روسيا والتسوية السورية: كيف صب "نبع السلام" في ساقية بوتشاروف

أخبار الصحافة

روسيا والتسوية السورية: كيف صب
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/mo93

عثرت قبل أيام خلال فرزي لمواد ووثائق قديمة، على عدد للمجلة البريطانية "إيكونومست" بتاريخ أكتوبر 2015، نشر فيه مقال بعنوان صاخب "بوتين، حامي الشيعة" (Putin, Shampion of the Shias).

عنوان المنشور يعكس بدقة الأجواء التي سيطرت على فضاء الرأي العام الغربي إبان بدء عملية القوات الجوية الفضائية الروسية في مكافحة الإرهاب في سوريا.

تتلخص الفكرة الرئيسية في أن روسيا مع "إيران الشيعية التي شرعت في دعم نظام بشار الأسد العلوي والدموي"ترتكب خطأً جيوسياسياً خطيراً تشطب فيه آفاق التعاون مع الدول العربية السنية (المقصود بها دول الخليج) ويبدو أنها بذلك تحرض شعبها المسلم ضدها والذي معظمه من أتباع السنّة. بعبارة أخرى تنبأوا لنا بعزلة دولية ومشاكل سياسية داخلية.

ماذا الذي نراه اليوم؟ روسيا- مشارك في جميع أشكال التسوية السورية من دون استثناء - انطلاقاً من المجموعة الدولية لدعم سوريا، حيث تلعب دولتنا مع الولايات المتحدة دور الرئيس المشارك وصولاً إلى صيغة أستانا، حيث نجحت روسيا مع "تركيا السنية" و "إيران الشيعية" (هنا أستعمل المصطلحات الغربية عمداً ) في إيجاد حلول لأكثر جوانب الملف السوري تعقيدًا. زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في منتصف الشهر أظهرت المستوى الاستراتيجي للعلاقات بين روسيا وأكبر الممالك الإقليمية (أذّكر، على سبيل المثال، أن إعلان الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والإمارات العربية المتحدة قد تم توقيعه في عام 2018، أي بعد ثلاث سنوات من بدء عملية القوات الجوية الفضائية الروسية في سوريا). يتطور التعاون متعدد الجوانب مع قطر. تجري مناقشة الرؤية الروسية للأمن الجماعي في منطقة الخليج. بالنسبة للجزء المسلم من سكاننا، يكفي أن ننظر إلى عمل الشرطة العسكرية الروسية التي يشكل "حصة الأسد" فيها ممثلون عن جمهوريات شمال القوقاز، موجودة في معظم مناطق سوريا. بالمناسبة: المسلمون الروس لا يدعمون فقط سياسة الدولة في سوريا، بل ويساهمون بنشاط في تنفيذها "على الأرض". روسيا هي الدولة الوحيدة التي لديها قنوات تعاون واتصال مع جميع دول المنطقة من دون استثناء، وكذلك مع أطراف النزاع مباشرة، أي مع الحكومة السورية ومجموعات المعارضة السياسية والمسلحة (باستثناء الهياكل الإرهابية) ومع المنظمات الكردية.

الأسس المنطقية البدائية، التي اعتاد عليها الغرب في السنوات الأخيرة، لا تعمل في ظروف الشرق الأدنى والشرق الأوسط. لقد أثبت نشاط صيغة أستانا، الذي تتعاون بنجاح في اطارها دول، لها أجندة مختلفة وفي بعض الحالات متضاربة، فشل استخدام اساليب التفكير الاستقطابي في الملف السوري. الاختلافات فيما يخص دمشق الرسمية لا تمنع التعاون البرغماتي (وللمفارقة!) خارج الإطار الايديولوجي بين روسيا وإيران وتركيا حول مواضيع محددة بهدف إيجاد حلول فعالة.

الأسس المنطقية البدائية التي اعتاد عليها الغرب في السنوات الأخيرة لا تعمل في ظروف الشرق الأدنى والأوسط.

الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في 22 من أكتوبر بعد مفاوضات دامت لساعات طويلة في سوتشي بين الرئيس بوتين ورجب طيب أردوغان والتي تدعو  للمساهمة في خفض التصعيد في شمال شرق سوريا هي تأكيد واضح على ذلك. الضجة التي نجمت عن مذكرة سوتشي في المجتمع الدولي قابلة للمقارنة فقط مع رد الفعل على الاتفاقيات التاريخية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في عام 2013  حول إزالة وتدمير الأسلحة الكيميائية السورية التي وكما هو معروف حالت دون تنفيذ سيناريو استخدام القوة والذي بدا حينذاك أمراً لا مفر منه.

