أولويات التنمية وإعادة الإعمار في سورية

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/620494/

ينتظر السوريون، بفارغ الصبر، انتهاء الحرب الشرسة، والدخول في مرحلة إعادة الإعمار، ومن المؤكد أن المضي قدما في تحقيق التنمية وإعادة الإعمار، مرهون في شكل كامل بحلول الأمان، وحصول مصالحة وطنية تاريخية لتضميد الجراح، يعقبها توافق وطني حول عملية إعادة البناء وآليات ومصادر التمويل ومعالجة الاختلالات المتراكمة في الاقتصاد السوري.

ينتظر السوريون، بفارغ الصبر، انتهاء الحرب الشرسة في بلدهم، والدخول في مرحلة إعادة الإعمار، حيث يتوقعون يوما بعد يوم، معاناة المزيد من البؤس الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة الكثير من التحديات التي لا يمكن اعتبارها بديهية الحلول والنتائج، خصوصا أن  سورية عانت  قبل الأزمة مشاكل اقتصادية مختلفة، شكلت عوائق جدية للتنمية الشاملة.

ولعل الواقع الأصعب الذي خلفته الأزمة، ومايزال، هو الانخفاض الكبير في موارد الموازنة العامة من جهة،  وتعاظم المسؤوليات الملقاة على عاتق الدولة  من جهة أخرى، وأهمها: تأمين احتياجات الأسر السورية من السلع والمواد الرئيسية وحوامل الطاقة والكهرباء والمياه وغيرها، إضافة إلى تقديم خدمات التعليم والصحة، وتوفير فرص عمل للشباب، وإيجاد دور إيواء للأسر المهجرة وتأمين الغذاء والكساء والمتطلبات الضرورية لها. وإضافة إلى التكاليف الكبيرة للعمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش والقوات المسلحة لإعادة الأمان للبلد، في ظروف كهذه، لابد من إعادة مناقشة الأولويات في مجالات التنمية المختلفة، وكيفية ترتيبها بالتوازي مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار في ظل الإمكانيات المتاحة.

الواقع الاقتصادي الحالي

رغم الاختلالات والاختناقات الكبيرة في معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية، فإن الواقع الاقتصادي في سورية مازال مقبولا نسبيا، إذا أخذنا بالاعتبار مرور سنتين وبضعة أشهر من الحرب المدمرة، واستهداف المنشآت العامة والخاصة وطرق النقل والتوزيع بشكل كثيف ومدمر، ويمكن قراءة الواقع الاقتصادي الحالي واستكشاف ملامحه، على المستوى الكلي macro economy ، من خلال النقاط التالية :

1- انخفاض كبير في موارد الموازنة العامة، ما يعتبر نتيجة طبيعية لضعف النشاطات الاقتصادية وتوقف الكثير منها، واستمرار مسلسل الخسائر الكبيرة في القطاع العام، والأضرار البالغة التي أصابت قطاع النفط  والقطاع الصناعي، إن هذا التدني الخطير في مستوى الإيرادات العامة للدولة، سيكون عائقا كبيرا أمام عملية التنمية وإعادة الإعمار.

2-  نسب بطالة مرتفعة  تشمل معظم شرائح المجتمع، وتصل نسبتها إلى 50% بين الشباب في المناطق الشمالية الشرقية، وهي تصنف كأسوأ الظواهر الاقتصادية ، إذ تعيق دوران العجلة الاقتصادية، الناتج عن انخفاض الطلب الكلي في الاقتصاد الوطني وتزيد نسب الفقر وتعمق مستواه.  

3- عجز كبير في ميزان المدفوعات، الذي يعبر بشكل أساسي عن عدم  التوازن بين ما يدخل حسابات الدولة من قطع أجنبي من الصادرات أوالاستثمارات أو السياحة وما يخرج منها، كتحويلات للمستوردات والالتزامات الأخرى، وتعزى أسباب تقلص الصادرات السورية للعقوبات الاقتصادية  من جهة، والظروف الأمنية التي تعيق الإنتاج والنقل والتوزيع من جهة أخرى، إضافة إلى ما تواجهه الصادرات النفطية من استيلاء العصابات المسلحة على مناطق تحتوي على أهم حقول البترول.

