الأكراد بين النزعة الذاتية ومصالح الكبار

أخبار العالم العربي

الأكراد بين النزعة الذاتية ومصالح الكبارمقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hy84

ترسم عملية استهداف الطيران الحربي السوري لمواقع الأسايش أو ما يعرف بقوات حماية الشعب الكردية في مدينة الحسكة شمال شرق سوريا أكثر من علامة استفهام حول دوافعها ومساراتها ومآلاتها،

إذ ظلت السلطات السورية على مدار السنوات الخمس للأحداث التي تعصف بالبلاد حريصة على عدم استفزاز هذا المكون السوري رغم الكثير من الحوادث والأعمال والأفعال من قبل الطرفين والتي كانت توحي باحتمال قطيعة بينهما في غير منعطف.

من الواضح أن لجوء السلطات السورية لاستخدام سلاح الطيران ضد مواقع الأسايش في عدد من مناطق الحسكة كان من باب الفرض والأمر الواقع حيث لم تعد، كما يبدو، معالجات الرشاشات الخفيفة والثقيلة أحيانا وكذلك قليل من قذائف المدافع مجدية في لجم ما يسميه الكثير من الرسميين السوريين وكذلك المراقبين بـ "تجاوزات" وحدات الحماية الكردية في تعاملها مع السكان من غير الأكراد دون استثناء من عرب وأرمن وآشوريين وغيرهم من الذين يشكلون نسيج المجتمع في الشمال الشرقي لسوريا، فضلا عن أن كثيرا من قاطني تلك المنطقة تحدثوا عن سلوكيات لوحدات الحماية الكردية لا تنم عن احترام المكونات الأخرى وتحديدا المكون العربي هناك، بل ذهب بعض من عاين وعايش تلك السلوكيات إلى حد وصفها بعمليات " تطهير عرقي" للمكون العربي في العديد من الأماكن والبلدات والقرى التي تدخلها وحدات الحماية الكردية بعناوين مختلفة أبرزها طرد تنظيم "داعش".

وباعتراف عدد من المسؤولين الأكراد في الحسكة فإن اشتباكات عدة اندلعت بين الحين والآخر في الماضي بين وحدات الحماية الكردية وقوات الدفاع الوطني الرديفة للجيش السوري في أكثر من مكان لكن أعنفها كانت اشتباكات الثلاثاء المنصرم بين الطرفين والذي تصاعدت حدته كثيرا مما استدعى عقد لقاء بين ممثلين عن وحدات الحماية الكردية وممثلين عن السلطات السورية المحلية في الحسكة عسكرية وأمنية وسياسية، ووفقا لما تسرب من هذا اللقاء من معلومات فإن ممثلي وحدات الحماية طالبوا بحل قوات الدفاع الوطني بالحسكة وحل اللجان الشعبية وأجهزة الأمن السورية هناك، أي إلغاء وجود رموز الدولة السورية نهائيا وبشكل كامل في محافظة الحسكة الأمر الذي رفضته السلطات السورية بشكل قاطع، واللافت أن قوات الحماية الكردية كانت، وفقا لمصادر كردية، " تخوض" بموازاة اللقاء معارك باتجاه الجزء الشرقي من حي النشوة الذي تسيطر عليه قوات الدفاع الوطني بهدف ضمه إلى القسم الغربي من الحي الذي يقع تحت سيطرتها.

ما يبدو جليا هو أن نشوة الانتصارات التي تحققها قوات الحماية الكردية في عدد من البلدات شمال وشمال شرق سوريا قد تكون غذت نزعة التمدد جغرافيا في بعض المناطق لديها، وربما رفعت لديهم أيضا منسوب "التحدي" السياسي والأمني والعسكري للسلطات الرسمية السورية.

الوقائع الجديدة سواء أكانت نزعات تمرد تتعالى لدى الطرف الكردي السوري قابلتها رد فعل من قبل السلطات السورية كرسالة حاسمة لا تقبل التشكيك حول استعداد الدولة السورية لقمع ليس "حركة تمرد أو انفصال مزمع" بل ووأد النزعة المغذية لهذه الروح، هذه الوقائع تفصح عن أن مسارا جديدا لشكل وطبيعة العلاقات بين الطرفين بات يتشكل في أفق تلك المنطقة وربما يتجاوزها إلى أبعد من ذلك، خاصة وأن الموقف الأمريكي، تعليقا على الغارة السورية على مواقع الأسايش، بدا متحفظا حين وصفها بـ "غارة غير عادية" وتلميحه إلى وجود قوات أمريكية قرب المواقع المستهدفة يضاف إلى ذلك إعلان البنتاغون لاحقا أنه تم إرسال مزيد من القوات قرب الحسكة لتوفير ما أسماه "الحماية للمقاتلين على الأرض"، ولا يقتصر الأمر على هذا بل إن مسؤول العلاقات العامة في قوات سوريا الديمقراطية عبد العزيز محمود يونس أعلن أن طيران التحالف بقيادة واشنطن منع الطيران الحربي السوري من التحليق في أجواء مدينة الحسكة.

طبيعي أن لا ينظر إلى هذا التطور بمنظور عسكري صرف وحسب، لكن مواقف عدد من القيادات الكردية السورية اتخذت طابع التحدي للدولة السورية بل وصلت إلى حدود اطلاق التهديد والوعيد، في حين ذهب آخرون منهم إلى إلصاق الغارة السورية بتفاهمات إقليمية على حساب ما أسموه "حقوق الشعب الكردي ونموذجه الديمقراطي الآخذ بالتشكل".

وهنا مرة أخرى يحضر الأكراد على مائدة الكبار بفعل مواقفهم، ولربما الأكثر دقة أنهم يرمون بأنفسهم بين يدي الكبار ظنا منهم أنهم يحمون أنفسهم ومشروعهم ؛؛؛ منتهزين لحظة ضعف قد تكون الاستثناء في تاريخ الدولة السورية...

عبد الحميد توفيق