"الحلم الأمريكي" في باشكيريا الروسية!

أخبار العالم

جيريمي ساواج
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hbuz

على خلفية ما يهول له الإعلام والمسؤولون في الغرب "لما تعانيه روسيا جراء العقوبات الاقتصادية ضدها"، تفند أسرة أمريكية تقيم في روسيا ما يشاع عن "الضنك" الذي حل بالروس.

قدِم الزوجان الأمريكيان، جيريمي وإيمي ساواج، من الولايات المتحدة إلى جمهورية باشكيريا الروسية للعمل في تعليم اللغة الانكليزية، لكنهما قررا البقاء في روسيا وربط قدرهما بمصيرها وبما تعايشه.

وفي حديث لصحيفة "كومسومولسكايا برافدا"، وبعد استفسار من جيريمي حول ما حمله على الاستقرار في أواسط روسيا البعيدة، وترك الولايات المتحدة والتخلي فيها عن العيش الرغيد حسب كثيرين، قال: بصراحة، وإذا ما تحدثت عن الراتب الشهري الذي كنت أتقاضاه في مدينة سياتل مسقط رأسي في الولايات المتحدة، وقارنته بما أحصل عليه هنا في روسيا لقاء التدريس، لتبين أن الراتب الأمريكي يفوق ما أتقاضاه هنا بثلاثة أو أربعة أضعاف، إلا أن تكاليف المعيشة في أمريكا أعلى من هنا بمعدل الضعفين.

وأضاف: إنني وعلى كل حال، لا أعيش من أجل المال فحسب، وأحب روسيا ومعجب بها، كما أنني اعتدت على العيش فيها، رغم أنني أمريكي وأحمل جنسية الولايات المتحدة.

وتابع: لقد اشتريت هنا منزلا في ضواحي أوفا عاصمة باشكيريا، وسيارتين، كما أنني تركت العمل في معهد اللغة، حيث أشارك صديقا لي في إدارة مقهى. لدي ثلاثة أطفال، أكبرهم في الصف الثاني، وأصغرهم في ربيعه الأول. واجهنا في البداية بعض الصعوبات حينما أدخلنا طفلنا إلى روضة الأطفال عندما بلغ الثالثة من عمره. كان في البداية ينزوي بعيدا عن أقرانه، إذ لم يكن يقوى على فهم لغتهم، بل يحدق في الجميع دون أن يفقه شيئا، حتى تبين لنا في ما بعد أن رياض الأطفال في روسيا منضبطة كالثكنات العسكرية. هذا الأمر حمله على تعلم الروسية وإتقانها بلا لكنة، وها هو الآن تلميذ في الصف الثاني، بل يخوض المسابقات المدرسية إلى جانب أترابه المتفوقين.

الزوجان جيريمي وإيمي ساواج وأطفالهما

أما إيمي الزوجة، فقد وافقت زوجها بلا تردد حينما اقترح عليها قبل ست سنوات الانتقال إلى روسيا للعمل، لا سيما وأنها تجيد التحدث بالروسية حيث سبق لها وأن اشتغلت معلمة لغة إنكليزية في واحدة من دور الأيتام في موسكو.

وفي مداخلتها قالت: أذكر أنه عندما وصلنا إلى أوفا، صادف تاريخ قدومنا حلول عيد المرأة، وكنت أشاهد الرجال وهم يحملون الزهور والهدايا في الشوارع قاصدين أمهاتهم وزوجاتهم وغيرهن من المقربات لتهنئتهن، مما أثار فضولي ودحض في مخيلتي ما يشاع عن أن الروس متجهمون، والصقيع يخيم على بلادهم طيلة العام، في حين أن البرد يستمر في روسيا ستة أشهر فقط في السنة.

جيريمي، وفي التعليق على طبيعة الحياة الاجتماعية في روسيا، لفت من جهته النظر إلى الألفة والمودة التي تربط بين الناس، حيث يتبادلون الزيارات ويقضون الأوقات مع الأصدقاء ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، خلافا لما هو سائد في الولايات المتحدة إذ لا تتعدى الزيارة هناك الساعتين لضيق الوقت ومشقة السعي.

وفي الحديث عن الأسعار في روسيا، وخاصة في أعقاب هبوط الروبل وارتفاع أسعار جملة من المواد الغذائية قال: البيض كان بـ27 روبلا للعشر، فيما أصبح سعر العشر 60 روبلا الآن. قفزة مخيفة في الأسعار. سعر الحليب والخبز هنا يساوي في المناسبة مثله في سياتل.