4- انكماش الناتج المحلي الإجمالي ما يزيد عن 40% ، بسبب توقف الإنتاج في الكثير من المعامل والمنشآت التي تعاني اختناقات كثيرة، وغياب الأمان عن عدد كبير من المناطق وطرقات النقل. إضافة إلى استهداف العصابات المسلحة لعدد كبير من المصانع  العامة والخاصة بالتدمير والسرقة ، ونتج عن كل ذلك  خسائر وطنية هائلة.

5- عدم استقرار سعر صرف العملات الأجنبية واستمرار تدني قيمة الليرة السورية أمامها، مما أدى إلى انخفاض دخول المواطنين الحقيقية وعدم قدرتهم على تلبية احتياجاتهم المعيشية، وارتباك مضاعف في الأسواق .

6- خروج رؤوس الأموال لعدد كبير من الصناعيين والتجار ورجال الأعمال ، الذين قاموا بتأسيس أنشطة اقتصادية خارج سورية، مما أثر سلبا على الاقتصاد بشكل عام وعلى البطالة بشكل خاص، وأدى إلى الدخول في الحلقة المفرغة للفقر.    

إن هذا الاستعراض الموجز، يشير إلى ملامح الواقع الاقتصادي الصعب في سورية ويطرح تساؤلات  كثيرة، حول قدرة الدولة على الاستمرار بواجباتها التقليدية والدخول في مرحلة إعادة الإعمار ومن هذه الأسئلة: 

إذا استطاعت الدولة الاستمرار بالقيام بوظائفها الأساسية طيلة الفترة السابقة،  فهل ستتمكن من الدخول إلى مرحلة إعادة الإعمار؟  ما هي منهجية وآليات عملية إعادة الإعمار؟  وكيف ستتم عملية تأمين التمويل اللازم لهذه المرحلة؟ .......... أسئلة كثيرة، ولعل الإجابات تستطيع أن تعبرعن رؤيتنا كسوريين للمرحلة الأشد صعوبة نحو سورية المستقبل!!

ترتيب الأولويات

ومن المؤكد أن الأولوية الأولى هي لإعادة الأسر المهجرة إلى بيوتها بعد ترميمها وإعادة الخدمات الأساسية إلى مناطقها، وكذلك إعادة تأهيل وتشييد البنى التحتية، التي استهدفت  في شكل مباشر وكثيف من قبل المجموعات المسلحة وخصوصا المدارس والمستشفيات التي تعتبر أهم أسس التنمية البشرية.

في المجال الاقتصادي، لا بد من تبني سياسات واتخاذ  إجراءات  تهدف لإحداث  تغيير في حالة الناتج المحلي الإجمالي من الانكماش إلى النمو الإيجابي، مما يؤثر على امتصاص البطالة جزئيا، وهذا يستلزم بالضرورة إعادة تركيب وإصلاح وتشغيل المعامل في المدن الصناعية وغيرها، بعد  إعادة الأمن والهدوء إليها بالإضافة إلى تطوير واعتماد  سياسات أخرى تتعلق بتأمين المواد الأولية وحوامل الطاقة للصناعيين، هذه السياسات ستصطدم بمعوقات شتى، أهمها المصاعب التمويلية، وستخلق ضغوطا على المصارف لسببين؛  أولهما نتيجة لازدياد الطلب على السيولة عموما، وأما الثاني فهو التغيرات الكبيرة في سعر صرف الليرة والذي يعيق عمل المصارف في شكل طبيعي.

مراحل إعادة الإعمار

إن عقد مؤتمر وطني حول مرحلة إعادة الإعمار، باعتبارها الأهم والأكثر خطورة ولا بد من توافق وطني حولها، خصوصا ما يتعلق بالأولويات والمنهجية والآليات  ومصادر التمويل يهدف إلى تحديد أولويات إعادة الإعمار. والاتفاق على منهجية المرحلة والشركاء المتوقعين . إضافة إلى تحديد مصادر التمويل المقبولة ، والترويج للاستثمار في شكل فعال.

وفي البدء ، لا بد للدولة السورية من التركيز على ثلاث نقاط أساسية :

1- تطوير حزمة تشريعية، لتغطية الجوانب القانونية  لمشاريع إعادة الإعمار، وهنا نقترح أن قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص لتطوير وبناء المنشأت والمرافق العامة الــ PPP Public private partnership  .