اقترحت روسيا عندها وما زالت حلولًا غير قياسية في ظروف كان فيها الشريك كما يقولون غير مسرور بالوضع الذي خلقه. في عام 2013  كان هذا "الخط الأحمر" السيئ السمعة لأوباما حيث لم يستطع الرئيس الأمريكي السابق وبدون فقدان ماء الوجه التراجع عن الخطط المصرحة علنًا لمهاجمة سوريا (رغم أنه حتى أقرب حلفائه "البريطانيين" رفضوا دعمه). إن مبادرة الرئيس الروسي والتي تنص على تجريد سوريا من الأسلحة الكيميائية بإدارة دولية قد وضعت حينها الأساس السياسي والقانوني والنفسي لاتخاذ قرار بالتخلي عن العملية العسكرية والتي كان من الممكن أن تتحول إلى كارثة أخرى في المنطقة.

اليوم وسط التصور الدولي الغامض للعملية التركية "نبع السلام" (وبالأخذ في الاعتبار الاجتياح المعلن، كان من المتوقع أن تزيد الانتقادات بما في ذلك من قبل الحلفاء في الناتو)، اقترحت روسيا حلاً مقبولاً للأطراف في حين أخذت على عاتقها مجموعة التزامات معينة (خاصة فيما يتعلق بسحب التشكيلات الكردية من المنطقة المتفق عليها). لقد تم اتخاذ خطوة كبيرة تجاه استعادة وحدة الأراضي السورية. إن الإشارات إلى اتفاق أضنا عام 1998 بين سوريا وتركيا وتصريحات الرئيس بوتين ذات الصلة تتجاوز المخطط المحلي وتفتح رؤية القيادة الروسية تجاه الخطوات التالية على مسار التنظيم السياسي: هذا تقارب بين دمشق وأنقرة والحوار السوري الكردي. هذه المواضيع المترابطة جزئياً والتقدم الحالي الملموس ذات الصلة سيسمح لنا بالحديث عن تشكيل اصطفاف مبدئي جديد من شأنه تغيير الخريطة العسكرية والسياسية للتسوية السورية. لا شك أن روسيا التي تقيم حوارًا مع جميع اللاعبين الداخليين والخارجيين المحتمل مشاركتهم في هذه العمليات قادرة على لعب دور الوسيط الفعال هنا.

يجلب التعاون الروسي التركي بشأن سوريا نتائج جديدة وخارقة وتدل على الاستدامة. ولم يكن تكوينها "مسيرة سهلة". ومع ذلك فإن البراغماتية وإدراك المسؤولية تجاه عواقب التدهور المحتمل للعلاقات - سواء بالنسبة لجدول الأعمال الثنائي أو في سياق الوضع في الشرق الأوسط والادنى – حالت دون سيادة الانفعالات وسمحت بمواصلة الخطوات لتوسيع التعاون.

 

رهان روسيا على العمل مع لاعبين إقليميين يمتلكون تأثيرا "على الأرض" لم يأت بنتيجة غزل سياسي ما، بل جاء في إطار عائدات ملموسة محتملة من هذا التعاون.

بالتفكير تباعا بالشراكة الروسية التركية حول المسألة السورية، من الصعب تجاهل التشابه، لأنه، وبهذا الشكل، دفعت تجربة سلبية مماثلة موسكو حينها لتفعيل التعاون مع تركيا، والتجربة مرتبطة بمحادثات لم تكن بالسهلة مع الولايات المتحدة حول مسألة شرق حلب.

واشنطن لم تف بالتزاماتها بـ"خارطة الطريق" التي تم التوصل إليها وفق لتفاهم ثنائي لنزع السلاح من المدينة، ولم تسحب الولايات المتحدة قوات المعارضة المسلحة من طريق "كاستيللو". روسيا أدركت الأسباب الحقيقية وراء عجز الولايات المتحدة عن الوفاء بوعدها في هذا الإطار، والسبب كان في افتقاد الأخيرة لتأثير حقيقي على القادة الميدانيين للمسلحين، وهذا ما دفع بموسكو للبحث عن شركاء موثوقين من بين بلدان المنطقة. مسألة شرق حلب تم حلها في فترة قصيرة قياسيا في إطار الحوار مع تركيا استنادا إلى إجراءات أممية (سحب المسلحين إلى إدلب).

حينها بالضبط ظهرت مبررات لتشكيل إطار أستانا. اليوم مالت كفة التاريخ إلى الجهة المعاكسة، وتركيا الآن في خيبة من إطالة الجانب الأمريكي لأمد المحادثات حول المنطقة الآمنة شمال شرق سوريا، وآثرت الاتفاق مع روسيا التي أظهرت نفسها كشريك يجيد الوفاء بالوعود.

