الأزمة الليبية تراوح مكانها ومحاربة "داعش" مشروع مؤجل

أخبار العالم

الأزمة الليبية تراوح مكانها ومحاربة مجلس النواب الليبي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hc4e

وجه رفض البرلمان الليبي المعترف به دوليا تشكيل حكومة وحدة ضربة إلى الجهود الدولية لحل الأزمة السياسية، وإنهاء فوضى السلاح والتركيز على محاربة "داعش" في شمال إفريقيا.

وكما كان متوقعا، فقد رفض البرلمان في جلسة عقدت في طبرق التشكيلة الوزارية، التي قدمها المجلس الرئاسي الليبي في الأسبوع الماضي. وطالب النواب بتقديم مقترح جديد في غضون عشرة أيام. ويكشف الرفض الساحق بغالبية 89 نائبا من أصل 104 عن الصعوبات الكبيرة، التي تواجه إنهاء حالة الانقسام السياسي والمناطقي في ليبيا، التي تعيش دوامة من الصراعات المسلحة والنزاعات الجهوية منذ إسقاط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011. ولم تفلح الجهود الدولية في إنهاء استعصاء وجود برلمانين وحكومتين في طبرق وطرابلس: النواب يرون أن الحكومة لا تعبر عن مصالح الشعب الليبي، وأن تشكيلتها تحابي زعماء الفصائل المسلحة وقوى الإسلام السياسي. وآخرون يرون أن التشكيلة المقترحة كبيرة، وأنها "لا تلبي متطلبات المرحلة الحالية، ولم تراعِ المعايير في اختيار الوزراء، وكذلك في توسع الحكومة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد."

وبعيدا عن الآراء المتشائمة بأن الوضع في ليبيا عاد إلى نقطة الصفر، فإن جلسة البرلمان أنعشت الآمال بإمكان تنفيذ خطة التحول السياسي، التي تم التوصل إليها بين الأطراف المتصارعة برعاية الأمم المتحدة في الشهر الماضي، وذلك في حال تخطي عقدة رفض النواب البند الثامن القاضي بنقل سلطة التعيينات العسكرية إلى الحكومة الجديدة. ومن الواضح أن على الأمم المتحدة بذل جهود إضافية، والقيام بمشاورات مكثفة لرأب الصدع وتجسير الهوة؛ لأن استمرار الخلافات يقوض العملية برمتها، ويبقي الصراع مفتوحا بين الفصائل المسلحة وخاصة بين مؤيدي ومعارضي اللواء خليفة حفتر ودوره المستقبلي.

وتتعدى تداعيات الأزمة الليبية الحدود لتشكل مصدر قلق لبلدان الجوار؛ ففوضى السلاح المتواصلة قتلت عشرات الألوف من الليبيين. ومع تسرب الأسلحة إلى بلدان الجوار، تزداد مخاطر الإرهاب في تونس ومصر والجزائر، وتصل إلى بلدان جنوب الصحراء عبر شبكات التهريب الناشطة في الصحراء الكبرى. وتتخوف القارة السمراء من توسع نفوذ تنظيم "داعش" وسيطرته على مناطق أوسع من الساحل الليبي، ما يمكنه من تسريب عناصره إلى الشمال عبر البحر المتوسط لتنفيذ عمليات إرهابية. كما تزداد الخشية من سيطرة "داعش" على حقول نفطية جديدة تعوضه عن فقدان جزء مهم من تجارته وموارده المالية، التي خسرها جراء استهداف مواقعه والحقول المسيطر عليها في سوريا والعراق، وقد تواردت أنباء في الآونة الأخيرة أنباء عن سعي التنظيم الإرهابي للتمدد من مدينة سرت، الواقعة تحت سيطرته باتجاه المناطق المحيطة الغنية بالنفط.

ومن المرجح أن تزيد الضغوط الدولية على حكومتي طرابلس وطبرق وبرلمانيهما، ومن غير المستبعد فرض عقوبات أشد على الأطراف، التي تعطل التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الانقسام ويمهد الطريق لمحاربة "داعش" بمقتضى خطة سربتها وسائل إعلام أمريكية في وقت سابق. وكانت صحيفة "واشنطن بوست" قد كشفت أن الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين يراهنون على تشكيل حكومة وفاق تسبق خطة جديدة للتدخل في ليبيا. وذكرت الصحيفة الأمريكية أن مسؤولين من وزارات الدفاع في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا اجتمعوا منتصف الشهر الماضي في روما، وتوافقوا على مقترحات لدعم حكومة وفاق في ليبيا ومساندة جيش وطني واحد؛ ما يمهد لأسس واقعية للحد من توسع "داعش" على الأراضي الليبية. ومن بين الخيارات التي طرحها المسؤولون الغربيون - إرسال قوات من ايطاليا وبلدان أخرى للحد من الاقتتال ودائرة العنف، إضافة إلى تدريب قوات ليبية لمكافحة الإرهاب.

وأخيرا، فإن الاستعصاء السياسي الحالي، وعدم إقرار حكومة وفاق وطني تنهي الصراعات الداخلية يفتح المجال لتنظيم "داعش" للتوسع في الأراضي الليبية. ولكن إنهاء خطر التنظيم الإرهابي يفرض على كل من يسعى لمحاربته إعادة النظر في سياساته واستراتيجيته في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فالأمن على ضفتي البحر المتوسط كل لا يتجزأ، ولا يحل بالقوة العسكرية وحدها، أو بإزاحة نظام هنا وفرض وتمكين نظام آخر، بل بالكف عن ازدواجية التعامل مع قضايا جنوب المتوسط.

سامر إلياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)