ليس دفاعاً عن أحد، ولكن..

أخبار العالم العربي

ليس دفاعاً عن أحد، ولكن..
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hpc7

سألني صديق أمريكي متحمس لـ"ثورات الربيع العربي" في بداياتها: لماذا تتخوفون من وصول الإسلاميين إلى السلطة في بلادكم؟

مضيفاً: على الأقل سيكون لهؤلاء برنامج تنموي أفضل من أنظمة "ديكتاتورية" لم توفر لكم الحرية والديمقراطية، كما لم توفر لكم سبل العيش الكريم والتنمية التي تحتاج إليها بلدانكم، التي يرزح معظم مواطنيها تحت خط الفقر؟

للوهلة الأولى بدا سؤال صديقي الأميركي منطقياً إلى حدٍّ كبير، من حيث أن أنظمتنا العربية عامة، والتي شهدت بلدانها "انتفاضات وثورات واحتجاجات" خاصةً، لم تعر أهمية للوضع المعيشي لمواطنيها فأفقرت العباد، وهمشتهم عبر سياسات اقتصادية لم تنتج سوى المزيد من طوابير العاطلين عن العمل والمهمَّشين؛ في الوقت الذي ذهبت فيه كل المزايا والأرباح إلى طبقة فاسدة متحالفة مع السلطة، فتم اقتسام الغنائم وبقي السواد الأعظم من الشعوب العربية في فقرهم  يعمهون.

نعم! كلنا يعرف أن أنظمتنا، سواء منها "الاشتراكية" المشوَّهة أو "القومية" الكاذبة أو حتى تلك "الليبرالية" المزوّرة، استبدت بعبادها اقتصادياً قبل أن تستبد بهم سياسياً. ومن هنا، يمكن القول إن تاريخ أنظمتنا لا يشفع لها أمام مواطنيها، ولا يمكِّنها من الدفاع عن سياساتها الداخلية على الأقل.

ولكن، في المقابل، وبعد أعوام على اندلاع "ثورات الربيع العربي"، كيف يبدو مسار هذه الثورات؟ وهل يشي بتغيير ما، قد يبدِّل الحال السابقة بحال أفضل منها اقتصادياً أو سياسياً؟

يعتقد المتعاطفون معهم أنه من المبكر الحكم على تجربة الإسلاميين في الحكم في بلدين عربيين، هما مصر وتونس. صحيح أن التجربتين لم تعمّرا طويلاً: عامين للأولى، وأزيَد بقليل للثانية. وقد يضيف بعضٌ أن هذين النظامين الإسلاميين في تونس ومصر لم تتوفر لهما أسباب الاستقرار ليباشرا تنفيذ برامجهما السياسية أو الاقتصادية أو التنموية. ولكن الصحيح بشكل لا يقبل الشك أن المقدمات تشير إلى النتائج، و" المكتوب مبين من عنوانه". فهل هناك أصلاً برنامج اقتصادي حقيقي لأي تنظيم أو حكم إسلامي؟ وهل يمكن أن تحل مشكلات المجتمع السياسية بالفتوى؟ ومشكلاته الاقتصادية بالجمعيات الخيرية والصدقة؟

في تجربتَي تونس ومصر، نرى أن الإسلاميين في هاتين الدولتين تفرغوا بشكل كامل لابتلاع المجتمع وأسلمته، وليس للاندماج مع مكوناته وأطيافه المختلفة والتشارك معها في بناء وطن أفضل لجميع أبنائه. هم "أعدُّوا" العدة لإقصاء كل هذه المكونات وإلغائها، ليتسنى لهم تنفيذ أجنداتهم الدعوية لا التنموية؛ وهو ما أثار ضدهم وضد نهجهم كل المكونات والتيارات، التي قبلت بوصولهم إلى السلطة إيماناً أو تسليماً منها بما أفرزته صناديق الاقتراع.

وفي سوريا، لا يبدو الأمر مختلفاً بشكل مُعتبَر، فالمعارضة "الإسلامية"، كأحد أبرز اللاعبين في الميدان السوري، لا تخرج عن هذا النهج الإسلاموي الإخواني ولا عن هذا الفهم، فقد امتطت الاحتجاجات في مهدها، واقتحمتها بشعارات من قبيل "المسيحية عَ بيروت والعلوية عَ التابوت". وهي، وقبل أن يتسنى لها الوصول إلى السلطة تبدو وعبر كتائبها المسلحة مهيمنة على القرار المعارض، حيث ابتلعت سريعاً  أطياف "المعارضة السلمية"، وعسكرت الحراك عن سابق إصرار، ولم يكن تحميلها النظام مسؤولية العسكرة إلا ذراً للرماد في العيون.

والأخطر في الحالة السورية هو هذا التدفق المرعب للجهاديين المتشددين بالتنسيق والتواطؤ مع إسلاميي الداخل والدول الداعمة لهم ولمخططاتهم للانقضاض على الحكم. لم يستدعِ هؤلاء قمع النظام، كما يطيب للمعارضين القول، بقدر ما استدعتهم شهيتهم لإنشاء الإمارات الإسلامية وعدم قبولهم لأنظمة غير إسلامية. وهم يعتقدون أن الظرف بات مناسباً إقليمياً ودولياً لإنشاء حكمهم الإسلامي في بلاد الشام وسوريا قلبها.

اليوم، تعيش سوريا على وقع مجازر "الإسلامويين" و"الجهاديين" - الثوار الجدد بفروعهم المختلفة: "داعش" –"النصرة"، "جيش الإسلام"، "أحرار الشام"، "فيلق الرحمن"، وعشرات الفصائل الإسلامية الأخرى"، يروعون كل من يختلف معهم بالقتل والذبح والخطف والتفجير. يكفّرون كل من يختلف عنهم أو معهم، وحتى من يشترك معهم فكرياً وإيديولوجياً وعقائدياً، (هذا ما تكشفه الاشتباكات المستمرة والتصفيات فيما بينهم).

وفي النتيجة، يمكن أن نكتشف وبغير الكثير من الجهد أن تجربة "النهضة" و"الإخوان" في تونس ومصر، (وهما حركتان لم تحملا السلاح في وجه النظامين التونسي والمصري)، لا يمكن أن تضعا حلولاً اقتصادية أو اجتماعية تلائم العصر، أو أن تؤسسا لممارسة ديمقراطية مدنية (ذلك أن الشورى التي يؤمن بها الإسلاميون هي شكل مشوه للديمقراطية يعني فقط المسلمين دون باقي المكونات).

 اليوم، من الممكن الإجابة عن سؤال صديقي الأمريكي بما يشبه اليقين بأننا في سوريا، وبعد ما حدث، فإن مَن كان يمكن أن يقبل بوصول الإسلاميين وعلى رأسهم "الأخوان المسلمون" إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع ، فإن هذه الفرصة ذهبت أدراج الذبح والإرهاب المنظم الذي اعتمدوه طريقا وحيداً للانقضاض على السلطة.

السوريون اليوم باتوا مدركين، وأكثر من أي وقت مضى، (ومن دون أن يقنعهم النظام بذلك فهم جربوه موتاً وتهجيراً وتجويعاً)، بأن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يؤتَمنوا على حكمهم وقيادة بلد كسوريا، وحضارة عمرها ألوف السنين.

علي حسون

الأزمة اليمنية