الإمارات.. دولة تقرأ..

الثقافة والفن

الإمارات.. دولة تقرأ..
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hmi9

إن أي طريق نحو المستقبل لا يمر عبر جسور العلم والمعرفة وبناء الإنسان هو طريق مسدود، ولقد أثبتت تجارب البشر في الماضي والحاضر أن الرهان الحقيقي هو الرهان على إنسان متعلم.

فالتنمية البشرية هي الثروة الحقيقية والزاد الذي لا ينفد، ولا توجد تنمية بشرية بدون الاستثمار الحقيقي والجاد في العلم والمعرفة، ووحدها القراءة هي طريق ذلك، وسبيله الأوحد وفرس رهانه الذي لا بديل عنه.

ولعل تجربتنا العربية في أبسط تجلياتها، تظهر كيف كنا أمة ذات شأن في لحظتنا التاريخية التي راهنا فيها على العلم والمعرفة، واتخذنا من القراءة منهجا وسبيلا، فبلغت نهضتنا آفاق السماء وكان لنا ذكر ودوي، إلى أن غرقنا في عصور الجهل وازدراء العلم ونسيان القراءة فقادنا ذلك إلى تخلف رهيب لا زال يضرب أطنابه الثقيلة على بلداننا العربية إلى يومنا هذا.

ولقد استفادت الحضارة الغربية من تجربتنا، وأخذت بنواصي العلم وشجعت المعرفة والقراءة فبنت نهضتها وطورت من بلدانها وأسست لحضارتها وتنميتها المبهرة.

إن من نافلة القول إن أي محاولة جادة لاستعادة الدور الحضاري وإيجاد موطأ قدم في الحضارات المعاصرة، لابد أن تمر حتما عبر بوابة القراءة والعلم والمعرفة، وهذا ما تفطنت إليه دولة الإمارات التي تحاول قيادتها جادة أن تصنع لبلدها مكانة معتبرة بين الأمم المتقدمة، ولقد جائت مبادرة "الإمارات تقرأ" التي أعلن عنها مؤخرا، لتشكل ومضة أمل في عالم عربي يتراجع، ولتظهر أن دولة الإمارات مصممة على السير على نهج العلم والمعرفة سبيلا وحيدا نحو صناعة مستقبل مشرق ومزدهر.

أطلقت مبادرة القراءة المقرر أن تستمر على مدى زمني يصل عشر سنوات، بميزانية تقدر بنحو أكثر من ثلاثين مليون دولار، لتكون بداية تشكل سياسة وطنية للقراءة، سينبثق منها قانون للقراءة يتم وفقا له، تحديد المسؤوليات الوطنية والجهات المعنية بتنفيذ الاستراتيجية الطموحة الهادفة إلى خلق إنسان واعي ومثقف وقارىء، وبعيدا عن التفاصيل، فإنه يلاحظ الزخم الكبير الذي حظيت به هذه المباردة من أعلى هرم السلطة في الإمارات إلى الإنسان العادي، مما يعني أنها تشكل حالة وعي متفردة في وطن عربي يعاني التخلف والتراجع على كل المستويات، كما تظهر هذه المباردة أن الإمارات لا تريد أن تكون مجرد بلد ناجح في التنمية والرخاء الاقتصادي، وإنما تسعى لتنمية حقيقية مستدامة مبنية على العلم والمعرفة وعلى رأس المال البشري الذي هو وحده الثروة التي لا تنضب.

ولقد كان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد صريحا مع الإماراتيين عندما أعلن قبل نحو سنتين أن بلاده تستعد لليوم الذي تصدر فيه آخر برميل نفط، مما يعني أن رهانها الحقيقي ليس على ثروة ناضبة مثل النفط، وإنما على الإنسان المثقف والواعي والمتعلم القادر على صناعة تنمية مستدامة وخلق بلد حضاري ينافس في مصاف الأمم المتقدمة.

إن مبادرة "الإمارات تقرأ" يجب أن تشكل نموذجا يحتذى به في كافة بلداننا العربية، إذا أردنا أن نخرج فعلا من أسر التخلف إلى فضاءات التقدم والتنمية، فالكتاب والقراءة هما الطريق الأوحد نحو صناعة المستقبل، وأي دولة تقرر أن تكون "دولة قارئة" فذلك يعني أنها حجزت لنفسها مكانة بارزة وسط الأمم والشعوب المتحضرة، وهو أمر لا شك أننا جميعا في حاجة إليه، وخاصة في هذه اللحظة التاريخية التي يتعرض فيها العالم العربي للكثير من المآسي والويلات والحروب.

محمد سعدن ولد الطالب