توجيهات أمريكية للإرهابيين بضرب المدن والطائرات الروسية!

أخبار العالم العربي

توجيهات أمريكية للإرهابيين بضرب المدن والطائرات الروسية!مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i2gt

انتقلت الولايات المتحدة فجأة من السياقات الدبلوماسية إلى سياقات وصفتها وزارة الخارجية الروسية بـ "التهديد والابتزاز".

وإذا كانت الخارجية الروسية تعتمد مبادئ اللباقة الدبلوماسية في التوصيف وإطلاق المصطلحات، فالولايات المتحدة في حقيقة الأمر لا تهدد ولا تبتز فقط، وإنما تحرِّض وتوجه، وما خفي كان أعظم، ولنا في تجربة الحربين الشيشانيتين الماضيتين عبرة ودروسا. ويمكن أن ننشط الذاكرة مجددا لنشير إلى الأثر الأمريكي في حروب الشيشان، ومحاولات إقامة "دولة الخلافة" في شمال القوقاز، وتعاطف الغرب ودعمه مجاهدي الدولة "الوليدة" التي، حسب الشعارات الغربية، يجب أن تتمتع بالاستقلال والسيادة!

لقد خرجت الخارجية الأمريكية فجأة، يوم الأربعاء 28 سبتمبر/أيلول الحالي، لتعلن أن وقف التعاون بين موسكو وواشنطن بشأن سوريا قد يؤثر سلبا على روسيا. وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي إن "استمرار الحرب الأهلية في سوريا، سوف يدفع المتطرفين والجماعات المتشددة لاستثمار فراغ السلطة القائم في سوريا ويواصلون توسيع نطاق هجماتهم، التي دون شك، ستستهدف مصالح روسيا، بل ومن الممكن حتى تستهدف المدن الروسية نفسها. وسوف تستمر روسيا في إرسال جثث جنودها من سوريا إلى وطنهم، وفقدان الموارد وحتى الطائرات مرة أخرى".

هذا هو التصريح الخطير الذي سمحت الخارجية الأمريكية لنفسها بإطلاقه أمام الرأي العام ووسائل الإعلام. وفي الحقيقة، لقد تلقاه العديد من الأوساط بصدمة وحزن وأسف. ففي الوقت الذي يواجه العالم كله الإرهاب ويعاني من تبعاته وآثاره، تجد المؤسسة الدبلوماسية الأمريكية الشجاعة الكافية لتحريض الإرهابيين وتوجيههم نحو "المدن الروسية". بل ونحو الطائرات الروسية والجنود الروس.

"الدبلوماسي" الأمريكي جون كيربي أعلن أن الإدارة الأمريكية تدرس التدابير التي من شأنها تعليق التعاون بين موسكو وواشنطن في سوريا. وهدد بأن واشنطن قد تضطر لاتخاذ خطوات، إذا اقتضى الأمر، في "حال عدم اتخاذ موسكو خطوات ملحوظة تهدف إلى وقف العنف واستئناف العملية السياسية في سوريا في المستقبل القريب".

الرد الدبلوماسي الروسي جاء الخميس 29 سبتمبر/ أيلول، حيث اعتبر نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف أن تهديدات واشنطن وتحذيراتها بشأن "خطر إرهابي يحدق بروسيا" بعد فشل الهدنة في سوريا تصب في مصلحة الإرهابيين وتدل على إصابة الإدارة الأمريكية بانهيار عصبي، ودليل على انحدار الإدارة الأمريكية الحالية في اتجاه ممارسة سياسات منحطة تمثل "دعوة موجهة للإرهابيين لمهاجمة روسيا".

ريابكوف وصف أيضا تصريحات واشنطن بشأن تعليق التعاون مع روسيا، بأنه عبارة عن سياسة تهديد وابتزاز تستهدف فرض حلول تروق لواشنطن ووكلائها على روسيا. وبالتالي من المستحيل التوصل إلى تسوية، وإلى استعادة الاستقرار، على مثل هذا الأساس. وحذر بأن "واشنطن التي تضع الاتفاقات الخاصة بسوريا في خانة الشك، تضر بعلاقاتها الثنائية مع موسكو".

