الدكتاتورية التركية وواحة الديمقراطية العربية

أخبار العالم

الدكتاتورية التركية وواحة الديمقراطية العربيةمقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/huxe

بمجرد قيام وانهيار الانقلاب ضد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، توالت الإسقاطات السياسية، وظهرت المواقف الملتبسة في الأوساط الإعلامية والسياسية العربية.

من الطبيعي أن تتابع وسائل الإعلام والدوائر السياسية العربية مجريات الأحداث في العالم. ولكن ما حدث بشأن متابعة الانقلاب العسكري في تركيا لفت الانتباه إلى حالة استثنائية لدى المجتمعات العربية وأوساطها السياسية والإعلامية. فعدا الأوساط الليبرالية والمجموعات التي تتسم بمنطقية التفكير وطرح الرؤى، انقسم العرب على تقييم هذا الانقلاب. فالبعض رأى أن "ديكتاتورية" إردوغان ومغامراته الخارجية هما اللتان قادتا إلى وقوع انقلاب ضده، وبالتالي، لا يمكن التعاطف معه تحت أي مسمى. هذه النظرة أعلنتها مجموعات سياسية ووسائل إعلام. بل كانت واضحة في العديد من التحليلات السياسية التي ليست بعيدة عن وجهات نظر أنظمة معينة ليس لها أي علاقة بالديمقراطية.

على الجانب الآخر، شعرت القوى اليمينية الدينية وبعض الدول "اللصيقة" سياسيا وفكريا بتركيا بالغضب والضيق، على اعتبار أن الانقلاب العسكري قام ضد الشرعية والديمقراطية ومواقف تركيا الصلبة إزاء القضايا الإسلامية، وربما قضايا التحرر الوطني. هذا الطرف ليس له علاقة أيضا لا بالديمقراطية ولا بقضايا التحرر الوطني، وإنما يلتزم بتوجهات سياسية وأيديولوجية ودينية محددة. وبمجرد فشل محاولة الانقلاب، تنفس هذا الطرف بكل مكوناته الصعداء، وراح يؤكد صدق أيديولوجيته وتوجهاته وقضاياه، وفي الوقت نفسه يمعن في التقليل من شأن خصومه على الجبهة الأخرى، ويدلل على ديكتاتوريتهم وتخلفهم. 

الطرفان يطرحان، سواء قبل محاولة الانقلاب أو أثنائها أو بعدها، مواقف متضاربة ومتناقضة تماما، ولكن كلها تحت غطاءات يمكن تبريرها نظريا حتى وإن كان يجانبها المنطق والواقع والحقيقة. وهو أمر يعكس مدى الاستقطاب السياسي والاجتماعي في المنطقة، وتدهور أحوال الدول العربية وقواها السياسية ووسائل إعلامها، وأنظمتها أيضا، لدرجة أنها انشغلت بمحاولة انقلاب في دولة أخرى، وأسقطت عليها كل مشاكلها وتناقضاتها وصراعاتها، ومساوئها السياسية والفكرية والتاريخية.

القطاع الأول الذي استحسن الانقلاب، تجده أحيانا يرفض انقلابات في دول أخرى، أو يساند انقلابا بعينه في هذه الدولة أو تلك. وهو أيضا نفس القطاع الذي يرى في الديمقراطية شرا مستطيرا، ويؤكد دوما أن المجتمعات العربية ليست جاهزة للديمقراطية. هذا القطاع يسقط كل مؤامرات العالم على مشاكله وقضاياه ويرى أنه هو ونظامه السياسي ودولته مستهدفون دوما من قوى خارجية تتآمر عليه. وبالتالي، فلديه استعداد لتقبل حكم نظام استبداي من تقبل حكم أي نظام ديني. وفي الوقت نفسه لا يرى غضاضة في أن يستخدم النظام الذي يناصره الدين والمؤسسات الدينية بما يتناسب بطبيعة الحال مع توجهات هذا النظام.

أما القطاع الثاني، فهو يرى أن الأنظمة العسكرية والاستبداية تمثل شرا مستطيرا، وأن الانقلابات العسكرية فقط هي التي تدمر الدول والشعوب والحياة الديمقراطية للمجتمعات. ولكنها لا تعارض أي انقلابات من أي نوع آخر، أو قفزها هي نفسها على حركات المجتمع وانتفاضاته لتستولي على السلطة بشكل أو بآخر. هذا القطاع لا يرى غضاضة في الاعتقالات أو المنع والتحريم باسم الدين. ويعتقد أن المناسب للشعوب العربية الآن هو طريق "الإسلام الديمقراطي الجديد" والتحديث تحت راية الإسلام. وبطبيعة الحال لا يتحدث إطلاقا عن الدولة العلمانية، ويتغاضى دوما عن الدستور العلماني التركي، بل ويطالب تركيا أحيانا بالتراجع عن هذا الشر لكي يستقيم الإسلام في هذا البلد الشقيق الذي يجب أن يقود الأمتين العربية والإسلامية. هذا على الرغم من أنه ليس تركيا وما يجري داخل المجتمع التركي لا يخصه، وإنما يخص المواطن التركي نفسه ويخص مكتساباته وإنجازاته.

حالة الإسقاطات التي تعاملت، وتتعامل، بها الأوساط السياسية والإعلامية العربية، وقطاعات واسعة من المجتمعات العربية، مع محاولة الانقلاب في تركيا، تظهر مدى الهوان والانحطاط اللذين أصابا هذه المجتمعات، ووقوعها في مستنقع الاختيارات الشحيحة: إما النظام الاستبداي أو النظام الديني! لم يعد أمامها أي مجال للرؤية سوى هذين الطريقين. والخطير أن هذا الأمر يبرز بقوة عندما نجد أن القطاع الأول قد تراجع على استحياء عن مواقفه السابقة بخصوص الانقلاب الفاشل، ولكنه وجد طريقا آخر لانتقاد حملات الاعتقالات والتطهير الجارية في تركيا والهجوم عليها ووصف إردوغان بالديكتاتور. بينما القطاع الثاني لا يجد أي مشاكل في حملات التطهير والانتقام الجارية، بل ويبرر كل ما يفعله إردوغان. وذلك على الرغم من أن هذا القطاع ينتقد ذلك في الدول التي يعيش فيها، أو في دول أخرى لا تروق له أنظمتها.

من الواضح أن هذين الطرفين المتصارعين تركا مشاكلهما الحقيقية، وما يدور داخل مجتمعاتهما، ليسقطا كل همومهما وتناقضاتهما على دولة أخرى، وعلى أحداث في مجتمعات ليس لهما علاقة بها. ومن الواضح أيضا أن هذين الطرفين يفهمان بعضهما البعض ويتناغمان بدرجات مختلفة وفق الظروف، ولا يستطيعان الاستغناء عن بعضهما، لأنهما ببساطة وطوال عشرات السنين يفسحان المجال لبعضهما البعض ويجريان حوارات علنية وسرية. وفي الوقت نفسه، لديهما اتفاق ضمني على معاداة كل التيارات والقوى الأخرى وتقليص مساحات وجودها والتضييق عليها. وبالتالي، فهما دوما يطرحان نفسيهما كبديلين ومن دون أي بدائل ثالثة أو رابعة.

أشرف الصباغ

فيسبوك 12مليون