2- إحداث بنية تنظيمية مناسبة تتصف بالكفاءة والقدرة على العمل بعيدا عن البيروقراطية  والروتين، والمقترح هنا إنشاء، الهيئة الوطنية لإعادة الإعمار، ويكون لهذه الهيئة، لجنة توجيه من الحكومة وبعض الجهات المانحة أو المشاركة في إعادة الإعمار، مثل ممثلي البنوك المشارك في عملية الإعمار، ومجلس إدارة تنفيذي  يتكون من خبراء ومختصين من القطاعين العام والخاص، لمتابعة مشاريع البناء والإعمار، بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة، وهيئة التخطيط الاقليمي، وبالمشاركة مع المجتمع المحلي لكل منطقة، وتتم الرقابة على الهيئة من قبل لجنة مؤلفة من مجلس الشعب وبعض الجهات الأخرى مثل الجهاز المركزي للرقابة المالية.

3- تأسيس صندوق خاص بإعادة الإعمار ، تكون مهامه متركزة على إعادة تأهيل البيوت والمناطق المتضررة جراء العمليات العسكرية، أما موارده التمويلية فتكون من الإعانات أو المنح الدولية، بالإضافة إلى حصيلة المساهمة الوطنية لإعادة الإعمار وهي بنسبة 5% من الضرائب والرسوم.

مصادر التمويل  

برغم التحديات فإن تأمين التمويل، هو العملية الأساسية  لإعادة الإعمار، سواء من خلال الاعتماد على المصادر المحلية، أو اللجوء إلى المصادر الخارجية، ولكل منها إيجابياتها وسلبياتها، وعادة ما تسلك الدول أحد طريقين أو تزاوج بينهما:

1- المصادر الخارجية: اللجوء إلى الاقتراض من الدول والمؤسسات المالية الصديقة، بالرغم من إيجابيات توفر السيولة التي تساعد على السرعة في إنجاز الأعمال هناك مساوئ: تتعلق برفع نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي وإضافة عبء مالي كبير على الموازنة العامة للدولة مما يعيق التنمية فيها لعقود قادمة، أما مساوئ الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، غالبا ما تفرض هذه المؤسسات على الدول المقترضة، شروطا اقتصادية صعبة وتنازلات سياسية تمس بالسيادة وتضع البلاد رهينة لهذه المؤسسات لمدة طويلة.

2- المصادر الداخلية : الاعتماد على الموارد المحلية لتأمين الأموال، يحتاج لطرق فعالة لتعبئة مدخرات السوريين في داخل وخارج سورية، وإعادة هيكلة الإيرادات العامة، ولا سيما النظام الضريبي وترشيد الدعم، ومحاربة التهرب الضريبي، وفرض نوع من الرسوم الخاصة بعملية الإعمار، إضافة إلى خصخصة بعض الأصول التي لم تعد منتجة بل أصبحت عبئا على الموازنة العامة ، ومثل هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت طويل وكفاءة عالية وإجراء دراسات  للايرادات المعروفة أو المحتملة التي يمكن خلقها وتعبئتها، دون أن تؤثر في معيشة المواطنين في شكل كبير.

الحلول المكملة لتأمين الموارد اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار من المصادر الداخلية قدر الإمكان لا بد من تطوير حزمة من الحلول الخلاقة والإجراءات أهمها :

1- تأسيس شركات مساهمة ســـورية كبرى، يكون كل مساهميها أو معظمهم من السوريين وتعطى هذه الشركات الأولوية في مشاريع إعادة الإعمار، بالاضافة إلى المزايا التحفيزية الأخرى.

2-  لا بد من طرح أصول عقارية  تملكها الدولة ، لاستثمارها  لفترات طويلة،  في مجالات مختلفة،  من قبل مستثمرين سوريين بطرق المزايدات القانونية المتبعة ولكن بأليات أكثر كفاءة.

3-  اتخاذ القرارات المناسبة والسريعة من قبل الحكومة  وبما يحقق مصلحة سورية ، لإجراء عقود مع شركات عالمية في مجال الصناعات الاستخراجية، ولا سيما بما يتعلق بالمكتشفات الجديدة في مجال النفط والغاز  مقابل السواحل السورية في البحر الأبيض المتوسط ، هذا سيشكل رافدا مهما لتلبية الاحتياجات التمويلية في البلد.

إن المضي قدما في تحقيق التنمية وإعادة الإعمار، مرهون في شكل كامل بحلول الأمان في أرجاء البلد وحصول مصالحة وطنية تاريخية لتضميد الجراح، يعقبها توافق وطني حول عملية إعادة البناء وآليات ومصادر التمويل.

لمياء عاصي

وزيرة الاقتصاد والسياحة السورية السابقة

الأزمة اليمنية