هل يكسب كورونا قادة الدول المضطربة مناعة ضد التهور السياسي؟

أخبار الصحافة

هل يكسب كورونا قادة الدول المضطربة مناعة ضد التهور السياسي؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/nhu3

تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي رامي الشاعر حول تداعيات تفشي كورنا على السياسة الروسية والعالمية وفي بؤر النزاع بالشرق الاوسط.

وصلني عدد من الرسائل من بلدان عربية مختلفة، وبعضها من روسيا، تتضمن تساؤلات حول موضوعات الساعة وعلى رأسها التعديل الدستوري في روسيا، والهدف منه في الوقت الراهن، خاصة وأن الفترة الرئاسية للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا زالت في بدايتها. كذلك تضمنت التساؤلات انتشار فيروس كوفيد-19 الذي اشتهر باسم "كورونا"، ومدى انعكاسه على القضايا الإقليمية والدولية، وكذلك مصير المسارات السورية والفلسطينية والليبية واليمنية.

أتفهم جيدا درجة القلق والفضول الذي يعتري أصحاب هذه التساؤلات، ممن يتابعون الأحداث السياسية اليومية في عالم أصبح يتغير كل ساعة لا كل يوم.
فأما ما يخص المبادرة التي طرحتها في مجلس الدوما أول رائدة فضاء في العالم، فالنتينا تيريشكوفا، التي تتعلق بتعديل الدستور الروسي ليسمح للرئيس فلاديمير بوتين أن يرشح نفسه لفترات رئاسية أخرى، وعدم التقيد بفترتين فحسب، فإنه قد تم بالفعل الموافقة على طرح هذا التعديل الدستوري ضمن تعديلات أخرى للاستفتاء على الشعب الروسي، وحصل التعديل على موافقة الأغلبية العظمى من البرلمانيين لصالحه. وحال موافقة الشعب على التعديل الدستوري، فسيصبح من حق الرئيس بوتين، إذا ما رغب في ذلك، أن يترشح من جديد عقب انتهاء فترته الرئاسية الحالية، وهو ما يعني أن هناك احتمال كبير لبقائه في موقع الرئاسة في العشر سنوات المقبلة.
إن مغزى ذلك التعديل الذي تم اعتماده برلمانيا واضح للغاية ويرتبط مباشرة ببرنامج وهدف سياسي محدد، تتبناه القيادة الروسية بغرض الاستمرار في النهج الذي يقوده الرئيس الروسي لتعزيز قوة روسيا العسكرية والاقتصادية والسياسية، ومواجهة كل المحاولات الأمريكية الغربية التي تحاول عرقلة ترسيخ عملية انتقال العالم من النظام العالمي أحادي القطبية إلى نظام التعددية القطبية، وهي عملية بدأت منذ عشر سنوات. إذن ليست القضية قضية تمديد فترة حكم رئيس لمدة أطول، وإنما الأمر أعمق من ذلك بكثير، خاصة وأن روسيا تقف اليوم في مجابهة مباشرة مع حلف الناتو، الذي يستخدم كافة الوسائل ضدها بما في ذلك العقوبات والحصار الاقتصادي، بالإضافة إلى توسيع قواعد الناتو العسكرية بالقرب من الحدود الروسية، سواء في أوروبا الشرقية أو في الشرق الأوسط، وذلك بالتزامن مع حرب هجينة إعلامية مخابراتية تخريبية، وهو ما يتطلب اتخاذ خطوات سياسية داخلية لمواجهة كل ذلك، حيث يأتي التعديل الدستوري الحالي في سياق ذلك الوضع الشائك، وهو ما يكسب التعديل الدستوري أهمية قصوى في تعزيز هذه المواجهة لعشر سنوات أخرى، تنتهي حتما بانتصار نظام التعددية القطبية.
يمر العالم اليوم بكارثة تهدد البشرية بأسرها، وهي فيروس كوفيد-19 متناهي الصغر، والذي لا يفرق بين العالم الثالث والعالم الأول، بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، بين أوروبا وإفريقيا، بل إنه لا يفرق بين مسؤول سياسي رفيع ومواطن عادي، بين غني وفقير أو بين أبيض أو أسود، كل البشر سواسية أمام التحدي الكبير الذي تفرضه هذه الكارثة العالمية.

