البطريرك الحكيم

أخبار روسيا

البطريرك الحكيممدونات روسيا اليوم
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/601776/

كان قدر أليكسي الثاني أن يعتلي سدة البطريركية الروسية عام 1990 والاتحاد السوفيتي يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبمراجعة محايدة لظروف تلك المرحلة الانتقالية الصعبة، التي مر بها الشعب الروسي، يمكن القول إن البطريرك كان الرجل المناسب في الوقت المناسب.

كان قدر أليكسي الثاني أن يعتلي سدة البطريركية الروسية عام 1990 والاتحاد السوفيتي يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبمراجعة محايدة لظروف تلك المرحلة الانتقالية الصعبة، التي مر بها الشعب الروسي، يمكن القول إن البطريرك كان الرجل المناسب في الوقت المناسب.
كلام كثير قيل وكتب عن البطريرك بعد وفاته قبل أربع سنوات. لكن ما كان يثير الفضول في كل ذلك هو التركيز على تعاونه مع هيئة أمن الدولة السوفيتية السابقة "كي جي بي"، وتعاون الكنيسة مع الدولة في عهده.
غير أن كسينيا دينين رئيسة معهد كيستون في أكسفورد والمختصة بالشؤون الدينية في البلدان الشيوعية لا ترى "أي شيء غير عادي" في تعاون الأساقفة مع الـ"كي جي بي"، قائلة إن "الجميع كان يعلم ذلك"، ومضيفة "كانت تلك الوسيلة الوحيدة لدى الكنيسة لتستمر كمنظمة علنية".
إضافة إلى ذلك، فقد طلب البطريرك "الصفح والتفهم والصلوات" من الذين تأذوا من "التسويات والصمت والسلبية القسرية" لقادة الكنيسة في حديث لصحيفة "إزفيستيا" الروسية عام 1991، ولاسيما أن ذلك برأيه أنقذ الكنيسة من التهميش، معتبرا أنه لكي "تربح شيئا ما فأنت مضطر إلى خسارة شيء آخر". وقد صمدت الكنيسة برأيه في ذلك الزمن الصعب، في حين انهار الاتحاد السوفيتي.
وبالنسبة لتعاونه مع الدولة السوفيتية ثم الروسية،  كان البطريرك يعتقد أن الكنيسة هي ضمان الوحدة الروحية بين الشعب والدولة، وهي تمنح الدولة الدنيوية الشرعية المقدسة.
والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لا تستطيع خلافا للكنيسة الكاثوليكية الغربية أن تكون خارج الدولة أو في خصام معها. والعلاقات بين الدولة والكنيسة كانت تبنى دائما على مبدأ "الجوزة". فالكنيسة هي النواة والدولة هي القشرة. كان كذلك ليس فقط في عصر الإمبراطوريتين البيزنطية والروسية بل وبعد الثورة البلشفية عام 1917.
وكان البطريرك الراحل يؤكد أنه حتى في ظروف قمع الكنيسة كانت السلطة السوفيتية تطلب من الكنيسة إعلان الولاء لها وتحتاج رغم الإلحاد المعلن إلى شرعنة كنسية.
وربما كان ذلك ما عول عليه ميخائيل غورباتشوف، أول زعيم سوفيتي منح الكنيسة حرية العمل. غير أن البطريرك الجديد أعلن في يناير من عام 1991 معارضته لاستخدام غورباتشوف، الذي كان ما زال مؤمنا "بالخيار الاشتراكي"، للجيش السوفيتي في العاصمة الليتوانية فيلنوس، وصرح البطريرك بأن "استخدام القوة العسكرية في ليتوانيا هو خطأ سياسي كبير، وبلغة الكنيسة - فهو خطيئة".
ودعا البطريرك عام 1991 إبان التمرد على غورباتشوف إلى الامتناع عن إهراق الدماء وحذر العسكريين من استخدامهم للسلاح تحت طائلة فرض الحِرْم الكنسي عليهم.
أما في عهد الرئيس الروسي بوريس يلتسين فقد قام بين الكنيسة والدولة تعاون متبادل المنفعة، بدأت في إطاره إعادة الأملاك المصادرة إلى الكنيسة.
وعلى الرغم من ذلك، فلم يقف إلى جانب يلتسين عام 1993 في مواجهته مع البرلمان الروسي وحاول الوساطة بين الفريقين المتنازعين وأجريت بحضوره مفاوضات بينهما.
وعلى الرغم من العلاقة الحميمة مع الثنائي الحاكم دميتري مدفيديف وفلاديمير بوتين، فإن البطريرك رفض عقب حرب الأيام الخمسة الأخيرة في القوقاز طلب الرؤوس الحامية في الكنيسة والدولة بضم كنيستي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا إلى الكنيسة الروسية، معتبرا أنهما تتبعان الكنيسة الجورجية، ويجب بقاؤهما كذلك.
وبقيت الكنيسة في عهده جامعة لكل القوى السياسية، وكانت على علاقة جيدة مع الشيوعيين واليساريين ومع اللبراليين الجدد، ولم يسمح البطريرك باستخدام الكنيسة سلاحا موجها ضد هذا الفريق أو ذاك، وحاول على مدى 18 عاما حماية الكنيسة من الانقسام.
وإذا كان غليب ياكونين الأب المتطرف اللبرالي والمطرود من الكنيسة أو "المعارض والمدافع عن حقوق الإنسان" حسب "كليشيه" وكالة الصحافة الفرنسية يتهم أليكيسي الثاني بأنه كان مخبرا للـ"كي جي بي"، فإن "المتشددين"في الكنيسة كانوا ينتقدون البطريرك لعلاقات الكنيسة الأرثوذكسية الطيبة مع الكاثوليك، ولعضويتها في مجلس الكنائس العالمي.
وقد طالب الأسقف "السلفي" ديوميد باستقالة البطريرك لـ"تواطئه" مع الدولة، التي "تنتهج سياسة معادية للشعب" ولتواصله مع زعماء الطوائف المسيحية والأديان الأخرى.وعلى أي حال، فلن ينسى الروس أن عدد الكنائس في روسيا عام 1988 لم يتعد 6893 والأديرة 21 والأبرشيات 67، وكانت هنالك أكاديميتان فقط وثلاثة معاهد دينية. وغادر البطريرك الدنيا وفي روسيا 29141 كنيسة و769 ديرا و5 أكاديميات و38 معهدا دينيا و3 جامعات أرثوذكسية ومعهدان لاهوتيان و39 مدرسة دينية و463 مركزا شبابيا أرثوذكسيا وغير ذلك.
وكذلك، ففي عهد ألكسي الثاني أعيد في موسكو بناء كاتدرائية المسيح المخلص، الآية المعمارية الرائعة، التي بنيت بأموال المواطنين في القرن التاسع عشر إحياءً لذكرى المدافعين عن روسيا ضد نابليون عام 1812، ثم دمرت في عهد الزعيم السوفيتي يوسف ستالين.
ولعل أكبر مآثر البطريرك، التي سيذكرها التاريخ، هي إعادة توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الأم عام 2007 مع كنيسة المهجر الروسية.
وبشكل عام، كان البطريرك ألكسي الثاني رجل الحكمة النادرة في عصر الجنون السياسي والعقائدي وسيبقى كذلك في أذهان الشاهدين عن قرب على تلك المرحلة الحرجة على تخوم القرنين العشرين والحادي والعشرين.

حبيب فوعاني

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

مدونة حبيب فوعاني على منتديات روسيا اليوم.

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة