المتوسط بين روسيا وأمريكا!

أخبار العالم العربي

المتوسط بين روسيا وأمريكا!مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hq0t

لم تكن الضربات الجوية التي وجهتها حاملة الطائرات الأمريكية "هاري ترومان" من البحر المتوسط إلى مواقع داعش في سوريا هي الأولى من نوعها.

في الحقيقة كانت روسيا قد سبقت الولايات المتحدة في هذا المجال عندما قامت سفنها الصاروخية في البحر المتوسط بقصف مواقع داعش في سوريا. بل وقامت روسيا بإطلاق صواريخ من سفنها في بحر قزوين لنفس الغرض. ونجحت في أداء مهامها.

وأمام الضربات الروسية من البحر، وفي ظل المخاوف من سيطرة القطع البحرية العسكرية على المتوسط، انتقلت حاملة الطائرات الأمريكية "هاري ترومان" في مناورة مفاجئة من الخليج العربي إلى البحر المتوسط لهدفين أساسيين: الأول، من أجل الحفاظ على توازن القوى في المنطقة. والثاني، إبراز قوتها أمام روسيا.

قيادة الأسطول الأمريكي قالت إن الولايات المتحدة وجهت ضربات جوية من متن حاملة طائرات في البحر الأبيض المتوسط ضد أهداف في الشرق الأوسط وذلك لأول مرة منذ عام 2003. وكان هدف الضربات تدمير مواقع مسلحي تنظيم "داعش" الإرهابي. ولكن في واقع الأمر، كان استعراض العضلات أمام روسيا أحد الأهداف المهمة أيضا، إضافة إلى أن واشنطن لا يمكنها أن تتجاهل أهمية إعطاء انطباع للرأي العام العالمي بأنها قادرة أيضا، مثل موسكو، على قصف داعش من البحر. وهذه أمور تتعلق بالمنافسة في التقنيات وتطور الأسلحة، وبإثبات النفوذ والتأثير والسيطرة.

مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية رأى أن مناورة حاملة الطائرات "هاري ترومان" بمثابة إشارة ردع لموسكو، وجعلها تفكر مرتين قبل تنفيذ أي خطوات حادة.

من الواضح أن هناك صراعا من أجل السيطرة على البحر المتوسط لكي تكون كل الأطراف المهتمة موجودة بالقرب من أهدافها. ففي أبريل الماضي انضمت أحدث سفينة صاروخية إلى مجموعة القوات البحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط. وأوضح مدير جهاز الإعلام التابع للأسطول الروسي في البحر الأسود فياتشيسلاف تروخاتشوف أن هذه السفينة تحمل اسم مدينة "سيربوخوف". وهي مجهزة بصواريخ بعيدة المدى من طراز "كاليبر".

المعروف أن روسيا جربت صواريخها "كاليبر" للمرة الأولى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2015 عندما أطلقت 4 وحدات بحرية روسية موجودة في بحر قزوين 26 صاروخا من هذا الطراز على منشآت يسيطر عليها تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا. وتحتوي هذه المنظومة الصاروخية على صواريخ "3إم54"، وهي الصواريخ المضادة للسفن والتي يبلغ مداها 375 كيلومترا، وصواريخ "3إم14"، وهي الصواريخ البعيدة المدى المخصصة لضرب الأهداف الأرضية، وصواريخ "91إر تي، وهي الصواريخ المضادة للغواصات.

في الواقع لم تكن لم تكن السفينة الحربية "سيربوخوف" هي الوحيدة التي قامت بالقصف، بل سبقتها عدة غواصات جديدة من نوع "636 فارشافيانكا"، كما صرح الأدميرال ألكسندر فيتكو قائد الأسطول الروسي في البحر الأسود. غير أن الملاحظ هنا أن هذه الغواصات تحمل أيضا صواريخ "كاليبر". وهي الصواريخ التي تم تجريبها بنجاح عندما أطلقتها غواصة "روستوف على الدون" في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي على منشآت تابعة لتنظيم "داعش" في الأراضي السورية.

من المعروف أن دول أوروبا وتركيا، وربما الولايات المتحدة أيضا تعتبر أن البحر المتوسط هو عبارة عن بحيرة تابعة لها، ويجب أن تفرض سيطرتها عليه، سواء كان ذلك بشكل منفرد أو في إطار حلف الناتو الذي يضم جميع هذه الدول بقيادة واشنطن. ولكن القوانين الدولية لا تمنع روسيا من التواجد في مياه البحر المتوسط. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تواجدت ما بين 10 إلى 15 سفينة بحرية حربية روسية في المتوسط.

البعض يبالغ في أن وجود السفن والغواصات الحربية الروسية في البحر المتوسط يسبب مشاكل للولايات المتحد وحلف الناتو، خاصة وأن الصواريخ المضادة للسفن البحرية تتمتع بقدرات فائقة تشمل سرعة عالية تزيد على سرعة الصوت والقدرة على التهرب من الدفاعات الجوية. كما أن الصواريخ سطح/سطح من نوع "كاليبر" تمكِّن كل سفينة تحملها من ضرب الأهداف الأرضية البعيدة. ولكن المسألة بالنسبة لموسكو لا تتعلق بإثارة المشاكل والعقبات، كما يروق لوسائل الإعلام أن تصف، وإنما تنفيذ مهام محددة وفقا للقانون الدولي وقوانين البحار، وتحقيق أهداف سواء بالتعاون مع الأهداف الأخرى أو منفردة، وانطلاقا من مصالحها بالدرجة الأولى.

ومع كل ذلك، فهناك انطباع يتشكل بأن الصراع يتفاقم في البحر الأبيض المتوسط، لأن المشهد السابق وإن كان يخص سوريا والعراق، فإنه ينسحب بدرجات مختلفة على ليبيا ومصر وتونس التي تطل على هذا البحر بشواطئ طويلة للغاية. وهذه الدول الثلاث تتعرض أيضا لضربات إرهابية، وبالذات ليبيا التي أصبحت معقلا لداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، وباتت تهدد ليس فقط شمال أفريقيا، بل أفريقيا كلها. كل ذلك يعني أن الصراع على فرض النفوذ في البحر المتوسط يمتلك أهمية جيواستراتيجية وجيوأمنية، وجيواقتصادية أيضا، ويمتلك في الوقت نفسه أسبابا متناقضة ومصالح أكثر تناقضا. وهذا بالذات ما يثير بعض المخاوف من أي انعطافات حادة أو احتكاكات يمكن أن تشعل هذا البحر الذي تعول عليه أوروبا كطريق ترانزيت لنقل الطاقة، في حال إذا ما استقرت الأمور، ونجحت الولايات المتحدة في فرض سيناريوهاتها في سوريا والعراق وليبيا، وفرض هيمنتها الكاملة على المنطقة.

أشرف الصباغ