أمريكا ودويلات الميليشيات الإرهابية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط

أخبار العالم العربي

أمريكا ودويلات الميليشيات الإرهابية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/608314/

منذ وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وظهور التنظيمات الإسلامية المتطرفة في الشارع المصري، وتدشين آلة إعلامية ضخمة وممولة جيدا تجتذب قادة التنظيمات الإرهابية والمحكومين بجرائم إرهاب واغتيالات سياسية، بدأت دائرة المخاوف تتسع أمام محاولات تقسيم مصر تدريجيا.

منذ وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وظهور التنظيمات الإسلامية المتطرفة في الشارع المصري، وتدشين آلة إعلامية ضخمة وممولة جيدا تجتذب قادة التنظيمات الإرهابية والمحكومين بجرائم إرهاب واغتيالات سياسية، بدأت دائرة المخاوف تتسع أمام محاولات تقسيم مصر تدريجيا.

ومن المعروف أن قضايا ما يسمى بالحركات الانفصالية، هي قضايا أمن قومي لأي دولة. وبالتالي فعمليات تقسيم الدول هي أيضا قضايا أمن قومي. أي أن الذين يدعون إلى إجراء عمليات استفتاء على تطبيق الشريعة في محافظات ومناطق وأقاليم الدولة المصرية، والذين يفرضون قوانين الطوارئ وحظر التجول على مناطق ومحافظات معينة على خلفية تهميش هذه المناطق والوحدات الإدارية، والذين يقننون تمليك أراضي الدولة لمواطنين أجانب (غير مصريين) في محافظات بعينها ومواقع حدودية وغير حدودية.. كل ذلك ما هو إلا وضع خطوط فاصلة في الدولة الواحدة، وشكل من أشكال التقسيم الجغرافي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. والأخطر هو أن يتم توريط المؤسسة العسكرية تدريجيا في عملية تقسيم الدولة المصرية!

تساؤلات عديدة تجتاح الشارع المصري الآن من قبيل: هل ان قادة الجيش المصري يحمون حدود البلاد وترابها واستقلالها ووحدة أراضيها، أم يحمون النظام الديني اليميني المتطرف؟ ومع ذلك، فمن الصعب أن نتحدث عن خطط ما لمكتب الإرشاد أو لجماعة الإخوان المسلمين أو حتى لتنظيمهم العالمي بشأن تقسيم مصر أو تحويلها إلى دولة فاشلة على غرار باكستان وأفغانستان والعراق وليبيا. ولكن عملية تحويل الدول إلى كيانات فاشلة تجري وفق عمليات معقدة تتورط فيها الأنظمة السياسية والتنظيمات المسلحة والمتطرفة تدريجيا وبطرق وأشكال مختلفة لتجد نفسها فجأة أمام أمر واقع لا ناقة لها فيه ولا جمل. بل ويصل الأمر إلى خضوع القيادة السياسية لإرادة الخارج عموما، ولقوى بعينها قادرة على إدارة الأمور ومنح هذه القيادة أو تلك شرعية دولية.

ما يجري في مصر الآن يذكرنا بحكاية "طالبان" و"القاعدة". ففي مصر يوجد "الإخوان "من جهة، و"السلفية الجهادية والجهاد والجماعة الإسلامية وحزب التحرير الإسلامي والسلفية والقاعدة" من جهة أخرى. أي ببساطة نسق جديد يمكن أن نطلق عليه "تحالف القاعدة". وما يجري تحديدا في مصر هذه الأيام هو مقدمات لعمليات جرت في السابق في أفغانستان. والمثير أن الولايات المتحدة وقطر تحديدا تجريان مفاوضات مع "طالبان أفغانستان" باعتبارها "معتدلة"! ويمكن استمالتها ضد "القاعدة" المتطرفة" بإشراكها في حكم أفغانستان مع نظام حميد كرزاي الفاشل تماما في كل شيء. بل وأعلنت قطر عن استعدادها لفتح مكتب تمثيل لطالبان في الدوحة! وبالتالي على التاريخ والناس أن ينسوا أو يتناسوا أن طالبان فتحت ذراعيها للقاعدة بمباركة أمريكية – عربية شاملة، وبدأتا الجهاد معا وجنبا إلى جنب طوال عشرات السنين، وإلى الآن تعملان وتجاهدان معا. وما يجري في مصر هو تكرار لفيلم هابط بعنوان "طالبان والقاعدة" ولكن بتوزيع مصري. 

الإخوان ينزلقون تدريجيا وبزاوية ضيقة وغير محسوسة إلى مصير محتوم. ومن الواضح أن تمسكهم بالسلطة وترتيب أوراقهم مع الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا العتيقة، وبالأخص بريطانيا، يمنحهم القوة الكافية والشرعية الدولية الكاملة للمضي قدما نحو تحويل مصر إلى دولة فاشلة قائمة على تقسيمات إدارية وجغرافية ودينية جديدة. ولا شك أن المؤسسة العسكرية تنزلق معهم بزاوية أضيق بكثير. فهل الجيش يحمي الإخوان ونظامهم، أم يحارب "تحالف القاعدة" في سينا ومطروح والسلوم والوادي الجديد وحلايب، ولحساب مَنْ بالضبط؟! هل الجيش يحمي الرئيس أم يحمي حدود البلاد واستقلالها ووحدة أراضيها؟! 

من الواضح أن الجيش المصري يتعرض لحملة غير مسبوقة. ولكن البعض يقترح على قياداته أن تجلس لتفكر وتتأمل الوضع بجدية، قبل أن تتضايق وتنزعج من الانتقادات والحملات: ماذا يجري في مصر بالضبط؟ ومن يضع المقدمات لتفتيت البلاد على أسس دينية وعرقية واجتماعية وثقافية؟ لماذا يتم توريط الجيش في تنفيذ قرارات توسع الفجوة بينه وبين مهامه الأساسية؟ وما هو البديل للجيش إذا انشغل بالعلاقة بين "طالبان مصر" و"تحالف القاعدة في مصر"؟ وما هو مصير الجيش بعد ظهور الميليشيات وتدشين الخطوط الفاصلة – العازلة بين التقسيمات والوحدات الإدارية في الدولة المصرية؟! 

البعض يرى الآن وبعد 7 أشهر من حكم الإخوان المسلمين أن "الجيش فقط هو الذي سيحمي الشعب". والبعض الآخر يؤكد أن "الجيش يحمي مصالحه مع الطرف الرابح". والبعض الثالث يقول: "الجيش يحمي من كان يحميه أيام نظام مبارك.. الجيش مؤسسة من مؤسسات النظام أيا كان لون النظام. ولكن عندما تقوم ثورة شعبية واسعه يستحيل معها بقاء النظام الحاكم (مؤسسة الرئاسة) يتقدم الجيش لتسيير الأمور. وعندما يمسك الجيش بزمام الأمور، يقول دائما إنها مرحلة وستمر.. ثم يعمل بكل قوته من أجل البقاء. فإذا استقام له الأمر، يقدم نفسه على أنه التعبير الحقيقى عن رغبة الجماهير العريضة والمفجر الأساسي لغضب الشعوب الحرة وخلافه.. لكن إذا كان البقاء في السلطة مكلفا ومرهقا وغير مفيد أو مثمر والريح غير مواتية، يبدأ بالاتفاق على أوضاع قانونية ومكاسب معينه ليمهد لمرحلة تالية. فيخرج رابحا". 

مع بدء العصيان المدني في بور سعيد وبشائره في الإسماعيلية ومقدماته في المحلة الكبرى، بدأت المؤسسة العسكرية في مصر تبدي ردود أفعال وتصريحات تعكس حالة من القلق والغضب والضيق والتذمر، وربما "التهديد". فماذا يعني ما قاله الفريق صدقي صبحي، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، لقناة "سكاي نيوز" العربية بأن "القوات المسلحة وقفت بجوار شعب مصر وهذا ما جعل العلاقة قوية وقديمة الأزل. وأن القوات المسلحة لها الشرعية ولكن لا تنتمي لأي فصيل ولا تمارس السياسة وعينها على ما يدور داخل الدولة وإذا احتاج الشعب المصري القوات المسلحة، ستكون في أقل من ثانية...."؟! ماذا تعني تصريحات الخبراء العسكريين بأنه "من الصعب أخونة القوات المسلحة"؟ ولماذا أصلا تتورط القوات المسلحة في تنفيذ قرارات الرئيس الإخواني في عزل مدن القناة؟ وهل محاربة "تحالف القاعدة في مصر" من أجل وحدة أراضي الدولة، أم يمكن استثماره من "طالبان مصر" في تطوير الخطط والسيناريوهات الأمريكية التي لم تكن لتتم في أفغانستان في السابق بدون مساعدات كل الأنظمة العربية وعلى رأسها قطر والسعودية؟! إن تصريحات قادة المؤسسة العسكرية وتفسيرات الخبراء العسكريين لا تعني إلا أن واشنطن بدأت تعيد التفكير جزئيا في دعم الإخوان، وأن الإدارة الأمريكية تحاول الخروج من مأزقها بعد تعرضها لانتقادات حادة من الداخل الأمريكي نفسه. فهل الأمر كذلك فعليا، أم أن الأمور تسير قدما كما كانت تسير في أفغانستان والعراق وليبيا؟! فالداخل الأمريكي كان معترضا على تدخلات عسكرية كثيرة لإدارته، ولكن الإدارة لم تستمع كثيرا وواصلت حملاتها العسكرية في دول أصبحت الآن "فاشلة" بكل المعايير الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية. 

على الرغم من تحذيرات مراكز الأبحاث والمفكرين والكتاب الأمريكيين للإدارة الأمريكية من عدم التورط في دول ما يسمى بـ "الربيع العربي"، وبالذات في مصر، إلا أن البيت الأبيض الأمريكي مصمم على تنفيذ سيناريو تعميم نموذج حكم "الإسلام الديمقراطي الجديد" الذي تراه كل القوى المناوئة لأخونة المنطقة نموذج حكم "اليمين الديني المتطرف". هكذا تغامر الإدارة الأمريكية وتقامر في زمن من الصعب فيه إصلاح الأخطاء التي كانت تُرتَكب في أربعينيات وخمسينيات وستينيات وسبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. إن واشنطن تدور في حلقة مفرغة قد تكلفها الكثير في حال فشل خططها في المنطقة. بل وقد تنقلب عليها النخب العسكرية في تلك الدول، وفي مصر بالذات، على الرغم من أن واشنطن تتكفل حتى بتسليم هذه النخب رواتبها الشهرية. فهل ستتدارك الولايات المتحدة عنصر التاريخ والزمن والعوامل الاجتماعية والدينية والثقافية والإثنية الحقيقية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أم ستحول هذه الدول إلى دول فاشلة وتتركها مجرد مقاطعات وولايات تحكمها المليشيات المسلحة وتتصارع فيها القوى الدينية المتطرفة مع أنظمة ضعيفة وهشة بغطاء أمريكي؟!!

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم