مصر وعنق الزجاجة

أخبار العالم العربي

مصر وعنق الزجاجة
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hi63

اختارت الرئاسة المصرية 24 مثقفا مصريا للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قلص وقت كلمته الافتتاحية ليترك مساحة كافية لاقتراحات ومبادرات المثقفين.

هذا اللقاء ضم نخبة من المثقفين بينهم وزير الثقافة السابق ووزير الثقافة الحالي وكتاب مسرح وسينما ورواية وشعراء، رأت النخبة السياسية أنهم يمثلون نخبة الثقافة المصرية. وبعد اللقاء خرج عدد من هؤلاء المثقفين ليتحدث عن اللقاء بشكل إيجابي مبالغ فيه، وخرج البعض الآخر ليدلي بملاحظات على سلوك المثقفين أنفسهم، بينما البعض الثالث أكد على أنه قام بدور هام في هذا اللقاء لأنه طلب من الرئيس طلبا، فنفذه الرئيس على الفور.

عادة ما يتميز لقاء المثقففين بالرئيس المصري بخصوصية استثنائية تختلف قليلا أو كثيرا عن لقاءاته بالعمال أو بالفلاحين أو برجال الأعمال. فالمثقفون لديهم أدوات النشر والإعلام و"الكلام" والمجموعات التي يتحركون فيها وحولها. وبالتالي، فكل شئ يكون مسموعا في هذا اللقاء بصرف النظر عن قيمته، أو عن قيمة الذين غابوا، أو تم تغييبهم، عن هذا اللقاء.

لم يتحدث جميع الحاضرين، ولم يدل غالبيتهم بمقترحاتهم ومبادراتهم، لأن البعض الآخر الذي تحدث في اللقاء، أطال وأسهب وسعى للفت نظر الرئيس باعتباره المفكر الأوحد أو الأكبر الذي يعرف كل خبايا وأوجاع مصر. واستمع الرئيس لمن تحدثوا. وفي نهاية المطاف، أكد لهم أن البلاد تمر بمرحلة عصيبة، سواء في مجال الاقتصاد أو في مجال مكافحة الإرهاب.

من الواضح أن المثقفين المصريين الذين التقوا رئيسهم، هم أبناء ليس فقط أجيالهم التي عاصرت مرحلة الخمسينيات والستينيات وأزمنة المشروعات الوطنية والقومية الكبرى، بل وأيضا أبناء ظروفهم الحالية الخالية من المشروعات الوطنية الضخمة. وبالتالي فالنظرة الشمولية العامة تكاد تكون غائبة لتفسح المجال للتفاصيل والاختلافات والمماحكات والصراعات.

وفقا لما كتبت وسائل الإعلام، ووفقا لما كتب بعض الذين شاركوا في اللقاء، كان الرئيس المصري واضحا ومباشرا. ومن جهة أخرى حمل هذا اللقاء رجاءا يفصح عن احتياج الرئيس للنخبة الثقافية من أجل الدعم. ولكن أي دعم، ولأي هدف، وضد من، ولصالح من، لا أحد يعرف. فالرئيس ذكر الكلمة الخالدة التي يكررها الرؤساء المصريون طوال الوقت منذ أن خرج الرئيس السابق أنور السادات من عباءات العصر الذي سبقه وقرر معالجة مشاكل المصريين بـ "الصدمات الكهربائية" فقال جملته الخالدة "نحن في عنق الزجاجة"، ثم جاء الرئيس الذي تلاه ليؤكد أن "مصر لا تزال في عنق الزجاجة، ولكنها ستخرج منه بعون الله". وبعد أكثر من 30 عاما، اكتشف المصريون أنهم لا يزالون في عنق الزجاجة، وأن الرئيس الحالي "وعد بالخروج من هذا العنق". الأمر الذي استدعى موجة واسعة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الصحف الورقية والإلكترونية. بل واستدعى المصريون من تاريخهم الفني والأدبي كل الجمل والعبارات السينمائية والمسرحية والأدبية التي ترتبط مباشرة بموضوع "عنق الزجاجة". منذ ما قبل عام 1980. أي منذ ما يقرب من 40 عاما.

لا شك أن مصر تواجه مصاعب اقتصادية غير عادية، وتواجه أيضا مخاطر وتهديدات الإرهاب، الأمر الذي يفاقم من تلك الأزمة الاقتصادية ويضيف إليها أزمات كثيرة أمنية واجتماعية وغيرها. غير أن جملة "عنق الزجاجة" أثارت الكثير من التحليلات الجادة أيضا على اعتبار أن هناك خطابا سياسيا ساذجا وبعيدا عن التجديد أو التغيير، ويستعين بنخب سياسية أو ثقافية معظمها يتحدث عن الحداثة والتغيير والتطوير، ولكنه في الوقت نفسه يضع شروطا لذلك، وأحيانا يكون هو نفسه ضد كل ذلك، وضد كل ما يتحدث به. وذهب البعض إلى أن هذا الخطاب وإن كان يتحدث عن التنوع والجدية والحداثة، إلا أنه كلاسيكي وساذج ويكرر نفسه، مثلما تكرر النخب نفسها وتجتر نفس الخطابات القديمة بنتيجة التقدم في السن والاستيلاء على مساحات الأجيال الشابة والتأكيد على امتلاكها الحقيقة المطلقة وحملها مشاعل الفكر والفن والمعرفة، ما يستدعي بطبيعة الحال الوصاية المطلقة.

وبعد أيام من هذا اللقاء، وعقب تعديلات وزارية محدودة، أعلن رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل الأحد 27 مارس الحالي، أنه "يتعين على حكومته اتخاذ العديد من القرارات الصعبة التي طالما تم تأجيلها... وأن أي إجراء اقتصادي ستصاحبه برامج للحماية الاجتماعية بالقدر المناسب".

إن برنامج الحكومة المصرية الحالية يؤسس لـ "مبادرة التنمية 2030" التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرا. وبطبيعة الحال تعهد رئيس الحكومة بـ "مكافحة الفساد ومعالجة البيروقراطية وإعادة بناء الجهاز الإداري للدولة". وهي نفس العبارات والرغبات التي يتم تناولها طوال الأربعين سنة الأخيرة والمرتبطة بشكل أو بآخر بـ "عنق الزجاجة".

أشرف الصباغ

الأزمة اليمنية