رهان روسيا على العمل مع لاعبين إقليميين يمتلكون تأثيرا "على الأرض" لم يأت بنتيجة غزل سياسي ما، بل جاء في إطار عائدات ملموسة محتملة من هذا التعاون. يتضح كل شيء عن طريق المقارنة، إذ يكفي أن نتذكر ضعف الالتزام بالاتفاقات الروسية الأمريكية لعام 2016 حول تطبيق نظام عام لوقف إطلاق النار في سوريا، ونقارن ذلك بالهدنة المتفق عليها مع تركيا بدعم إيراني في بداية عام 2017. قرار موسكو وأنقرة بـ"إسكات المدافع" لم يؤد لمجرد خفض نوعي لمستوى العنف، بل وأعطى إمكانية لتجميد الأوضاع "على الأرض" عن طريق تشكيل 4 مناطق لخفض التصعيد.

وفي نفس الوقت فإن إطار أستانا وبعكس مختلف التحالفات غربية المحور، هو شراكة مبنية على منطلقات طوعية، ولهذا السبب فإن المحادثات الروسية الموازية التي انطلقت بدعم من بلدان المنطقة بما فيها مصر مع الجماعات المعادية لدمشق لم تتعارض مع اتفاقات أستانا، وأفضت إلى انتقال شبه خال من إراقة الدماء لثلاث مناطق مشابهة إلى سيطرة الحكومة السورية.

أما حول المنطقة الرابعة، أي إدلب، تسري مذكرة اتفاق روسية تركية من 17 سبتمبر 2018، ويتم في إطارها تطبيق إجراءات تهدف لخفض التصعيد. بالإضافة إلى ذلك، وفي إطار "مثلث" أستانا بالذات، تكللت بالنجاح جهود تحريك العملية السياسية السورية المتعثرة في أروقة الأمم المتحدة، وذلك بتنظيم المؤتمر الوطني السوري للحوار في يناير/كانون الثاني من عام 2018 في سوتشي، وبالاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية، الأمر الذي أعلنه الرؤساء فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني في 16 سبتمبر/أيلول عقب قمة ثلاثية في أنقرة.

كل ما جرى ذكره أعلاه هو انتصار حقيقي للدبلوماسية متعددة الأطراف التي تم التوصل إليها بجهود روسية حاسمة، وهذا طبعا يثير امتعاض الغرب، ففي منشورات وخطابات الساسة والخبراء هناك يطفو على السطح شعور بالغيرة أسيء إخفاؤه بخصوص "نمو التأثير الروسي في المنطقة" وفقا لتعبيرهم.

وفي هذه الظروف يمكن أن نترقب محاولات لـ"شيطنة" إطار أستانا، أو التقليل من شأنه على أقل تقدير، وبشكل خاص، في إطار الأنشطة المرتقبة للجنة الدستورية. كذلك لن ينسى "الشركاء" مشهد إدلب، ولكن كما يقول المثل الشرقي: "القافلة تسير والكلاب تنبح"، وهذه القافلة ما فتئت تزداد طولا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ازدياد عدد الدول المراقبة في إطار أستانا.

إن تطور الأوضاع حول سوريا سيحدده على المدى الزمني المتوسط على أقل تقدير عامل هام آخر يتعلق بموقف العالم العربي. عودة سوريا إلى كنف الأسرة العربية، والتي يجب أن تبدأ باستئناف عضويتها في جامعة الدول العربية، ستسمح كما أعتقد بالحديث عن تشكيل واقع جيوسياسي جديد أساسا، وعن حلحلة الأزمة السياسية السورية نهائيا. الوضع في سوريا سيصبح جزءا من صورة إقليمية أكبر، لينزاح التركيز إلى عملية البحث عن "توازن" بين مختلف اللاعبين (إيران، تركيا، العرب، إسرائيل). روسيا من دون أدنى شك يمكنها هنا أيضا أن تلعب دورها في الوساطة.

فعالية المسار الروسي في سوريا تأتي من الجمع بين الدور المسؤول لروسيا كعضو دائم في مجلس الأمن من جهة، ومن جهة أخرى من عملها الناجح في إطار تحالفات مرنة مبدأ عضويتها ليس المصالح السياسية كما في النموذج الغربي المسمى "نادي المصالح"، بل إمكانية ابتكار حلول واقعية ناجعة. فلسفة السياسة الخارجية الروسية متحررة من العمى الآيديولوجي، ومن منطق "من ليس معنا فهو ضدنا"، وتقدم هذه السياسة ذخرا قويا للانفتاح ولإيجاد حلول لأعقد مهام العصر، وذلك في إطار مماثل من الشراكة؛ إطار متوافق مع روح العصر.

بقلم ليونيد سلوتسكي، رئيس لجنة الدوما للشؤون الدولية.

(بوتشاروف روتشي "منتجع الرئيس الروسي في مدينة سوتشي")

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

سيارات كهربائية فاخرة بمواصفات مبهرة!