لعل ذلك الفيروس يكون عبرة للبشرية كي تتعاون في مواجهة المصاعب والمصائب التي يمكن أن تصيبنا جميعا، لعل ذلك يدفع البشرية أن تتخلى عن التحالفات والمواجهات، وتحقيق المصالح الخاصة لأطراف ما على حساب أطراف وشعوب أخرى. لعله قد أصبح واضح للعيان ضرورة تعزيز مكانة الأمم المتحدة، والانضواء تحت مظلتها، وتقويتها كي تصبح التحالف الوحيد الذي يشارك فيه الجميع سواسية، والذي يمكن أن يضمن حقوق الدول، ويحترم سيادتها، ويساعدها على الازدهار والتقدم وحماية البيئة والفضاء وكل ما يحيط بالكرة الأرضية، وهو أمر لا يتحقق سوى بالجهود المشتركة من كافة الدول حول العالم، فوحدنا نستطيع تطهير عالمنا من كافة الجراثيم والفيروسات والميكروبات، حتى ننعم بالصحة والأمن والاستقرار، وهو ما تسعى إليه روسيا، وغالبة المجتمع الدولي اليوم.
في الشرق الأوسط والعالم العربي، لا شك أن فيروس كوفيد-19 "كورونا" قيّد الكثير من نشاطات الأمم المتحدة والأطراف الدولية التي تسعى لحل الأزمات المتعددة، التي تعيشها المنطقة وعلى رأسها الأزمات السورية والفلسطينية واليمنية والليبية، والتي تعاني من فيروس أكثر فتكا من "كورونا"، فيروس صنعه الإنسان بنفسه، يفتك بآلاف البشر عن عمد من خلال تفشي العداء والحقد والجهل بين أبناء الشعب الواحد، لتجد السوري يقتل أخاه السوري، واليمني يقتل اليمني، والليبي يقتل الليبي، وهو وباء قد ينتقل إلى الفلسطينيين، إذا لم ننتبه لخطورة استمرار الانقسام الفلسطيني أكثر من 10 سنوات. إنه أمر عصي على الاستيعاب، خاصة في ظل ما أعلنته واشنطن عن صفقة القرن. لقد آن الأوان للقيادات الفلسطينية أن تشرع في رأب الصدع بين الأخوة، ليلتئم الجسد الفلسطيني الواحد، ولنستعيد الوحدة الفلسطينية التي نحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى، لإنعاش منظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الوحيد المعترف به دوليا، ممثلا عن جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج. لابد من عقد المجلس الوطني الفلسطيني بمشاركة من حماس وتنظيم الجهاد الإسلامي، والعودة إلى الاستناد في نضال الشعب الفلسطيني على قاعدة حركة التحرر الوطني، لأن حقوق الشعب الفلسطيني، المحددة بقرارات الأمم المتحدة، مسلوبة، وله كامل الحق في النضال من أجل استعادتها، إلا أن الإطار الوحيد الذي يمكن أن يخرج الوضع الفلسطيني الحالي والكارثي من الفخ الذي نصب له، هو من خلال الوحدة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. أقول أن الفخ الذي نصبته تل أبيب وواشنطن ممثلا في "اتفاق أوسلو" يهدف إلى تهيئة الأجواء لتخلي المجتمع الدولي عن قرارات الأمم المتحدة التي تثبت حقوق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ولن تجدي أي جهود سواء على مستوى الرباعية الدولية أو غيرها دون استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، على قاعدة الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية.
فيما يخص الشأن السوري، فقد أصبحت الظروف مهيأة للقيادة في دمشق، وللمعارضة كي يجلس الجميع حول طاولة التفاوض، بعدما أصبح وقف إطلاق النار يشمل كافة الأراضي السورية، وأصبحت السيادة السورية على كل التراب السوري ثابتة ومضمونة، بفضل مسار أستانا، بمشاركة روسيا وإيران وتركيا، وكذلك بفضل الاتفاق الذي جرى في مطلع هذا الشهر في موسكو، بين الرئيسين بوتين وأردوغان. الآن لم يتبق سوى الاتفاق بين السوريين أنفسهم، على أن تكون الأولوية لإنقاذ الشعب السوري من هذا الوضع غير الإنساني، فإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، لن تكون هناك قيمة أو فائدة لأي حكومة أو معارضة أو حاكم في سوريا.
إن ما يدمي القلب حقا، ما يدور على الأرض في سوريا. ففي الساعات الأخيرة تسلمت عائلة أبو حلاوة في ضواحي درعا شهادات وفاة أبنائها الثلاثة: حسام وهيثم وأحمد، في يوم واحد، من إدارة السجون، وكان اعتقالهم من المفروض أن يخضع لنظام التسوية، الذي تم التوصل إليه في الجنوب. وتلك حادثة واحدة من حوادث تتكرر مع الأسف الشديد، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا يعي المسؤولون في دمشق أن هذه الممارسات تقوض كل الجهود التي تبذلها كل الأطراف لاحتواء الأزمة السورية، وهل لا يدرك المسؤولون أن انفجارا جديدا من الممكن أن يحدث، وتفقد الحكومة من جديد أي سيطرة على هذه المناطق؟ إن كل المعطيات تشير إلى أن الوضع في الجنوب شديد التوتر، وهناك استياء شعبي عام، لعدم إطلاق سراح الكثير من المعتقلين، وخاصة الذين سلّموا نفسهم بناء على اتفاق الهدنة، واتفاقية مناطق خفض التصعيد.

في الشأن الليبي، تفتقد ليبيا لقيادات وطنية تضع نصب أعينها أولويات على رأسها إنقاذ الشعب الليبي من براثن الحرب الأهلية. فلا زال طرفا الصراع في ليبيا يسعيان للسيطرة على الأراضي، والهيمنة على خيرات ليبيا، حتى وصل بهم الحال إلى القيام بجولات إلى الدول الغربية بهدف استعادة أموال ليبيا المودعة لديهم من أيام حكم القذافي، مقابل منحهم امتيازات في استثمار موارد ليبيا، التي تمثل مستقبل الأجيال القادمة . ألم يكن من الأجدى بالأطراف المتنازعة أن تجلس إلى طاولة الحوار وتتوصل إلى اتفاق يعيد ليبيا إلى وضعها الطبيعي المستقر، ويضع القيادة في خدمة الشعب وازهار الوطن؟

إن اليمنيين شعب بالغ الطيبة، والتسامح، تسري في عروقهم دماء الأصالة والعراقة والحضارات القديمة، وهم قادرون على تجاوز أزمتهم بأنفسهم، لكن ذلك يتطلب من الأطراف الخارجية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، كما يتطلب الوضع اليمني أيضا مد يد العون من المؤسسات الدولية للحصول على دعم إنساني للخروج مما يوصف بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم. نتمنى أن تنضج الأطراف الإقليمية المؤثرة، والمتورطة في الأزمة اليمنية، وأن تتخلى عن أجنداتها العابرة للحدود، وتسلك مسارا بناء لدعم جهود الأمم المتحدة واليمنيين للخروج من الأزمة اليمنية في أقرب وقت ممكن.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا