وادي بردى: الواقع والمآلات

أخبار العالم العربي

وادي بردى: الواقع والمآلات
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/iein

يمثل وادي بردى منبعا للحياة ومصدرا لتزود دمشق بالمياه، إلا أن حالة التوتر في المنطقة أثرت على ذلك، وجعلتها خاضعة للتفاهمات بين فصائل المعارضة المسلحة والجيش السوري.

فقد شكلت منطقة وادي بردى على مر تاريخ الريف الغربي للعاصمة السورية دمشق محط أنظار السياح المحليين والقادمين من الخارج على حد سواء، نظرا لما تتمتع به من تضاريس غنية متنوعة، جبلية وسهلية، وكثافة بالمساحات الخضراء التي وهبتها الطبيعة لتلك المناطق، ومناخ صيفي معتدل، على أن الأبرز في عناصر غناها وتميزها يتمثل بالهبة السماوية لتلك المنطقة وبالتالي لريف دمشق برمته ومدينة دمشق تحديدا، وهما نبعا مياه الفيجة ونهر بردى الغنيان بالمياه العذبة الصالحة للشرب من منبعهما مرورا بمجراهما وصولا الى المستهلك  دون حاجة إلى أي تدخل من قبل أي عنصر إضافي من عناصر التحلية وماشابه إلى تركيبها، وهذه المياه العذبة عبارة عن نتاج غزارة السماء بالمياه والثلوج التي تهطل في فصل الشتاء حيث تتكدس على جبال تلك المنطقة وفي محيطها لتتسرب بعدها عبر جبال وممرات صخرية  تحافظ على نقائها وعذوبتها إلى خزانات كبيرة تحتضنها وتستوعبها، ومنها الى الناس في دمشق وريفها عبر قساطل صالحة للشرب، وعبر مجرى نهر بردى لسقاية الأراضي الزراعية على طرفي النهر من المنبع مرورا بدمشق، وصولا الى غوطة دمشق الشرقية.

اليوم يبرز وجه تلك المنطقة بشكل مختلف بل ومغاير تماما لما كانت عليه قبل ست سنوات تقريبا وهو عمر الأزمة السورية، فبعد سيطرة المسلحين من أبناء تلك المنطقة على عموم بلداتها وقراها وخروج غالبيتها العظمى عن سيطرة الدولة السورية، انضمت بذلك الى امتدادها الجغرافي الطبيعي الذي فقدت الدولة أيضا سيطرتها عليه، وأقصد بذلك سهل الزبداني وصولا الى أقصى غربه وهو مصيف بلودان الشهير الذي كان يؤمه زعماء ونخبة وسياح من مختلف أنحاء العالم للتمتع بمناخه الطبيعي صيفا وبثلوجه الكثيفة التي تكسوه شتاء وربيعا، وهو المتاخم مباشرة للحدود اللبنانية الشرقية ، لكن المحرضات الخارجية من جهة ودوافع الكثير من المسلحين وجدت في مقدرات البلاد والعباد كنزا ثمينا يمنحها فرصة  تعزيز شروطها وظروفها، وهو ذلك السيل من الماء العذب الذي يغذي العاصمة وسكانها، واعتقدت  الفصائل المسلحة في أكثر من منعطف أنها قادرة على لي ذراع السلطة السورية عبر استخدام سلاح المياه والضغط  به للابتزاز ، بصرف النظر عن النتائج التي يرتبها حبس المياه عن ملايين الناس من ردات فعل عكسية على المتاجرين به ، وعلى الحالة العامة في المدينة ، العاصمة ، علاوة على ما يسببه فقدان المياه وشحها من أمراض ، ومع دأب السلطات السورية لاخراج هذه الينابيع عن دائرة الصراع وتسليمها لهيئة وصائية تقنية، إلا أن كثيرا ما تراجعت تلك الفصائل عن تعهداتها واستخدمت سلاح المياه في مواجهة السلطة السورية، دون الأخذ بعين الاعتبار بأنها كانت في مواجهة مباشرة من حيث لاتدري مع ملايين الناس الذين يعانون، لكن القرار بالعمل العسكري ظل مؤجلا لأسباب موضوعية، منها وجود استعداد ملموس لدى قطاعات واسعة من سكان تلك المناطق للتهدئة وتسوية الوضع ، اضافة الى وجود مسلحين مستعدين للدخول في مصالحة مع الدولة السورية ، إلا أن الغرباء الوافدين من بعض مناطق سوريا وكذلك اولئك المسلحين من غير السوريين والذين ينتمون لجبهة فتح الشام ( جبهة النصرة سابقا ) شكلوا العقبة الكأداء أمام جميع الحلول المنشودة، معتقدين ان انتشارهم في عشر قرى وبلدات في وادي بردى، من أصل أربع عشرة قرية ، يمكن ان يمنحهم هامشا واسعا للمراوغة والابتزاز كون تلك البلدات والقرى متداخلة ومتشابكة مع بعضها البعض ، فبلدة بسيمة التي كانت معقلا رئيسيا لعناصر جبهة فتح الشام ملاصقة تماما لبلدة عين الخضرة ، وعين الخضرة  متداخلة مع عين الفيجة من الجهة الشمالية الغربية التي تلتحم مع بلدات كفير الزيت ودير قانون ودير مقرن حيث تشرف البلدات الثلاث على بلدة عين الفيجة التي تحتضن نبع الفيجة الرئيسي، موقع العقدة الأهم في دوافع الصراع بسبب وجود مضخات المياه الخاصة بايصالها الى دمشق والتي تضررت وتعطلت تماما بسبب الأعمال القتالية التي اندلعت منذ أكثر من شهر هناك وخرجت ينابيع تلك المنطقة الثلاثة وهي نبع بردى ونبع الفيجة ونبع حاروش عن الخدمة تماما منذ الاسبوع الأخير من الشهر المنصرم .

اليوم وبعد أن تمكن الجيش السوري وحلفاؤه من السيطرة على بلدتي بسيمة وعين الخضرة بشكل تام تصبح تلك البلدات بما فيها عين الفيجة مناطق بحكم المسيطر عليها لسببين، الأول أن أهالي عين الفيجة كانوا سباقين بإعلان استعدادهم للتسوية، والسبب الثاني أن ما تبقى من بلدات ليست أكثر مناعة على الجيش من غيرها، فضلا عن الجانب النفسي المتعلق بانهيار معنويات المسلحين ، لتبقى قصتان في هذا المشهد ، الأولى  هي دخول ورشات الصيانة الى نبع الفيجة والعمل على اعادة ضخ المياه الى العاصمة دمشق خلال بضعة ايام وبشكل تدريجي عبر عنفات الضخ  كما أعلن رسميا من جانب السطات السورية ، والقصة الثانية طي صفحة الوجود المسلح والسلاح في منطقة وادي بردى من خلال تسوية أوضاع من يرغب من المسلحين بالبقاء في بلداتهم وخروج جميع المسلحين الغرباء إلى ادلب، كما أعلن رسميا حول بنود التسوية . 

هذه التطورات تعكس ملامح واقع جديد يتشكل غرب العاصمة  ليضاف إلى غيره من مكونات المشهد المحيط بها في غير مكان ، وبالتالي يمكن القول بأن منطقة وادي بردى في طور الخروج من دائرة الصراع المسلح مع الدولة السورية تدريجيا، لكن دون إبطاء.

عبد الحميد توفيق

الأزمة اليمنية