وبعد ان اشتكى جيريمي وزوجته من ارتفاع الأسعار في روسيا، وفي إجابة عن السؤال الأخير في المقابلة حول ما إذا كان يريد الرحيل وترك العيش في روسيا والعودة إلى بلاده سعيا وراء الأفضل، قال: لا! قبل التفكير بالعودة، علي أولا "تحقيق الحلم الأمريكي" وتوسيع نشاط المقهى الذي أعمل فيه، كما أنني أريد تعلم اللغة الباشكيرية فهي لغة رائعة جدا!

وعليه، واستنادا إلى ما صرح به مواطنان أمريكيان يقيمان ويعملان في روسيا منذ ست سنوات، يكون قد "شهد شاهد من أهلها"، ليدحض بذلك صحة ما يجاهر به المسؤولون الغربيون، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذين يطرحون، حسب المثل الروسي "ما يتمنون تحقيقه على أنه واقع تحقق" ويؤكدون أن الاقتصاد الروسي إن لم يمت بعد، فهو يحتضر!

الملفت في قصة المواطنين الأمريكيين، أنهما يمثلان في المناسبة ما يسمى في الولايات المتحدة "الطبقة المتوسطة"، التي يؤكد الساسة والمشرعون والاقتصاديون الأمريكيون أنها عماد الاقتصاد الأمريكي والطبقة الأكثر رغدا بين مثيلاتها في العالم.

وبالوقوف على واقع الطبقة المتوسطة في روسيا، واستنادا إلى المستوى المعيشي الذي حققه الزوجان الأمريكيان جيريمي وإيمي ساواج في غضون ست سنوات، ورغم غلاء الأسعار و"تعاسة الاقتصاد الروسي" حسب خصوم موسكو، فهما استطاعا في غضون نصف عقد من الزمن شراء منزل جاهز يتمتع بالتدفئة المركزية وموصول بشبكة الغاز والخدمات البلدية. كما تمكنا من اقتناء سيارتين وينشئان ثلاثة أطفال، علما أنهما أجنبيان ولا يتمتعان بالامتيازات التي تقدمها الدولة للأسر الشابة في روسيا، فضلا عن أن الزوجة ربة منزل لا تتقاضى راتبا.

والسؤال: هل يمكن شراء منزل في الولايات المتحدة بهذه المواصفات، وسيارتين، وتربية ثلاثة أطفال، وتسديد أجور الروضة والماء والكهرباء والدواء والمواصلات والاتصالات ورسوم الفيزا والتأشيرة لقاء دخل رب الأسرة وحده؟

وأين وفقا لذلك "الحلم الأمريكي"، وأين يمكن تحقيقه، هل في الولايات المتحدة أم في باشكيريا في عمق روسيا بعيدا عن مراكزها الاقتصادية الكبرى؟

مستوى المعيشة وجودتها لا يقاس بقيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، وإنما بقدرة هذه العملة الشرائية. فروسيا وحسب تصنيف البنك الدولي، تحتل المركز الـ6 عالميا وفق مؤشر القدرة الشرائية للسكان، وكانت تشغل المركز الرابع عالميا حسب المؤشر المذكور سنة 2012.

وعليه، فالأزمة التي يعانيها الاقتصاد العالمي والتوتر الجيوسياسي، وهبوط الروبل والعقوبات الغربية ضد موسكو، أثقلت الاقتصاد الروسي حكما، وأسهمت في تعميق مشاكله، ولكن دون أن تأتي عليه وحده، فكان في ذلك شأنه شأن اقتصادات جميع الدول المنخرطة في العقوبات.

أثر العقوبات العكسي يتجلى في شوارع برلين وباريس وغيرهما من العواصم صاحبة العقوبات، والتي لم يتبق لدى المزارعين فيها سوى قطع الطرقات بجراراتهم، وإراقة الحليب في أقنية الصرف الصحي، وتكديس الخضروات وروث الحيوانات أمام بوابات المباني الحكومية. فهم يحتجون على الوضع الاقتصادي في بلادهم، وما تمخض عن العقوبات الجوابية الروسية التي يدفعون ثمنها من جيوبهم عن مسؤوليهم الذين بادروا بفرض عقوبات ارتدت عليهم.

صفوان أبو حلا