المرأة النووية

أخبار العالم

المرأة النوويةتيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/huzt

لا تخطؤوا الظن في عنوان هذا التعليق، فالحديث لن يدور فيه عن ماري كوري التي نالت جائزة نوبل في الفيزياء على اكتشافها الإشعاعي، وإنما عن رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة تيريزا ماي.

فبعد أن أبرق لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهنئا بتسلمها مهام منصب رئيس وزراء بريطانيا، ومعربا عن أمل بلاده في انطلاق حوار بناء يسم العلاقات بين موسكو ولندن، وضعت ماي روسيا في مقدمة الأخطار التي تتهدد بريطانيا.

وفي الكلمة الأولى التي دشّنت بها منصبها الجديد أمام أعضاء مجلس العموم البريطاني، وتسويغا لتحديث أسطول بلادها النووي المتقادم، اعتبرت أن حصول لندن على أسطول حديث من الغواصات الذرية مع حلول عام 2030، سوف يقيها من التهديد الروسي.

كما أعلنت على الملأ، وفي غضون أقل من أسبوع على تلقيها تهاني الكرملين، أنها لن تتوانى عن إصدار أوامرها بالضغط على زر السلاح النووي وقتل مئات الآلاف به ذودا عن حياض بلادها.

وتلمّست كذلك خلال موعظتها للعموم، رغبة جامحة لدى الرئيس الروسي في تقويض أسس القانون الدولي، ومضت تقول: "استنادا إلى سابقة ضم القرم اللاشرعية، لم يعد لدينا أدنى شك في رغبة الرئيس بوتين في تقويض المنظومة الدولية القائمة، سعيا منه وراء تحقيق مصالحه الخاصة"، فيما السؤال الذي يطرح نفسه على ماي: هل في تحقيق إرادة أكثر من مليوني روسي وتتري وأوكراني وأرمني ويوناني وتركي وغيرهم في القرم، استغاثوا بروسيا طالبين عودة شبه جزيرتهم إلى الوطن الأم، مصلحة خاصة أو شخصية لبوتين؟

ماي، وفي نبرة التخويف من روسيا التي اعتاد العالم على سماعها من الرئيس الأمريكي باراك أوباما وصقوره، وفي خطوة منها لتعزيز حججها لضرورة تطوير أسطول بلادها، أعادت إلى أذهان العموم، "القلق العارم الناجم عن اعتلاء صوت روسيا وتلويحها بالسلاح النووي، وتعاظم وتيرة المناورات النووية المفاجئة التي تجريها" موسكو في الآونة الأخيرة.

واسترسلت في الترهيب حتى قالت: " لقد هدد، أي الرئيس الروسي، بنشر أسلحة نووية في القرم، وفي كالينينغراد الجيب الروسي في حوض البلطيق على حدود بولندا ولتوانيا"، متناسية أن الجيب الروسي الذي أشارت إليه، إنما أبقت عليه موسكو في أعقاب نصرها في الحرب العالمية الثانية، واقتطعته من ألمانيا إلى غير رجعة كمنطقة عازلة في عمق عدو مفترض، تعويضا إلزاميا من الألمان عن الخسائر التي تمخضت عن الغزو الهتلري للاتحاد السوفيتي.

المراقبون، وفي تحليل طموحات ماي النووية، والتي تتطلع من خلالها لأبعد من عقد من الزمن، ترتسم البسمة على وجوههم، مستذكرين أن ما ترنو المرأة النووية لتحقيقه مع حلول 2030، قد أحرزته روسيا العام الفائت، بعد أن اعتمدت في أساطيلها نسقا من الغواصات الذرية من طراز "سيفيرودفينسك" التي تحمل الواحدة منها 24 صاروخا نوويا توازي الشدة التدميرية لكل منه 200 كيلو طن، وتجوب البحار والمحيطات دون أن تراها أعين لندن وواشنطن وباقي كبار الناتو، بل تطوّق أوروبا من جميع المحاور حسب أميرال البحرية الأمريكي جيمس فوغو.

وبالوقوف على طبيعة العلاقات التي أخذت "تحفر" لها ماي بين بلادها وروسيا، واستنادا إلى التصريحات الصادرة عنها كذلك قبل تسلمها مهام منصبها الجديد، يجمع المراقبون على أنها سوف تحافظ في هذه العلاقات على نفس النهج الذي سار عليه سلفها ديفيد كاميرون، وستحتفظ بلهجة التصعيد لا التهدئة، وذلك في محاولة منها، وكما جرت العادة لدى الغربيين، لإشغال الرأي العام في بلادها عن المشاكل الداخلية بنزاعات وحروب خارجية، وأعداء مختلقين.

واستنادا إلى مواقف ماي وتصريحاتها تجاه روسيا، فلا يمكن إدراجها في قائمة أصدقاء الكرملين، فيما من الأجدى بها، وعوضا عن التصعيد ضد موسكو، أن يثقل كاهلها رأب الصدع الحاصل في الصف البريطاني على خلفية إعلان الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ودرء خطر انفصال اسكوتلندا، وإيجاد مخرج من الاتحاد تحافظ فيه على وحدة بلادها وتمنع تشظيها.

وبالانتقال إلى وجه آخر في سياسات ماي المنتظرة، لا بد في المناسبة من الوقوف عند عشقها الكبير للأحذية والملابس، حيث علّقت على التقارير التي تسلط الضوء على "ولعها" بالمظاهر، بالقول: "بوسعك أن تفلح في تحقيق مسار سياسي ناجح، وعشق الأحذية والملابس في آن واحد"!

النظرة المنطقية المجردة من الأحذية والملابس، ترى أن نجاح ماي السياسي يحتم عليها تطوير غواصاتها اليوم، عوضا عن عام 2030، أو رد التحية بأفضل منها على الكرملين، والتعاون معه بما يخدم معالجة القضايا الدولية بالسبل السلمية، لا بارتداء الأحذية اللماعة، والبزات الواقية من خطر نووي روسي عكفت على اختلاقه في أول خطاباتها.

صفوان أبو حلا

فيسبوك 12مليون