السوريون بين غزارة السلاح وشح الاحتياجات

أخبار العالم العربي

السوريون بين غزارة السلاح وشح الاحتياجات السوريون بين غزارة السلاح وشح الاحتياجات
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i9w2

أكد المركز الروسي للمصالحة في حميميم أن أكثر من 3 آلاف شخص، بينهم نحو 1840مسلحا، غادروا بلدة خان الشيح بريف دمشق الغربي.

وأضاف المركز أن المسلحين سلموا السلطات السورية أسلحتهم، وهي عبارة عن دبابتين، وعربتين لنقل المشاة، و4 مدافع مضادة للطيران، وثلاث منظومات إطلاق صواريخ، وقرابة 400 قطعة من الأسلحة الخفيفة.

منذ بداية الأزمة السورية على امتداد رقعتها الجغرافية طرحت على الأرض معادلة قاسية تقوم على حدين أساسيين، الأول هو السلاح الذي يتوفر بكثافة بين أيدي المسلحين سواء أكانوا أفرادا أم جماعات أم فصائل بمسميات مختلفة، والحد الثاني هو البديل الحياتي والمعيشي للمدنيين الذين سيكونون بين فكي الكماشة.

وكانت الأسئلة المطروحة في هذا الصدد تتمحور حول الهدف الرئيسي والحقيقي لمثل هذا الكم الهائل من السلاح بين أيدي المجموعات التي تسلحت تحت عناوين متنوعة تبدأ بالثورة ولا تنتهي بالتحرر وإقامة حكم جديد في البلاد يتم تفصيله وفقا لأيديولوجية كل فصيل أو تيار، مع الأخذ بعين الاعتبار طغيان الأيديولوجيا الدينية على ما سواها من تصورات لنمط الحكم المنشود عند الجميع، إلى أن تجلى المشهد عن أيديولوجية دينية واحدة تتفاوت شدتها بين المتطرف والأكثر تطرفاً، حتى أصبح البعض من العلمانيين توابع لتكتل ديني هنا وهناك بعباءة ثورية، طمعاً بمنصب أو تحقيقا لمكسب مادي أو تأمينا لبقعة جغرافية يسكن إليها، لا بل الأكثر لفتا للانتباه هو اندماج بعض الشخصيات التي أمضت عمرا غير يسير في المعتقلات بسبب يسارية انتمائها ومناهضتها العلنية للإسلام السياسي، لتظهر في المشهد الجديد وهي تتسنم مناصب، على رأس جماعة الإخوان المسلمين تحديداً.

وبدا واضحا أن عملية التسليح كانت تتوفر للجماعات والفصائل عبر حدود البلاد شمالاً من الأراضي التركية التي تمتلك حدوداً تصل إلى حوالي تسعمئة كيلومتر مع سوريا، وجنوبا عبر الحدود الأردنية المتصلة بمثلث حدودي مع الشمال الشرقي للسعودية، ومع العراق شرقاً ولبنان غربا، يضاف الى ذلك خطوط الامداد التي وفرتها اسرائيل لبعض الفصائل الموجودة في جنوب سوريا عبر حدود الجولان السوري المحتل، وصولا الى محافظة القنيطرة، ما يعني وصول مثل هذه الاسلحة الى ريف دمشق الممتد من الجنوب  الى تخوم العاصمة.

ولعل ما كشفت عنه السلطات السورية من مخزون السلاح المكدس في بلدة مثل خان الشيح، الواقعة على الطريق الرئيسي بين العاصمة دمشق ومحافظة القنيطرة الحدودية مع الجولان السوري المحتل، يمثل العنوان الأبرز على كم ونوع السلاح وكثرته وتعدد صنوفه الذي كان ولايزال يأتي من جهات خارجية الى الداخل السوري.

وإذا كان من الطبيعي فهم دوافع وأهداف الجهات التي تقف وراء عملية ضخ هذا الكم الهائل من السلاح فإن السؤال الذي يقض مضاجع الكثيرين من المراقبين والمعنيين والمتابعين يتمحور حول اهمال المجموعات المسلحة وداعميهم للاحتياجات الانسانية لملايين السوريين القابعين تحت سلطة وسطوة المسلحين في عموم البلاد؟ لا بل ما هي حقيقة عدم الاكتراث التي يتصف بها سلوك المسلحين وداعميهم ازاء ابسط احتياجات الاطفال وأهاليهم في تقلب فصول السنة وعموم الناس معهم ؟ ولماذا يتم ضخ هذا الكم الهائل من السلاح ولا يوازيه تأمين ابسط احتياجات المدنيين ؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه اللامبالاة، المسلحون أم داعموهم؟ أم إن المسألة مرتبطة بالتعهدات والالتزامات التي يبرمها المسلحون مع داعميهم بأن تكون الاولوية للسلاح على ما عداه، وبالتالي تصبح الأموال المقدمة من الداعمين الخارجيين ذخيرة للسلاح لا لمؤونة للمدنيين ؟ أم هل يعتقد المسلحون وداعموهم بأن الاحتياجات الملحة للمدنيين من غذاء ودواء ومستلزمات، لاتقاء شر تقلب الفصول والأيام، يمكن المتاجرة بها على صعيد المنظمات الانسانية والدولية وتحميل السلطات الرسمية أوزارها وتبعاتها بحيث تصبح جزءا من أدوات الصراع القائم ؟

حين تتحدث الأطراف عن تسويات بين الفينة والأخرى في هذه البلدة أو تلك، يبرز عنوان متعدد الرؤوس ضمن بنود التسوية، وهو تسليم السلاح الثقيل والمتوسط من قبل المسلحين إلى ممثلي الدولة السورية، والسماح ببقاء السلاح الفردي الخفيف كالبندقية مثلاً بحوزة المسلح، الذي رفض تسوية وضعه والبقاء في بلدته وآثر الخروج والانتقال إلى إدلب، وعند التمعن بالسلاح الثقيل والمتوسط تبرز بحوزة الجماعات المسلحة الدبابة والشيلكا ومضاد الطائرات والعربات المدرعة "ب م ب" وصواريخ مستوردة وأخرى مصنوعة محلياً، وهنا الأهم، أي الصواريخ المصنعة محلياً، ما يعني وجود معدات ومعامل سلاح تنتج هذا الصنف من السلاح على الأرض السورية خاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة، ولعل المثل البارز في ساحات الصراع هو العربات ذات الدفع الرباعي المنتشرة في عموم ساحات القتال على الأرض السورية والتي ربما تجاوز عددها الخمسين ألف عربة وقد ركبت عليها صنوف مختلفة من الأسلحة والمضادات الأرضية ، علاوة على ما ظهر مؤخرا من طائرات مسيرة بدون طيار تنفجر أحيانا  في جنوب سوريا، وتحديدا في درعا وريفها ، كل هذا المنتج المحلي وذاك الوارد عبر الحدود من السلاح والمال لا يأخذ بعين الاعتبار مستلزمات حياة المدنيين الرازحين تحت نير الفصائل المسلحة.

إذ تظهر للعلن عقب أي تسوية أو سيطرة للجيش السوري على مواقع كانت تحت سيطرة المسلحين، تظهر حالات انسانية أشبه بالكارثية نتيجة قلة الطعام أو انعدامه أو بسبب الاحتياجات الأساسية للحياة كالدواء، وليس غريبا أن يصل الأمر الى حد التندر على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بالحكايات حول حقيقة دوافع واهداف المسلحين بتقديم حيازة السلاح على مستلزمات المدنيين، ومن هذه الحكايات على سبيل المثال أن بعض المسلحين يحصلون على مكافآت مالية أكبر حين تنفد ذخيرتهم في عمليات قتالية ضد القوات الحكومية وبالتالي لجأ بعضهم في بعض المناطق إلى ابتكار ساحة قتال وقام بتصويرها وكأنها معركة حقيقية وقدمها لداعميه الماليين ليحصل على تعويض مالي يذهب بالنتيجة الى جيبه.

قد يكون ما سبق غيض من فيض المحنة السورية المستمرة منذ ما يقارب الستة أعوام ولربما ستكشف  الأيام ما هو أدهى وأمرّ.

عبد الحميد توفيق

الأزمة اليمنية