الخطير في الأمر أنه بعد عدة أيام من انهيار الهدنة الهشة في 19 سبتمبر/ أيلول الحالي، لم يستبعد البيت الأبيض إمكانية توسيع العقوبات المالية ضد روسيا، على خلفية ما أسماه بـ "دعم موسكو لنظام دمشق". وقال جوش أرنست الناطق باسم الرئيس الأمريكي، تعليقا على دعوات بعض الساسة الأمريكيين إلى فرض عقوبات جديدة ضد روسيا على خلفية التطورات في سوريا، قال إن "آفاق فرض عقوبات مالية إضافية ما زالت قيد الدراسة". وأوضح بأن "العقوبات المالية نفسها أثبتت نفسها كآلية مفيدة لتحقيق مصالحنا في العالم برمته. ولذلك لا نستبعد فرض مثل هذه العقوبات". وشدد على أن واشنطن تفضل العمل على هذا المسار بالتعاون مع شركائها، وليس بشكل أحادي. وكان وزير الخارجية البريطانى بوريس جونسون قد انضم هو الآخر إلى دعوة بعض السياسيين الأمريكيين لتطبيق عقوبات ضد روسيا، على خلفية التطورات الأخيرة في حلب.

وزارة الخارجية الروسية أفادت بأن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف التقى، الأربعاء 28 سبتمبر/أيلول الحالي، السفير الأمريكي لدى روسيا الاتحادية جون تيفت. وقالت في اقتضاب بالغ إن "المسؤولين ناقشا العلاقات الثنائية وقضايا دولية، وتم تبادل الآراء حول الجوانب الملحة للعلاقات الروسية – الأمريكية". هذا البيان أو التصريح الموجز للغاية، جاء في الفترة الفاصلة بين تصريحات (تحريضات) الخارجية الأمريكية لضرب المدن والطائرات الروسية، وبين رد ريابكوف نفسه على التحريض والتهديد والابتزاز. ومن الطبيعي أن نتساءل: ماذا حدث بالضبط في هذا اللقاء، وإلى أي مدى وصلت حدة الخلافات، وإلى أين تتجه واشنطن ليس فقط في حلب، بل وأيضا في الموصل العراقية والرقة السورية؟ وماذا تريد الولايات المتحدة بالضبط في سوريا والعراق؟

لقد أجاب الدبلوماسي الروسي على بعض هذه الأسئلة بشكل غير مباشر. إذ قال إن "الأمريكيين، بعد فشلهم مرارا في الوفاء بالتزاماتهم في إطار الاتفاقات التي أصبحت معروفة بكامل بنودها تقريبا، بدأوا بتصوير الوضع وكأن الجانبين الروسي والسوري هما من يتصرف بصورة تثير تساؤلات حول مواصلة التعاون والعمل المشترك.. هذه السياسة تأتي في سياق نهج واشنطن الرامي إلى فرض مقاربات أحادية، وهو ما ترفضه موسكو دائما".

من الواضح أن ما يجري في حلب حاليا هو عبارة عن سياسة "نصب الأفخاخ"، وإثارة الانقسامات في أوساط الرأي العام وتضليل وسائل الإعلام، وإقامة شكل جديد من أشكال الاصطفافات، تمهيدا لتحركات جديدة في اتجاه استمرار الحرب والمواجهات. وإذا شئنا الدقة، فالولايات المتحدة باتت ترى أن الاتفاقات التي أبرمتها مع روسيا في جنيف قد استنفدت نفسها، ولم يتبق منها سوى عمليات التنسيق من أجل سلامة الطيران. ويبدو أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لكي تحتفظ واشنطن بحلفائها الأتراك والعرب، وفي الوقت نفسه تحقق الحد الأقصى من مصالحها، وتضع أكبر قدر من المعوقات أمام روسيا في الشرق الأوسط، وفي مناطق حيوية أخرى.

ومن الواضح أيضا أن كل ذلك يترافق مع "نزعة" أمريكية – أوروأطلسية بفرض عقوبات ضد روسيا بسبب الأزمة السورية، بعد أن قام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بتمديد عقوباتهما ضد موسكو وتوسيع بعضها على خلفية الحرب الأهلية الأوكرانية والمواجهات الداخلية في هذا البلد بين كييف ودونباس في شرق أوكرانيا.

أشرف الصباغ

الأزمة اليمنية