على التدخل العسكري الروسي، وكانت دمشق في تلك الآونة محاصرة، ومهددة بالدمار خلال أيام.
السؤال: ماذا فعلت إذن القوات الأمريكية طوال عام كامل؟
بعد بدء العمليات العسكرية الروسية في سوريا، تم تحرير 80% من الأراضي السورية، وقضي على معظم التنظيمات الإرهابية الدولية خلال عام تقريبا بمساعدة الجيش السوري وإيران، وتكلل هذا النصر مؤخرا بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي بين روسيا وإيران وتركيا (مسار أستانا)، يضمن أربع مناطق لخفض التصعيد، ووقف إطلاق نار شامل في سوريا، بينما يستمر العمل الآن على فرز العناصر الإرهابية المتبقية عن المعارضة المعتدلة في شمال غرب سوريا.
عن أي دور تتحدث واشنطن، حينما تقول إنها قضت على الإرهاب الدولي في سوريا؟
على الجانب الآخر، لا يجوز أن ننكر الدور الذي لعبته واشنطن في تسليح الأكراد وتدريبهم في أماكن تواجدهم (على الرغم من الوجود غير الشرعي للقوات الأمريكية على الأراضي السورية)، حيث لعب الأكراد دورا مهما للغاية في محاربة التنظيمات الإرهابية المسلحة في شمال شرقي سوريا، بمساندة القوات الأمريكية، وقدم الأكراد الكثير من الضحايا، وخاضوا معارك بطولية ضد تنظيم داعش والقاعدة، وهو أمر لا ينبغي إنكاره.
أتوجه بحديثي ختاما إلى العقلاء في الإدارة الأمريكية:
أما آن الأوان أن يوضع حد لذلك اللوبي الأرعن، الذي يتعمد تجاهل الحقائق وتشويه التاريخ والإبقاء على توتر العلاقات مع روسيا؟
ألم يحن الوقت للمبادرة بترطيب الأجواء، ونزع فتيل التوتر في العلاقات الدولية، والقيام بخطوة هي الأهم استراتيجيا، بالحفاظ على اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية؟
إن بإمكان واشنطن القيام بدور فعال وبنّاء في تسوية الأوضاع في شمال شرقي سوريا، من خلال تشجيع الأكراد على المشاركة في المسار السياسي لعملية الانتقال السلمي في سوريا، استنادا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينص على وحدة الأراضي السورية واحترام السيادة.
بإمكان واشنطن أن تكون وسيطا بين الأكراد وتركيا، وإنهاء الوضع الملتهب، ووضع حد لكافة التوترات والمواجهات، من خلال التوصل إلى حل يضمن لتركيا أمنها القومي بالدرجة الأولى، ويمنح الأكراد حقوقهم القومية في مناطق تجمعاتهم، بالحفاظ على لغتهم وثقافتهم وحرية ممارستهم لتقاليدهم الشعبية والتاريخية، وهو ما ينبغي اعتماده بدستور كل دولة على حدة، سواء في تركيا أو سوريا أو العراق، على النحو الذي لا يهدد وحدة أراضي أي من هذه الدول.
تستطيع واشنطن أن تساهم بدور كبير في إحلال الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتكتب اسمها في التاريخ بحروف من ذهب، إذا ما توفرت الإرادة السياسية داخل البيت الأبيض للشروع في ذلك بدلا من المحاولات العبثية لتزييف التاريخ وتشويه الحقائق.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا