استفتاء القرم: هل تملك الجمهورية حق تقرير مصيرها؟

أخبار روسيا

استفتاء القرم: هل تملك الجمهورية حق تقرير مصيرها؟
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/664219/

سارعت الدول الغربية الى وصف الاستفتاء الذي قرر برلمان جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي إجراءه لتقرير مصير الإقليم، بغير الشرعي، وذلك دعما لموقف السلطات الجديدة في كييف.

سارعت الدول الغربية الى وصف الاستفتاء الذي قرر برلمان جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي إجراءه لتقرير مصير الإقليم، بغير الشرعي، وذلك دعما لموقف السلطات الجديدة في كييف، التي تصرّ على أن قانون البلاد لا يسمح بإجراء استفتاءات محلية.

نبذة عن القرم

لكن ما هي الأسس القانونية لقرار نواب القرم، وما موقف موسكو من هذا التطور للأحداث؟

يشير مؤيدو انضمام القرم الى روسيا الى أن فكرة إجراء استفتاء حول خروج إقليم من قوام الدولة ليست جديدة، إذ من المقرر أن يجري في سبتمبر/أيلول القادم استفتاء في اسكتلندا حول استقلالها عن بريطانيا، وفي نوفمبر/تشرين الثاني استفتاء مماثل حول استقلال كاتالونيا عن اسبانيا، كما كانت دولة جنوب السودان قد تكونت على أساس مثل هذا الاستفتاء.

 

وفي مثال تاريخي آخر، جرى في عام 1948 استفتاء في المستعمرة البريطانية نيوفاوندلاند واللابرادور، إذ قررت أغلبية السكان خلاله الانضمام الى الفيدرالية الكندية.

 لكن المعارضة الأوكرانية التي وصلت في نهاية فبراير/شباط الى السلطة في كييف (ومنها حزب "الحرية" ذو التوجهات القومية الذي يعلن أن أحد أهدافه الأساسية يتمثل في تجريد القرم من وضع جمهورية الحكم الذاتي وتحويلها الى "مقاطعة تافريدا") في إحدى خطواتها الأولى، ألغت الدستور الأوكراني واستأنفت مفعول الدستور السابق المقرر في عام 2004 الذي ينص (في المادة رقم 73) على أن جميع المسائل المتعلقة بتغيير حدود الدولة يجب أن تطرح على استفتاء عام في البلاد، ولا يسمح هذا الدستور بإجراء استفتاءات محلية.

بدورها تتهم موسكو وقيادة جمهورية القرم الحكام الجدد في كييف والدول الأوروبية بالكيل بمكيالين. وترفض جمهورية الحكم الذاتي الاعتراف بشرعية السلطات الجديدة في كييف، باعتبار أنها وصلت الى سدة الحكم بطريقة غير دستورية.

وقال مندوب روسيا الدائم لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيجوف إنه لو كانت بروكسل مهتمة فعلا بتنفيذ الدستور الأوكراني، لانتبهت الى أن كلا الدستورين لعامي 2010 و2004، ينصان على عملية قانونية محددة لإقالة رئيس الدولة، أما عملية خلع الرئيس يانوكوفيتش فلم تكن دستورية، لذلك لا يمكن اعتبار السلطات الحالية في كييف شرعية.

تسلسل تطورات الأزمة الأوكرانية

بدوره يقول الخبير السياسي الروسي أليكسي موخين إن احتجاجات المعارضة المؤيدة للتكامل مع الاتحاد الأوروبي والتي استمرت في كييف منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، سبق قرارات سكان ونواب القرم وصار أساسا لها، واضاف: "إن الغرب اعترف بالحكومة الأوكرانية الجديدة، ولذلك يمكن اعتبار مثل هذه القرارات التي يتخذها الشارع شرعية".

القرم بين موسكو وكييف: تاريخ المسألة

صوّت المجلس الأعلى لجمهورية القرم ذات الحكم الذاتي يوم 6 مارس/آذار الجاري، لصالح طرح خيار الانضمام الى روسيا على التصويت في الاستفتاء الذي أعلنته السلطات سابقا لتحديد الوضع القانوني للإقليم، وذلك بعد تغيير السلطة في كييف. كما قرر النواب إجراء الاستفتاء في 16 مارس/آذار، بدلا من موعده السابق المحدد في 30 مارس/آذار.

وهذا يعني أن سكان الجمهورية ومدينة سيفاستوبول (الواقعة في شبه الجزيرة، لكنها تخضع للسلطة المركزية في كييف مباشرة، لا لسلطات جمهورية الحكم الذاتي) التي اتخذ مجلسها قرارا مماثلا، سيختارون نهاية الأسبوع القادم بين خيارين أولهما بقاء شبه الجزيرة في قوام أوكرانيا مع العودة الى دستور الجمهورية المقرر في عام 1992 والذي يمنحها صلاحيات واسعة تقترب من صلاحيات الدولة المستقلة. أما الخيار الثاني فهو الانضمام الى روسيا الاتحادية.

ويشكو سكان شبه الجزيرة من الظلم التاريخي الذي أدى الى فقدان جمهوريتهم لكل صلاحياتها المميزة في السنوات الماضية، في ظل تنامي نفوذ القوميين الأوكرانيين الذين يصرون على بقاء أوكرانيا دولة موحدة لا فيدرالية.

وتجدر الإشارة الى أن القرم التي ضمتها الإمبراطورية الروسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولعبت دورا مهما للغاية منذ ذلك الحين في تاريخ الدولة الروسية والسوفيتية، كانت تتمتع بوضع جمهورية حكم ذاتي في قوام الاتحاد السوفيتي (حتى عام 1945)، ونقلت الى قوام أوكرانيا في عام  1954 بقرار الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشيوف (الذي كانت له أصلول أوكرانية)، وبقيت في قوامها كإحدى مقاطعات أوكرانيا السوفيتية.

وفي عام 1991 في أول استفتاء شعبي من هذا القبيل بالاتحاد السوفيتي صوت أكثر من 93 % من سكان القرم لصالح تحويل مقاطعتهم الى جهورية حكم ذاتي (مقابل 5 % صوتوا ضد القرار بمشاركة وصلت الى 81 %). ومن اللافت أن سكان القرم صوتوا آنذاك لصالح تحويل القرم الى جمهورية منفصلة عن أوكرانيا في قوام الاتحاد السوفيتي لا في قوام أوكرانيا، إلا أن القرم بقيت في قوام أوكرانيا وفق قرار المحكمة السوفيتية العليا. ومثل الجمهوريات السوفيتية الأخرى، أصدر القرم في سبتمبر/أيلول عام 1991 عندما بات تفكك الاتحاد السوفيتي واضحا للعيان، بيانا حول سيادته.

وفي ديسمبر/كانون الثاني من العام نفسه، جرى في القرم استفتاء آخر طرح فيه سؤال: "هل تؤيد إعلان أوكرانيا استقلالها؟"، وصوت 54 % ممن شارك في الاستفتاء بنعم، بينما بلغت نسبة المشاركة 67 %، أي أيد هذا القرار نحو ثلث سكان شبه الجزيرة فقط.

ومنعت السلطات الأوكرانية لاحقا إجراء استفتاء مماثل بشأن انضمام القرم الى روسيا، على الرغم من تزايد الدعوات في شبه الجزيرة في الأشهر التي تلت استقلال أوكرانيا، الى الانفصال عن كييف.

وكانت الجمهورية تتمتع بصلاحيات واسعة للغاية وفق دستورها المقرر في عام 1992، إذ كان يحق لها انتخاب رئيس خاص بها وإقامة علاقات مع دول أجنبية. لكن بعد أشهر قليلة، وتحت ضغوط من كييف، تم تعديل الدستور من أجل تقليص صلاحيات الجمهورية. إلا أن سعي قيادتها ورئيسها للانضمام الى روسيا لم يتوقف.

وفي عام 1998 أقر دستور جديد للقرم ألغى معظم صلاحيات الجمهورية، ومنصب رئيسها، وأكد أن القرم جزء لا يتجزأ من أوكرانيا أما صلاحياته فيحددها دستور أوكرانيا. كما يعلن هذا الدستور اللغة الأوكرانية لغة الدولة في القرم، وهو البند الذي أثار الغضب في صفوف السكان الذين تتكلم أغلبيتهم الساحقة اللغة الروسية.

وتشير استطلاعات الرأي التي أجريت في السنوات الأخيرة، الى تنامي رغبة سكان الجمهورية للعودة الى قوام روسيا، إذ كان 41 % من سكان القرم يدعمون فكرة الانضمام الى روسيا، وذلك قبل الأحداث الدموية الأخيرة في كييف ووصول القوميين الى السلطة (ومن المتوقع أن تكون هذه النسبة حاليا أكبر بكثير)، بالمقارنة مع 38 % ممن أيدوا هذه الفكرة منذ عامين.

موقف روسيا

وحاولت روسيا استعادة القرم بعد استقلال أوكرانيا، إذ اعتبر المجلس الأعلى لروسيا الاتحادية في مايو/أيار عام 1992 قرار نقل القرم الى قوام أوكرانيا في عام 1954 غير دستوري، ودعت موسكو كييف الى إجراء مفاوضات دولية حول وضع شبه الجزيرة.

وفي ديسمبر/كانون الأول عام 1994 وقعت أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا معاهدة بودابست التي تنص على تخلي كييف عن الأسلحة النووية مقابل ضمانات سيادتها وأمنها. إلا أن البرلمان الروسي لم تصادق على المعاهدة حتى الآن.

ووفق اتفاقية ثنائية مع كييف يرابط أسطول البحر الأسود الروسي في مدينة سيفاستوبول. وعلى الرغم من الأحاديث السابقة عن إيقاف الاتفاقية بعد 2017 وسعي كييف للانضمام الى حلف الناتو، إلا أن الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وقّع في عام 2010 مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين اتفاقية لتمديد استئجار القاعدة البحرية في سيفاستوبول لمرابطة الأسطول الروسي مدة 25 عاما حتى عام 2042.

ويجعل كل ذلك موقف مجلس الدوما (النواب) الروسي مفهوما، إذ قدم رئيس حزب "روسيا العادلة" سيرغي ميرونوف الأسبوع الماضي مشروع تعديل من شأنه أن يسهّل عملية انضمام جزء من دولة أجنبية الى أراضي روسيا. إذ ينص القانون الروسي حاليا على أن هذه العملية ممكنة فقط تلبية لدعوة دولة أجنبية تريد تسليم جزء منها لروسيا، ويقترح ميرونوف إضافة الى القانون بندا يسمح بضم جزء من دولة أجنبية لا توجد فيها سلطة فعالة، بشرط موافقة سكان الإقليم على الدخول في قوام روسيا الاتحادية.

ومن اللافت أن موسكو لا تعترف بالسلطات الجديدة في كييف وتعتبرها غير شرعية.

المصدر: RT

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة