صراع الإرادات في سوريا وعليها.. من السماء إلى الأرض

أخبار العالم العربي

صراع الإرادات في سوريا وعليها.. من السماء إلى الأرض
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hqvb

لم تعد السماء السورية ميداناً وحيداً للمنافسة، ونقل الرسائل بين الأطراف الداخلة والمتدخّلة في الأزمة السورية.

إذ إن هناك اليوم مشهد جديد يتشكل على الأرض في سوريا، بدأ منذ إعلان الولايات المتحدة عن إرسال قوات خاصة إلى شمال البلاد لمساعدة وتدريب "قوات سوريا الديمقراطية" على محاربة "داعش".

"الكرم" الأمريكي انسحب على بريطانيا، التي اختارت بقعةً أخرى في الجنوب الشرقي من سوريا، وجماعة أخرى لدعمها تسمى "جيش سوريا الجديدة"؛ لتجر وراءها فرنسا التي أعلنت نشر قوات خاصة في شمال سوريا لم تحدد عددها "من أجل تقديم المشورة العسكرية" لـ"قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً على جبهة منبج.

معلومات أخرى كشفت عن عشرات العناصر من قوات تابعة للمهمات الخاصة الألمانية دخلت الأراضي السورية، وانضمت إلى القوات الفرنسية والأمريكية في عملياتها على جبهات منبج. ومهمتها المساندة في عمليات القوات الغربية الموجودة على الأرض في منطقة سد تشرين.. أمر نفته الحكومة الألمانية.

ولعل التطور الجديد بدخول قوات خاصة غربية إلى الأرض السورية يعدُّ مؤشراً إلى انخراط غربي أوسع في العمليات، خصوصاً أن هذه القوات تنسق بعضها مع بعض في إطار قوات حلف شمال الأطلسي من دون الإعلان رسمياً من قبل الحلف عن إرسال جنود له إلى الأراضي السورية.

بيد أن المؤشر الأهم الذي تكشف عنه هذه التحركات، هو احتدام صراع الإرادات الدولية بشأن المنطقة ككل وليس سوريا فحسب. فتواجد القوات الفرنسية والبريطانية، والمعلومات عن قوات ألمانية، إن صحّت، يؤكد أن هذه الدول تحاول حجز نفوذ لها في المنطقة.

المحلل السياسي وعضو وفد معارضة الداخل المفاوض في جنيف مازن بلال رأى أن سوريا تقف عند نقطة حرجة حول شكل دولتها بعد حل الأزمة؛ لأن الجميع يريد إنشاء دولة مرنة، والوجود الرمزي لبعض القوات الأجنبية يمثل مواجهة مع الرغبة الروسية المدعومة بقوات كثيفة، في محاولة من هذه الدول للحفاظ على الحزام الجيواستراتيجي الشمالي لسوريا.

  بلال رأى أيضا أن الصراع سيتخذ منحى مختلفاً بعد الانتخابات الأمريكية، وهو لن يكون بالضرورة عسكرياً بقدر ما سيكون سيناريو لرسم الشرق الأوسط بالكامل. فسوريا "يبدو أنها المنطلق والمنفذ لرسم هذا السيناريو، وقد تشكل نموذجاً للأزمات اللبنانية والعراقية كافة وحتى الفلسطينية".

الحكومة السورية نددت، عبر مصدر في الخارجية، بما أسمته "الغزو الغربي" لشمال سوريا،  وعدَّته عدوانا صريحا على سيادة البلاد واستقلالها.

وشددت على أن "الادعاء بأن هذا الانتهاك يأتي ضمن محاربة الإرهاب لا يستطيع خداع أحد؛ لأن مكافحة الإرهاب بشكل فعال ومشروع تقتضي التعاون مع الحكومة السورية الشرعية، التي يقاتل جيشها وشعبها الإرهاب على كل شبر من الأرض السورية". وهو الموقف الثابت الذي دأبت الحكومة السورية على تكراره، والتذكير به منذ انطلاق عمليات التحالف الغربي في السماء السورية.

