أمريكا التي تعرف كل شيء وإردوغان الذي يغامر بمصير تركيا

أخبار العالم العربي

أمريكا التي تعرف كل شيء وإردوغان الذي يغامر بمصير تركياانفجار أنقرة 13 مارس/آذار
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hgob

يثير تفجير أنقرة الذي وقع، مساء الأحد 13 مارس/آذار الجاري، العديد من التساؤلات على خلفية ما سبقه من معلومات تم تقديمها إلى تركيا.

الانفجار هو الثاني خلال 3 أسابيع، وقد أسفر عن عشرات القتلى والجرحى. إضافة إلى أنه وقع بالقرب من منطقة السفارات الأجنبية، ما يلقى بظلال الشك على قدرة تركيا على حماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية الموجودة على أراضيها.

وتركيا، في الحقيقة، ليست استثناء، فمسألة حماية البعثات الدبلوماسية أصبحت مشكلة حقيقية أمام الكثير من الدول، وبالذات تلك الدول التي تواجه الإرهاب بشكل مباشر على أراضيها، أو تلك التي تتعرض بين الحين والآخر لضربات إرهابية.

وإذا كانت وسائل الإعلام قد اعتبرت أن عِلْم الولايات المتحدة المُسبَق بتلك الضربات يشكل مفاجأة، فالمتابع لغالبية العمليات الإرهابية التي وقعت على أراضي العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة في بعض الأحيان، كانت معروفة مسبقا من قِبَل أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أو في أحسن الأحوال هناك معلومات مسبقة تشير إلى إمكانية وقوع مثل هذه العمليات.

الولايات المتحدة حذرت مواطنيها قبل يومين فقط من إمكانية وقوع عمل إرهابي محتمل وسط العاصمة التركية. ودعت السفارة الأمريكية في بيان صادر في 11 مارس/آذار الجاري، على موقعها الإلكتروني، مواطنيها في تركيا، إلى الابتعاد عن حي "بهتشلي إفلر" بوسط العاصمة التركية، الذي يضم العديد من المواقع المهمة، ومنها ضريح أتاتورك، ومقر قيادة القوات البرية التركية، إلى جانب عدد من مقار الوزارات التركية.

المعلومات، بطبيعة الحال، لم تكن مؤكدة من قبل السفارة، فمنطقة باهتشلي تبعد بضعة كيلومترات عن ساحة كيزيلاي التي وقع فيها التفجير، ومع ذلك طلبت السفارة من مواطنيها الابتعاد عن تلك المنطقة ومراجعة خططهم الأمنية والبقاء فى حالة يقظة وحيطة ومتابعة الأخبار المحلية والاستجابة لتوجيهات السلطات.

ولكن السلطات التركية لم تأخذ هذه المعلومات "غير المؤكدة" على محمل الجد، حتى ولو من قبيل الاحتياط، لتأمين مواطنيها، والحفاظ على صورة تركيا كدولة قادرة على حماية المناطق المحيطة بالسفارات الأجنبية. وبدلا من كل ذلك، اتجهت السلطات التركية إلى خلط الأوراق وإلقاء المزيد من الغموض على ما يمكن أن يحدث.

فقبل يوم واحد فقط من تحذير السفارة الأمريكية في أنقرة لمواطنيها، قالت مصادر أمنية تركية إن الشرطة تبحث عن مواطنة من داغستان تحمل الجنسية الروسية، اسمها كريستينا تيخونوفا وتبلغ من العمر 18 عاما، يشتبه في أنها إرهابية تنتمي إلى تنظيم "داعش" وقد تقوم بعملية انتحارية!

المثير أيضا للتساؤلات أن المخابرات التركية كانت تعرف أن "تيخونوفا" وصلت إلى إسطنبول قادمة من موسكو، وأبلغت أصدقاءها بعد ذلك في داغستان أنها تنوي تفجير نفسها. وبالتالي، أبلغت المخابرات التركية الأجهزة الأمنية المعنية بهذا التهديد الإرهابي.

كل ذلك يجعلنا نتساءل فقط، هل اكتفت الأجهزة الأمنية التركية بالتركيز على المواطنة الروسية في اسطنبول فقط، أم اتخذت احتياطاتها بشكل عام؟ وهل أبلغت الأجهزة الأمنية الأمريكية نظيرتها التركية بإمكانية وقوع هذا العمل الإرهابي في أنقرة. علما بأن أنقرة أصبحت تتعرض لعمليات إرهابية، ما يستدعي الاحتياط والحذر واتخاذ الإجراءات اللازمة في مثل هذه الظروف؟ مع العلم أيضا أن تركيا هي عضو في حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة، وهناك قواعد للحلف ولواشنطن على الأراضي التركية!

بعض وسائل الإعلام في تركيا يطرح تساؤلات كثيرة حول تحذير السفارة الأمريكية، ومعرفة الاستخبارات الأمريكية، بالعملية. والبعض الآخر يلَمِّح بأن حكومة إردوغان قامت بالإجراءات اللازمة ولكن ليس كما ينبغي. بل وتذهب التلميحات إلى إمكانية التواطؤ بشكل أو بآخر لإظهار تركيا كضحية للإرهاب، على الرغم من دعم أنقرة العديد من حركات التطرف الديني، والصلات الوثيقة لأجنحة ما في النظام التركي الحاكم بجماعات وتنظيمات تثير البلبلة في المنطقة كلها، وفي سوريا والعراق بشكل خاص.

بينما النظام السياسي التركي الرسمي يغامر بكل ما لديه من أجل إثبات جدارته بمشاريع عفا عليها الزمن، أو استحقاقه لعضوية الاتحاد الأوروبي، أو إعلان نفسه الراعي الرسمي لخلافة ما جديدة في المنطقة. وفي الوقت نفسه يضرب بكل مكتسبات الشعب التركي الحضارية عرض الحائط، ويسعى إلى إعادة التاريخ إلى الوراء. وكانت آخر تجليات ذلك، عندما وصفت السيدة أمينة إردوغان، زوجة الرئيس التركي، نظام "الحرملك" الذي كان سائدا إبان عصر الامبراطورية العثمانية بأنه كان "مؤسسة تعليمية أعدت النساء للحياة".

وجاءت هذه التصريحات بعد يوم من تصريحات الرئيس إردوغان نفسه بأن "المرأة هي أم في النهاية"، وذلك في حديثه بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. وكان إردوغان قد أثار موجة من الغضب في عام 2004، عندما قال إن "النساء والرجال ليسوا متساوين".

كل ذلك يحيلنا إلى مغامرات تركيا، ومساحات الشك الرمادية بين أنقرة التي تغامر، وواشنطن التي "تعرف كل شئ". وابتعاد السياسة التركية عن الواقع. وهو أخطر ما يمكن أن يواجه الدولة التركية بسبب سياسات إردوغان، ولا يستثنيها من أن تخرج من الأحداث القائمة بشكل "جغرافي" مختلف تماما عن ما كانت عليه قبل مغامرات إردوغان.

أشرف الصباغ

الأزمة اليمنية