مازوت وصابون في قاع الصندوق الروسي السعودي!

أخبار الصحافة

مازوت وصابون في قاع الصندوق الروسي السعودي!
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/mjaa

"حين توفي بكرنا شميل بكيته بحرقة. وفي الغرفة المجاورة كان زوجي عبد الكريم حكيموف يلتقي الملك عبد العزيز بن سعود دون أن يعلم بمصابنا".

هكذا حدثتني المرحومة "خديجة خانم"، عقيلة أول مبعوث دبلوماسي بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا عام 1917 إلى جدة.

كان كريموف كسب ثقة واحترام أهل اليمن، الذين يعتبرون آباء كل القبائل العربية الأصيلة، وأطلق عليه إمام اليمن آنذاك لقب" الباشا الأحمر"، لتميزه عن القناصل الآخرين، بسلوكه الأرستقراطي الرفيع، وأفكاره الثورية التي هزت العالم حينها ببناء النظام الاشتراكي على أراضي الإمبراطورية الروسية البائدة.

مازوت وصابون في قاع الصندوق الروسي السعودي!

حدثتني "خديجة خانم" وكانت على مشارف العقد التاسع، حين التقيتها مطلع تسعينيات القرن الماضي.

"حين سمع الملك نحيبي، وكنا نقطن في مسكن من غرفتين جنبا إلى جنب من مبنى القنصلية الروسية، سأل بن سعود زوجي، ما الخطب؟ فرد حكيموف، توفي ولدي شميل بمرض التيفؤيد، قبل ساعة ولم نشأ إزعاجكم بالخبر".

أفاضت (خديجة خانم) وكانت ذاكرتها ساطعة مثل شمس جزيرة العرب.

"هب الملك واقفا، وعانق زوجي معزيا، وأمر مرافقيه بتنظيم جنازة لفقيدنا البكر الوحيد وأوعز  بدفنه في مقابر مكة المكرمة.

لم تتوفر (لخديجة خانم) فرصة في عمرها المديد لزيارة قبر نجلها في الأراضي المقدسة. بيد أنها ظلت تتفاخر بأن شميل دفن في أرض النبي العربي محمد بن عبد الله ( ص).

ورغم العسف، واختفاء عقيلها في غياهب زنزانات القمع الستاليني، عام 1936 بوشاية، وضياع أثره، إلا أن السيدة التي، أمضت عشر سنوات في معسكرات الاعتقال، وفارقت الدنيا الفانية على مشارف العقد المئوي، تتذكر مشاهد كثيرة من حياتها وزوجها في مدن الملح والرمال، حين كانت موسكو السوفيتية، تسدي المعونة للدولة السعودية الفتية بإرسال شحنات من المازوت ومواد غذائية، وحتى الصابون.

كان حكيموف، دبلوماسيا موهوبا، تحمس لمهمته في بلد الحرمين، ليس بدوافع دينية خالصة، فهو مسلم من أسرة موسرة، لكنه كان يرى في الدولة الناشئة مجالا حيويا، للدولة الروسية الجديدة بقيادة البلاشفة المنتمي إليهم فكريا.

فالتقارير التي أميط اللثام عنها مؤخرا من الأرشيف السري للدولة السوفيتية، وعكف، الأكاديمي المستعرب، فيتالي ناؤومكين، على تحقيقها؛ تكشف عن أن مبعوثي البلاشفة، وفي مقدمتهم عبد الكريم عبد الرؤوف حكيموف، كانوا تلمسوا الآفاق، والإمكانيات الضخمة التي تخفيها رمال المملكة الفتية، والتي ستصبح بعد سنوات قليلة من الاختفاء القسري (للباشا الأحمر) في أقبية ستالين، دولة إقليمية مؤثرة وثاني أكبر منتج للنفط في العالم.

أكدت المرحومة (خديجة خانم)، أن حكيموف أقام صلات مع مختلف رؤساء قبائل الجزيرة العربية، وكان يتصل بقناصل الدول الكبرى في جدة، ويلتقي القنصل البريطاني، ويجتمع بشكل منتظم مع جون فليبي، الذي أصبح عبد الله فليبي، بعد اعتناقه الإسلام وكان أحد أبرز مستشاري الملك بن سعود، وحين تنتهي اللقاءات التي كان الدبلوماسي اللامع، يصر على أن تجرى في مبنى القنصلية أو في السكن، كان يسارع بكتابة التقارير التي تحتاج إلى فريق من الباحثين لتحقيقها إن سمحت السلطات الروسية بنشرها.

وظل المرحوم حكيموف وفيا للعرب كل سنوات عمره القصير. واستحق التكريم من أبناء جلدته التتر، بمتحف يخلد اسمه، وتراثه في مدينة (أوفا) على شح الوثائق التي توفرت في السنوات الخوالي.

ولعل آخر مؤلفات الأكاديمي ناؤومكين ( الشراكة المتعثرة - الدبلوماسية السوفيتية في المملكة العربية السعودية بين الحربين العالميتين)، تمثل إضافة كبيرة، ليس لأرث السفير المغدور حكيموف وحده، بل ولمجمل الدور السوفيتي ونشاط دبلوماسيي موسكو حقبة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

المجلد يتألف من 834 صفحة بطبعته العربية ويضم وثائق غير مسبوقة من الأرشيفين الروسي والبريطاني.

وبذل المترجمان اللامعان خيري الضامن وعبد الله حبة، جهدا متميزا في تدقيق وتحقيق الأسماء والمواقع، وأنجزا ترجمة رائعة للسفر الذي يضاف  لأسفار الباحثين الروس المواظبين على اقتحام ملفات التاريخ، في رفوفها العالية ودانية القطوف. 

سلام مسافر    

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا