الأزمة السورية في ضوء الرهان على الحل العسكري.. أو ردع روسيا!

أخبار العالم

الأزمة السورية في ضوء الرهان على الحل العسكري.. أو ردع روسيا!
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hdht

تتوالى التصريحات الأمريكية والأطلسية في تناغم وتبادل للمواقع بشكل يكاد يرجِّح كفة المراهنين على الحل العسكري في سوريا.

 واشنطن تعرب عن أملها في أن يظهر حلفاؤها الأطلسيون، خلال الاجتماع الوزاري لحلف الناتو في بروكسل هذا الأسبوع، استعدادهم لزيادة المساهمة في الحرب ضد تنظيم "داعش"، وردع روسيا في شرق أوروبا. والمسألة هنا تدور حول طلب واضح من الولايات المتحدة لدول الحلف بزيادة ميزانيات الدفاع، وبذل الضغوط على دول بعينها في الشرق الأوسط للمشاركة في السيناريوهات الأمريكية، وزيادة قوات دول الناتو في الحملات الأمريكية، وتوحيد صفوف دول الحلف في إنزال أكبر قدر من الضربات بمصالح روسيا واقتصادها.

وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر قال إنه يعتزم تحديد الخطوط العريضة لخطة الولايات المتحدة في تسريع الحملة ضد "داعش" خلال اجتماع وزراء دفاع الناتو. وذلك تحت مزاعم عدم الرضاء عن وتيرة عمليات التحالف بقيادة واشنطن. والمثير هنا أن كارتر أشار إلى أن "الرئيس غير راض" عن تلك الوتيرة، ما يشير إلى القراءات غير الدقيقة لتصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشأن التسوية في سوريا أو العلاقات مع روسيا.

إن الولايات المتحدة تخطو خطوتها الثانية، تحت غطاءات ومزاعم مختلفة لاقتناص أكبر قدر من الأراضي في سوريا، معلنة عن الحاجة إلى مدربين للجيش والشرطة ومساهمات من قوات العمليات الخاصة، بما في ذلك من الحلفاء العرب "السنة" الذين يعبرون الآن عن رغبة جديدة في المساهمة. وذلك في إشارة إلى إعلان السعودية والإرمارات استعدادهما للمشاركة في اجتياح بري لسوريا في حال كان هناك دعم أمريكي. الأمر الذي يعني أن واشنطن تُجَرِّب سيناريوهات جديدة في التعامل مع الأزمة السورية ومع كل ما يحيط بها من تحولات، بما في ذلك الوجود العسكري الروسي هناك.

والأمر لا يقتصر على ذلك، بل ينسحب أيضا على مواجهة روسيا في شرق أوروبا، وتسخين الأوضاع في أوكرانيا لدفعها إلى خط اللا رجعة بين موسكو وكييف. وبالتالي، فليس من المستغرب أن تبادر واشنطن إلى مقترحات من قبيل زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا إلى 4 أضعاف ليصل إلى 3.4 مليارات دولار في العام المالي 2017. وذلك من أجل "الردع الكامل لإحباط أي نوع من العدوان"، كما قال وزير الدفاع الأمريكي، الذي لا يزال يرى أن ما يقوم به الناتو والولايات المتحدة ليس دفعا إلى حرب باردة جديدة، بل إلى حرب "لن تبدو وكأنها مثل ما جرى في أيام الحرب الباردة لكنها ستشكل ردعا قويا بمعايير اليوم". وإذا نظرنا إلى مطالبة البنتاغون بتخصيص 583 مليار دولار للنفقات العسكرية، بما في ذلك 58.8 مليارا للعمليات الأمريكية في الخارج، ومضاعفة النفقات على العمليات ضد "داعش" إلى 7.5 مليارات، قد نعرف نوعية "الحرب التي تريدها المؤسسة العسكرية الأمريكية – الأطلسية التي يرى قادتها أن الرئيس أوباما غير راض عن وتيرة الحرب ضد داعش أو "الردع الكامل لأي عدوان"!

أما الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ فيتوقع، من اجتماع وزراء دفاع دول الحلف في 10 و11 فبراير الحالي، الموافقة على تعزيز الوجود العسكري للناتو في شرق أوروبا. واتهم، بطبيعة الحال، روسيا بأنها "مستعدة" لاستعمال قواتها من أجل "تخويف الجيران" وإعادة ترسيم الحدود في أوروبا، مشيرا إلى أن ذلك هو ما حدث في جورجيا وأوكرانيا. ما يعني أن الولايات المتحدة والناتو يرفضان بشكل قطعي فهم وإدراك ما حدث في جورجيا، وما يحدث في أوكرانيا. وكل ما في الأمر أنهما بحاجة إلى ذرائع لاختراع حروب جديدة في ظل الركود الاقتصادي العالمي والأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة في العالم كله.

وبالتالي، فالأزمة السورية بحاجة إلى عوامل تسخين متمثلة في حلفاء من الصقور العرب الذين يراهنون على الحل العسكري بدعم أو قيادة الولايات المتحدة، أو الاثنين معا. كما أن مواجهة روسيا بحاجة أيضا إلى مجموعة أخرى من الصقور الأوروبية بقيادة الناتو الذي تقوده عمليا واشنطن. ففي خطوة نوعية على طريق الصراع بين حلف الناتو وروسيا، أعرب وزير الدفاع البولندي أنتوني ماتشيريفيتش عن أمله بأن يصبح وجود قوات أمريكية في بولندا في وقت قريب وجودا دائما.

الوزير البولندي ماتشيريفيتش قال، في مؤتمر صحفي مشترك مع سفير الولايات المتحدة في وارسو بول جونسون، "نحن نأمل بأن يكون وجود القوات الأمريكية وقوات الناتو هنا وجودا دائما، وهو ما يتطلبه أمننا". وأضاف أن بولندا تعول على توسيع وجود هذه القوات و"التعزيز الحاسم لجناح الحلف الشرقي"، معربا عن أمله في نشر مزيد من مستودعات المعدات العسكرية الأمريكية في أراضي البلاد.

ماتشيريفيتش عقد لقاء مع جنود بولنديين وأمريكيين مشاركين في تدريبات مشتركة بين البلدين لقوات الدفاع الجوي، وقيَّم عاليا التعاون بين عسكريي البلدين في تدريبات "Panther Assurance" المشتركة التي تجري باستخدام منظومات "باتريوت" للدفاع الجوي. وبحسب الوزير البولندي، فإن هذه التدريبات من شأنها أن تسهم في تسريع عملية نقل منظومات "باتريوت" إلى الأراضي البولندية، مما سيعزز قدرات الدفاع الجوي لوارسو.

ودعت بولندا على لسان وزير خارجيتها فيتولد فاشكوفسكي، الثلاثاء 15 ديسمبر الماضي، إلى ضرورة تعديل الإعلان السياسي لحلف الناتو، الذي يحظر نشر قوات عسكرية للحلف في الدول الأعضاء الجدد. وقال وزير الخارجية البولندي إن الضمانات التي كانت مقدمة من قبل حلف شمال الأطلسي بعدم نشر قوات عسكرية في دول أوروبا الوسطى، لم يتم تقديمها وإنما لدولة أخرى غير موجودة هي الاتحاد السوفيتي.

هذا التماثل الجيوسياسي الذي تلعبه بولندا، ينسحب أيضا على ما يجري في الشرق الأوسط، وبالذات في ما يتعلق بالأزمة السورية. وهو الأمر الذي أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن بعض الدول لا تخفي نيتها المراهنة على الحلول العسكرية في سوريا، في حال فشل المفاوضات السياسية. ويبدو أن المسألة لم تعد تتعلق بالحوار السياسي، بقدر ما تتعلق بإفشال هذا الحوار من هذا الطرف أو ذاك لأسباب وحجج كثيرة، ما يشير إلى أن لا أحد يريد أن يتنازل أو يخسر في المفاوضات، وكل طرف يحاول التملص من التزاماته ومن منطق "الحلول الوسط".

في هذا السياق تحديدا طرح الوزير الروسي تقييمات الخبراء والساسة الروس بشأن السيناريوهات العامة لتطورات الأوضاع حول سوريا، والتي تدور حول ثلاثة احتمالات: توصل الأطراف إلى حل وسط خلال المفاوضات، أوإحراز الجيش السوري انتصارا عسكريا، أواندلاع حرب كبيرة بمشاركة عدد من الدول الأجنبية.

من الواضح أن هناك مراوحة وتأرجحا بين هذه السيناريوهات. فالكل يتحدث عن الحل السياسي للأزمة السورية، وفي الوقت نفسه يعمل أكثر من طرف على إفشال الحوار السياسي. ومن جهة ثانية، تبذل كل الأطراف الغربية وحلفاؤها العرب كل الجهود الممكنة لإفشال أي تقدم للجيش السوري أو إحرازه انتصارات عسكرية. ومن جهة ثالثة يتكتل حلفاء واشنطن خلف إعلانات خطيرة وغير محمودة العواقب بشأن الاستعداد للتدخل البري في سوريا، وهم يعرفون جيدا أن سلاح الجو الروسي يقوم بعمليات عسكرية ضد الإرهاب هناك. ومن جهة رابعة، تعلو أصوات صقور أوروبا في بولندا ومنطقة البلطيق وأوكرانيا بضرورة "ردع روسيا". إضافة إلى الدور التركي الذي "يتاجر" بكل المواقف والأطراف، ويمارس البلطجة السياسية والعسكرية ودق الأسافين، بل وحتي ابتزاز أوروبا نفسها. وبين هذا وذاك يراوغ حلف الناتو وواشنطن في كل الملفات العالقة، حتى تلك التي ليس لها علاقة بالأزمتين الأوكرانية والسورية، وعلى رأسها ملفات الأسلحة الاستراتيجية والتوازن الاستراتيجي مع روسيا.

من الصعب الآن أن يتخلص الخبراء والمراقبون من فكرة أن الولايات المتحدة وحلفاءها، وعلى الرغم من التصريحات المعسولة والمراوغة، يراهنون على حلول "عسكرية" للأزمة السورية، أو في أحسن الأحوال على حلول "عنيفة"، وهو الأمر الذي لا يزال البعض يرفضه أو يتجاهله عبر القراءات غير الدقيقة، أملا في تفادي إشعال منطقة الشرق الأوسط أو وقوع مواجهات بين الولايات المتحدة وروسيا، قد لا تصل إلى حرب مباشرة، وإنما إلى شكل من أشكال الاستنزاف السياسي والاقتصادي والعسكري على المديين القريب والمتوسط.

 

أشرف الصباغ

 

فيسبوك 12مليون