من المستفيد من تهميش الأجهزة الأمنية المصرية عن أدوارها الحقيقية؟!

أخبار العالم العربي

من المستفيد من تهميش الأجهزة الأمنية المصرية عن أدوارها الحقيقية؟!
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/605226/

لم تكن مطالب المصريين، عندما خرجوا في 25 يناير 2011 وبعد الإطاحة بمبارك، أن يتم تهميش الأجهزة الأمنية عن أدوارها الحقيقية والمنوطة بها. كانت المطالب واضحة في الجزء الأمني: إبعاد الجيش عن الحكم والسياسة وعودته إلى ثكناته وحكم مصر، بإدارة مدنية، وخضوع الأجهزة الأمنية لمعايير واضحة تحكمها قوانين وقرارات حقوق الإنسان، ولا مساس بالحريات العامة والخاصة.

لم تكن مطالب المصريين، عندما خرجوا في 25 يناير 2011 وبعد الإطاحة بمبارك، أن يتم تهميش الأجهزة الأمنية عن أدوارها الحقيقية والمنوطة بها. كانت المطالب واضحة في الجزء الأمني: إبعاد الجيش عن الحكم والسياسة وعودته إلى ثكناته وحكم مصر، بإدارة مدنية، وخضوع الأجهزة الأمنية لمعايير واضحة تحكمها قوانين وقرارات حقوق الإنسان، ولا مساس بالحريات العامة والخاصة.

مطالب واضحة وبسيطة ولا يصعب فهمها. ولكن بمجرد أن قفز تيار اليمين الديني المتطرف إلى السلطة عبر عملية معقدة اتسمت بالتواطؤات والتهديدات المبطنة والتوازنات الدولية والإقليمية، تم إبعاد أشخاص بعينهم عن المؤسسة العسكرية واستبدالهم بآخرين كمرحلة انتقالية وكمقدمة لتغييرات أخرى في المؤسسة العسكرية آتية على الطريق، ولا يمكن استبعاد تغيير العقيدة العسكرية نفسها للجيش المصري إن عاجلا أو جلا. ولكن الدستور الجديد المثير للتساؤلات والشكوك لم ينتقص أي من مميزات المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة. واتضح أن كل ما جرى هو عمليات ترقيع وامتصاص لغضب المصريين وتفريغ مطالبهم من مضمونها بالالتفاف حولها.

إن كل ما جرى في العلاقة بين مكتب الإرشاد التابع لجماعة الاخوان المسلمين  والرئاسة المصرية من جهة وبين المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، هو نوع من الرشوة المقنعة – المؤقتة من أجل ليس إبعاد تلك المؤسسة عن السياسة والسلطة والحكم فقط، بل وأيضا من أجل تهميش وجودها على أرض الواقع، وتقليص دورها الحقيقي بالنسبة للمهام الأساسية المنوطة بها، مقابل الحفاظ على بعض المصالح الاقتصادية والمالية وعدم فتح ملفات بعينها. هذا الأمر تحديدا يكشف عن خطوات لاحقة من جانب مكتب الإرشاد والرئاسة الإخوانية وجماعة الإخوان المسلمين لتغيير العقيدة العسكرية المصرية وإجراء تغييرات جذرية عليها شكلا ومضمونا. وإذا كانت قيادات القوات المسلحة من الجيلين الأول والثاني تعرف جيدا أنها تعيش على عطايا ومنح ومساعدات الولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكنها أن تتخذ أي خطوة من وراء ظهر واشنطن أو بدون موافقتها، فذلك لا يمكنه أيضا أن يضمن عدم وجود خلافات وتباينات حقيقية في وجهات النظر داخل المؤسسة العسكرية نفسها قد تندلع شرارتها في أي وقت وتأخذ أشكالا وأبعادا وتداعيات لا يمكن التنبؤ بمساراتها ونتائجها وإلى جانب من ولصالح مَنْ ستكون!

لم يكن جهاز المخابرات المصرية أفضل حالا من المؤسسة العسكرية. فبعد إبعاد مبارك وأولاده وبعض المقربين منهم عن الحكم، والتمهيد لفرض تيارات اليمين الديني المتطرف على السلطة وعلى مفاصل الدولة وبعض مؤسساتها، تم تغيير قيادة المخابرات العامة مرتين. ولكن لأن عمل جهاز المخابرات هو في جوهره سري، فلا يمكن هنا أن نطالب بالكشف عن ملفات أو توجهات أو نشاطات ما. ولكن ما يمكن أن نسأل عنه هو، هل هناك تغييرات في العقيدة والمنهج اللذين يعمل بهما جهاز المخابرات المصرية؟ هل هناك مقدمات لإجراء تغييرات، في حال إذا لم تكن قد بدأت بالفعل، على شكل وجوهر عمل المخابرات في مصر وعلى تركيبة الجهاز نفسه؟

أما فيما يتعلق بوزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني (جهاز أمن الدولة سابقا) فالأمور واضحة وقريبة من وسائل الإعلام وكاميرات التلفزيون ومجمل الأوضاع الميدانية بطول مصر وعرضها. الحديث لا يدور حول إجراءات معينة من أجل الهيكلة أو إعادة الترتيب والتنظيم، بل يدور تحديدا عن نتائج واضحة على أرض الواقع يمكن أن نستدل من خلالها على مدى نشاط وحيوية وجهوزية كل من وزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني في مواجهة الأحداث الداخلية من شمال مصر إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. فهل ما يجري الآن في سيناء أو في أقصى غرب مصر يشير بالفعل إلى جهوزية هاتين المؤسستين؟ وهل للمخابرات الحربية المصرية دخل في، أو بالأحرى دور في حماية الحدود والأراضي المتاخمة لحدود مصر مع دول أجنبية، سواء كانت عربية أو غير عربية؟!

كل ما جاء أعلاه لم يأت هكذا كأحلام أو كوابيس أثناء النوم. بل جاء على خلفية الزيارات المكوكية المثيرة للتساؤلات والتي يقوم بها قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لدول خليجية بعينها، وعلى رأسها قطر. فما هي تلك الأحداث السريعة والهامة والسرية التي تستدعي تلك الزيارات المكوكية التي يصفها المراقبون المصريون بـ "المريبة"؟ ومنذ متى وهناك تلك الدرجة من التنسيق بين الأجهزة الأمنية المصرية ومثيلتها القطرية، وبالذات المخابرات الحربية؟ ومنذ متى أيضا والمرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع ونائبه رجل الأعمال الإخواني خيرت الشاطر يقودان جهاز المخابرات الحربية المصري ويمثلان القوات المسلحة المصرية وأجهزة استخباراتها، لكي يستقبلا مسؤولي الدول الأجنبية التابعين لأجهزة استخباراتها ومخابراتها؟

لقد طالب رئيس حزب الإصلاح والتنمية محمد أنور السادات النائب العام المستشار طلعت عبد الله بالتحقيق فى زيارة رئيس الاستخبارات العسكرية مساعد رئيس الأركان القطري، أحمد بن ناصر بن جاسم آل ثاني الذى زار القاهرة والتقى مع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر، فى حين أنه لم يلتق أي من مسؤولى جهاز المخابرات الحربية في مصر، والتى من المفترض أن الزيارة له فى المقام الأول. وأشار السادات إلى أن الزيارة الأولى منذ شهور ماضية لرئيس الاستخبارات العسكرية القطرية إلى مصر قد تسببت في أزمة كبيرة تم التكتم عليها في الاستخبارات العسكرية المصرية التي كان يرأسها وقتها وزير الدفاع الحالي الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لكون الزيارة قد تمت دون إعلام الجهات المصرية المختصة. ولهذا السبب جاءت الزيارة الأخيرة بعد أقل من 24 ساعة من قيام رئيس الاستخبارات العسكرية المصرية الحالي اللواء أركان حرب محمود حجازي بزيارة إلى الخرطوم لبحث عدد من الملفات الأمنية.

وتساءل السادات، لماذا جاء رئيس الاستخبارات العسكرية القطرية، وفيما دار الحديث، إذ من حقنا أن نعرف ماذا يدور فى مصر، ومن يدير الشأن المصرى، وما موقع بديع والشاطر فى الرئاسة أو الحكومة ليقوما بمقابلة المسؤولين الاجانب، وأين الرئيس من كل ما يحدث؟

هذه هي تساؤلات أحد المواطنين المصريين قبل أن يكون رئيسا لحزب. فهل أصبح الملف السوداني بين أيدي المخابرات العسكرية المصرية والقطرية؟ ومن يشرف على هذا الملف من أعلى؟ وهل لذلك علاقة بما تم بشأن تقسيم السودان والحفاظ على النظام العسكري – الديني في الخرطوم حاليا؟ وهل هناك علاقة بأن أصبح السودان الشمالي ملتقى أعضاء التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وساحة يمرح فيها حزب التحرير الإسلامي؟

لندع الملف السوداني جانبا، فربما يأتي وقته لنتحدث فيه باستفاضة. إذ أن السؤال الذي يشغلنا حاليا هو، لماذا ولصالح من يجري تهميش الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية عن أدوارها الحقيقية ومهامها التي يجب أن تنفذها؟ ومن أجل ماذا ولأي هدف بالضبط؟ وهل هذه مقدمات لتغيير شكل المنظومة الأمنية المصرية بما يخدم توجهات التيارات اليمينية الدينية المتطرفة، ومخططاتها في بناء دولة جديدة بمؤسسات أمنية لها مواصفات معينة تتوافق مع العقيدة الدينية من جهة، وتتسق مع التوجهات اليمينية المتطرفة لهذه التيارات من جهة أخرى؟ فما يجري في الواقع التفاف على مطالب المصريين بشأن الأجهزة الأمنية، وبالذات وزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني. وهو أيضا خلط أوراق متعمد ومدروس للبدء في عملية ليست هيكلة أو إعادة ترتيب، بل هدم كامل للمؤسسات السيادية، وبالذات الأمنية والاستخباراتية وإقامة أخرى جديدة بعقيدة مختلفة ومهام مختلفة تماما تخدم بالدرجة الأولى مشروع ضيق تتبناه القوى اليمينية المتطرفة ضمن مشروع أكبر لا تمثل فيه مصر قوة حقيقية بقدر ما تمثل متغيرا ضئيلا في إحدى معادلاته الكثيرة. ومن الممكن أن يتزايد دور هذا المتغير أو يتناقص، يتقدم أو يتراجع، وفقا ليس للمصالح الوطنية والقومية لمصر المتعلقة بسيادتها ومصالحها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، بل وفقا لصاحب أو أصحاب المعادلات وواضعيها ومصالحهم الكبرى في السياقين الدولي والإقليمي، مقابل بقاء تلك التيارات الدينية المتطرفة في السلطة والحفاظ على مصالح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وعلاقاته ومصالحة مع بعض الدول الصغيرة المانحة بسخاء أو الكبيرة الضامنة لبقائه في السلطة أطول فترة ممكنة.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في "منتدى روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم"

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية