الشيخ العبيدي: جامع الزيتونة بتونس وجه آخر للأزهر وخط أحمر

الثقافة والفن

الشيخ العبيدي: جامع الزيتونة بتونس وجه آخر للأزهر وخط أحمرالشيخ العبيدي
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/758046/

جامع الزيتونة بتونس أول جامعة إسلامية، وثاني الجوامع التي بنيت في إفريقيا على الأرجح عام 79 هجريا، بعد جامع عقبة بن نافع بالقيروان.

 ويدرس جامع الزيتونة اليوم 12 ألف طالب ويتسع مقره الرئيسي بالمدينة العتيقة بالعاصمة تونس لنحو 8 آلاف مصل، ولديه 25 فرعا داخليا وفرع آخر بالعاصمة الليبية طرابلس، حسب ما أفاد به إمامه الشيخ حسين العبيدي (76 عاما) في حوار لقناة RT.

لكن جامع الزيتونة مصنف بين الجوامع المنفلتة التي تحاول الدولة استعادة السيطرة عليها من دون جدوى. وهو ما يعتبره الشيخ العبيدي، أمرا غير مقبول، مستندا في ذلك إلى وثيقة حجة بل وإنه يطمح إلى أن تعاود مؤسسة الزيتونة إشعاعها ك"منارة التعليم الزيتوني الأصيل" وتسترجع مكانتها المعادلة منذ قدم التاريخ لمكانة جامع الأزهر في مصر.

س: جامع الزيتونة جامع منفلت، في تقدير الحكومة. لماذا لا تريدون عودة الجامع إلى إشراف السلطة؟

ج: لن يعود جامع الزيتونة إلى إشراف السلطة، ببساطة لسبب قانوني، وهو أن جامع الزيتونة أصبح مؤسسة مستقلة بمفعول وثيقة هي حجتنا الأساسية وتقضي بإعادة التعليم الزيتوني. وهي وثيقة موقعة منذ 12 مايو 2012 بين مشيخة الجامع الأعظم ممثلة في شيخ الجامع بفروعه، والدولة ممثلة في ثلاثة وزراء، هم وزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التربية والتعليم ووزير الشؤون الدينية. وبالتالي فسند استقلالية جامع الزيتونة عن السلطة سند قانوني (مجلة العقود والالتزامات التونسية)، ومن غير الممكن العدول عنه.

وقد أوفدنا لجنة قانونية من قسم نزاعات جامع الزيتونة للتفاوض مع وزير الشؤون الدينية الحالي في حكومة مهدي جمعة، وإقناعه بما تنص عليه الوثيقة لا سيما في بندها الأول الذي يقول إن جامع الزيتونة مؤسسة إسلامية علمية تربوية مستقلة غير تابعة للدولة.  

س: هل تريدون القول إن لديكم وثيقة قانونية تجعل من استرجاع جامع الزيتونة أمرا عصيا؟

ج: دعوني أوضح في خصوص هذه الوثيقة الذي نعتبرها ليست قانونية فقط وإنما وثيقة شرعية لأن من مضى عليها هم مسؤولو دولة، تم اختيارهم من بين أعضاء المجلس الوطني التأسيسي الذي انتخبه الشعب. والتراجع عن هذا العقد المبرم خيانة للشعب. وحينئذ لا يحق لحكومة مهدي جمعة غير المنتخبة أن تعاود النظر في الوثيقة. فهي حكومة غير شرعية.

إذا هذه الوثيقة المبرمة منذ سنتين (12 مايو 2012) وهي مسجلة بإدارة التسجيل بتونس يوم 21 مايو 2012 وقد وقع إشهارها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، واستوفت بذلك شروطها وهي غير قابلة للطعن لفوات أجل الطعن الذي لا يتجاوز بمقتضى القانون العشرين يوما طبقا للفصول 242 و243 و547 من مجلة العقود والالتزامات التونسية.

س: نفت السلطة انتماءكم إلى التيارات المتشددة، ولكنها ترى أنكم إمام منصب خارج عن إشرافها، ما ردكم؟

ج: هناك 4000 جامع في تونس يمكن أن تتصرف فيها الدولة، وتنصب عليها من تشاء من الأئمة لكن لا علاقة للدولة بجامع الزيتونة ولا بمناهجه ولا بتنصيب أئمته وتلقينهم سياسات المتعاقبين على حكوماتها. فهو بصورة أوضح مؤسسة علمية تربوية لها مقر و25 فرعا موزعين داخل الجمهورية ولا يفترض الزج بها في السياسة وربطها بدواليب الدولة.

نحن نستثني جامع الزيتونة عن بقية الجوامع لأن لديه الاستقلالية الإدارية والمالية. إنه يماثل في حجمه التاريخي جامع الأزهر الشريف بل إنه أعرق جامعة إسلامية في التاريخ وحري به أن يستعيد بريقه ليماثل الأزهر في تلقين المعارف والعلوم، بحيث يكون لدينا أطباء ومهندسون ولما لا صحفيون زيتونيون. سنعمل على دعم كل الاختصاصات التعليمية بالزيتونة ليعاود الجامع إشعاعه المعرفي.

ولن نقبل بأن يكون الجامع في خدمة السياسة أو يخضع لإملاءات السياسيين، بحيث تتحول المؤسسة إلى وسيلة في يد السياسيين ويسلطون عليها إيديولوجياتهم وأجنداتهم السياسية. لن نسمح بأن يتكرر ذلك أبدا.

وهذا هو لب الصراع سلطة الإشراف تريد وضع اليد على المؤسسة ونحن نعارض هذه الفكرة بشدة ونطمح إلى إحياء دورها كمنارة للعلم والمعرفة الذي فقدته منذ أقر رئيس الجمهورية التونسي (الراحل) الحبيب بورقيبة توحيد التعليم عام 1965.

ومن زاوية أخرى، تشرف وزارة الشؤون الدينية حسب ما يحيل عليه اسمها على كل الديانات، المسيحية واليهودية والإسلامية وحتى البوذية. بحيث يمكن قانونيا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو حتى الرئيس الاسرائيلي شمعون بيرز إن أرادا ذلك أن يلقيا خطابا في أي جامع من جوامع تونس، وذلك طبعا باستثناء جامع الزيتونة وفروعه. وبالتالي على السلطات أن تبدأ أولا بتغيير اسم الوزارة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والدينية.

س: طيب، برأيكم أي التيارات الإسلامية تشكل خطرا على تونس ومنطقة المغرب العربي؟

ج: الخطر الكبير في التيارات الوهابية والسلفية بجميع أنواعها. فالمذهب المالكي هو السائد في منطقة المغرب العربي من طرابلس (ليبيا) إلى نواكشوط (موريتانيا). ولذلك نجد المنطقة أكثر هدوءا وأقل فتن من الشرق وتحديدا سورية والعراق حيث يحتد المد المذهبي.

أما تونس فأشعرية العقيدة مالكية الفقه وجنيديّة الطريقة وذلك منذ برز جامع الزيتونة إلى الوجود عام 116 هجري (736م). لكن بعد أن جفت المنابع العلمية الأصلية منذ عام 1965 بدعوى توحيد التعليم، تسللت هذه التيارات إلى تونس فقد جاءت في فترة الفراغ وغياب علماء تناقش وتجادل.

ونحن نعاني إلى اليوم ويلات انتشار هذه التيارات التي تحاول أطراف خارجية أتحفظ عن ذكرها تغديتها وتمويلها فهناك جمعيات ومدارس متمركزة في تونس اليوم تنشر الفكر الوهابي باسم الشريعة وتروج لأجندات أتحفظ أيضا على الحديث بشأنها لأنها لا تجلب إلا متاعب نحن في غنى عنها.

س: هل سبق وعرض عليكم نشر الفكر الوهابي أو السلفي عن طريق جامع الزيتونة؟

ج: مما لا شك فيه. فهناك إغراءات مالية كبيرة ومازلت متواصلة. ونحن لا نقبل الهبات والمساعدة المشبوهة. وجوابنا دائما الجامع ليس بضاعة تباع أو تشترى أو تكرس المذاهب السياسية مقابل تكريس مما أسميه المذهب السيساتي.

وموارد الجامع تأتي من تبرعات أفراد من الشعب من المتحمسين للحفاظ على الهوية المتمثلة في جامع الزيتونة العريق والذي انطلق في رسالة الثقافة والعلم وقد مر على قيامه 1318 عاما.

بالتالي نحن في صراع مستمر مع هذه التيارات حتى أننا كنا نواجه صد أنصارها لنا كلما قصدنا الطريق لفتح فرع زيتوني في المناطق الداخلية للبلاد. وقد أخفقنا فعلا في تركيز فرعنا بمحافظة المهدية بالجامع الكبير بالمدينة، الذي تسيطر عليه إلى اليوم جماعات مشددة وقد استعصى حتى على الدولة أمر استرجاعه.

س:كيف نحصن تونس والمنطقة من هذه التيارات المتشددة وننقذها من الانزلاق في مخاطر تداعياتها؟

ج: بكل بساطة يجب إعادة التعليم الزيتوني الأصيل ونحن ندرس اليوم بالمناهج التي وضعها محمد الطاهر بن عاشور أحد كبار أساتذة الزيتونة القدامى. فيجب الرجوع إلى الهوية الثقافية العلمية الدينية التي تصدر عن جامع الزيتونة وعن علمائه. لأن الفتن تأتي من عناصر جاهلة بدينها وبثقافتها. وعموما يتبع شبابنا فتاوى من الخارج يأخذونها من الفضائيات والإنترنت ولو قام التعليم الزيتوني الأصيل لعادوا إليه لينهلوا من معارفه ومراجعه.

فيجب إنقاذ المنطقة من المد المذهبي الذي تشعل فتيله دول غربية وتستعمل فيه الأمراء والرؤساء كبيادق لتحريك النار، تقودها إلى ذلك أطماع في ثروات المنطقة من البترول واليورانيوم، فلا وجود في رأيي لتفسير آخر لما يجري في المنطقة بما فيها ليبيا.

وبالمناسبة فقد قمنا بناء على طلب من الجهات الليبية بتركيز فرع للزيتونة في العاصمة الليبية طرابلس يوم 23 جوان 2013 وأبرمنا وثيقة قانونية في الغرض مشابهة لوثيقة استئناف تعليم جامع الزيتونة في تونس.

س: ما حكمكم فيما يسمى ب"تنظيم الدولة الإسلامية" و"الجهاد" وجهاد النكاح"؟

ج: لا وجود لتنظيم الدولة الإسلامية في الإسلام ولا للجهاد الذي يبيح قتل المؤمن لأخيه المؤمن عن غير وجه حق، كما لا وجود لجهاد النكاح وكل المجاهدين مغرر بهم.

فالإسلام لا يحرض على الذبح وقتل الأبرياء. وهذا التنظيم فتيل من الفتائل التي تشعلها دول غربية لأغراضها المعروفة، وهي ابتزاز ثروات الأمة العربية الإسلامية من البترول واليورانيوم.

أما الجهاد في القتل أو جهاد النكاح فهؤلاء مغرر بهم بالتمويل المادي حيث يصل أجر الواحد أو الواحدة منهم ما بين 3 و4 آلاف دينار تونسي (1700 و2300 دولار). والهجرة للقتال في الأراضي السورية أو غيرها تنظم دائما بطرق سرية غير قانونية مشابهة للهجرة السرية لآلاف الشباب عبر البحار باتجاه إيطاليا.

هنالك أيضا أطراف تدعي المشيخة وهي متورطة في إصدار فتاوى بالجهاد وهم عملاء لدول أخرى تقوم بتمويلهم للغرض.

فالإرهاب بضاعة غربيّة بالأساس صدرتها إلى العرب دول غربية، فمن قتل الرئيس الامريكي الأسبق جون كندي الأمريكيون دون شك وليس العرب، وهم من أنتج أفلام الوسترين والجوسسة لجيمس بوند. كما أن من قام بأول عملية اختطاف جوية فرنسا التي حولت وجهة طائرة كان على متنها الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بله في نضالاته قبل استقلال الجزائر. فهم من علمنا إذا الجوسسة والقتل والاغتيالات.

س: ختاما، هنالك توقعات بعودة تونسيين شاركوا في القتال وعلى الخصوص من سورية فهل تحق التوبة على الجهاديين؟

ج: مما لا شك فيه فمن تاب فقد تاب الله عليه. لكن لا بد من التحقق من التوبة. يجب وضع العائدين من أراضي القتال في أماكن معزولة والتحقق من صفاء نواياهم. ولا أؤيد فكرة الزج بهم في السجون وتعذيبهم حتى تتضاعف نقمتهم وشراستهم.

وأعتقد أن التأطير النفسي والطبي والمتابعة أمر ضروري للعائدين التائبين. وأنا شخصيا لم يسبق لي أن التقيت بمجاهد تائب ولو التقيت يوما أحدهم فأنا على ثقة بأننا سننفصل وهو تائب باك ونادم على صنيعه.

الشيخ العبيدي

جابمع الزيتونة

 

 

 المصدر: RT