ولأن دمشق تدرك أن أزمتها معقدة وحساسة، وأن الفعل الحقيقي قد لا يكون بالبيانات أو حتى بالإدانة، بل بقوة التحالفات التي تقيمها سواء مع طهران أو موسكو أو حتى بكين، فإن علينا النظر إلى خلفيات الرد السوري، وليس إلى حرفية البيان الذي صدر عن مصدر في وزارة الخارجية.

فموقف اليوم يشبه الموقف الرسمي عندما ظهر طيران التحالف الغربي في السماء السورية لأول مرة. يومها كان الرد يتعلق بالسيادة أيضاً، لكن الفعل الحقيقي جاء بعد الاتفاق مع موسكو على الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو الروسي.

ويشير مازن بلال هنا إلى أن "المشكلة الحقيقية هي التوازنات القائمة، ودمشق ربما تجد اليوم أن مسألة الإرهاب هي النافذة التي يحاول الجميع عبورها للتأثير على القرار السيادي، لكن الإدارة السورية في النهاية تنطلق من نوعية الدور السوري لاحقاً، ومن الاعتماد على قدرة الدولة على البقاء والصمود بعد خمس سنوات من الحرب".

وما يلفت الانتباه عند كل مفصل جديد من مفاصل الأزمة السورية، - كالمفصل الذي نشهده اليوم عبر التدخل البري في الشمال -، هو أنه يترافق مع  تصعيد في لهجة التهديد للحكومة السورية وحلفائها.

ومن هنا، يمكن فهم تصريحات كيري من النرويج بأن "على روسيا أن تفهم أن لصبرنا حدود. وأنه محدود جداً فيما يتعلق بمعرفة ما إذا ستتم محاسبة الأسد أم لا". هذه اللازمة التي ترددها واشنطن عند كل مفترق طرق منذ بدايات الأزمة السورية، باتت مقدمة لكل تطور جديد في الأزمة السورية.

وهذه التصريحات، إنما تكشف جانباً من عدم التوافق بين واشنطن وموسكو. لكن، ولأن الخارجية الأمريكية لا تملك الكثير من الوقت قبل فقدانها التوازن وتلاشي تأثيرها في خضم المعركة الانتخابية القريبة، فإنها مصرة على إيجاد حدود دنيا من التوافق تنقله إلى الإدارة الأمريكية المقبلة.

حديث كيري لا يمكن فصله أيضاً عما حدث في أورلاندو؛ لأنه على ما يبدو يريد إعطاء زخم للديمقراطيين، ويحاول استخدام العلاقة مع روسيا، وخاصة في الموضوع السوري والحرب على الإرهاب، لهذه الغاية.

وما يمكن استخلاصه اليوم هو أن صراع الإرادات على الأرض السورية مستمر بأشكال جديدة: فالولايات المتحدة، ومعها حلفها الغربي والإقليمي، تحاول موازنة الكفة التي رجحت إلى جانب  المحور الروسي الإيراني السوري خلال الأشهر الأخيرة ما قبل الهدنة، وهو لم يجد متكأً لأهدافه أفضل من الأكراد، كقوة أثبتت قدرتها على تحقيق الانتصارات، والإمساك بالمزيد من المساحات رغم ارتفاع صراخ أردوغان المفجوع "بمن يُفترض أنهم أصدقاء"!

في الضفة الأخرى، لا يمكن فصل اجتماع طهران الثلاثي قبل نحو أسبوع عن هذا المشهد الجديد. فالرسالة هنا كانت واضحة، والتحضيرات على قدم وساق. والأيام المقبلة ستكشف المزيد: إنها بداية "الصيف الساخن" الذي تحدث عنه السيد حسن نصر الله.

ولعل اللهجة الحازمة للخارجية السورية عبر دعوة من أسمتها "الدول المعتدية" إلى الصحوة من أحلام اليقظة والتخلي عن أوهامها وعقليتها الاستعمارية، ردٌّ أولي على كل هذه الجَلَبة القادمة من الشمال.

 علي حسون