إنقلب السحر على الساحر

أخبار العالم العربي

إنقلب السحر على الساحر
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/600998/

29/11/2012 - هذا اليوم، الذي يعرف بيوم التضامن العالمي مع فلسطين، سيحفر في ذاكرة الفلسطينيين أمدا طويلا برسم آخر، وبغض النظر عن سلبية أو إيجابية القرار الأممي، أي سواء اعترف العالم بدولة فلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة أم لم يعترف، فكلتا الحالتين ستسجل في كتب التاريخ الفلسطيني، إما بالحبر الأسود، الذي يزيد من الظلم الواقع على معاناتهم الطويلة، وإما بحبر العدالة، التي طال انتظارها وإن كانت ناقصة.

29/11/2012 - هذا اليوم، الذي يعرف بيوم التضامن العالمي مع فلسطين، سيحفر في ذاكرة الفلسطينيين أمدا طويلا برسم آخر، وبغض النظر عن سلبية أو إيجابية القرار الأممي، أي سواء اعترف العالم بدولة فلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة أم لم يعترف، فكلتا الحالتين ستسجل في كتب التاريخ الفلسطيني؛ إما بالحبر الأسود، الذي يزيد من الظلم الواقع على معاناتهم الطويلة، وإما بحبر العدالة، التي طال انتظارها وإن كانت ناقصة.
لو افترضنا أن فلسطين قد حصلت على اصوات النصف زائدا واحدا، فهذا يعني من الناحيتين الانسانية والاخلاقية انعدام هاتين الناحيتين عند نصف دول الأمم المتحدة، التي قد تصوت بلا أو قد تلتزم الصمت، فأحلاهما مر "والساكت عن الحق شيطان أخرس"، ما يثير تساؤلا عن أحقية هذه الدول في البقاء ضمن نسيج المجتمع الإنساني والأخلاقي في الأمم المتحدة؟
وما يثير الدهشة هنا، (وهو ما بات معروفا للجميع)، أن دولا مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا تقدم نفسها على أنها الراعي الأول والأخير للسلام والأمن والديموقراطية في العالم. والأدهى من ذلك أن هذه الدول الأربع تدرك جيدا وقاحتها وسياستها المزدوجة المعايير، والمنحازة إلى طرف على حساب الآخر ولو كان الثمن دما ودمارا وتشريدا.
وما يثير القلق أن هذه الدول كانت حتى فترة ليست ببعيدة تلعب أدوارها المسمومة على الأقل من وراء حجاب، لكنها اليوم تقولها على العلن وبكل صراحة، نابعة من ثقة هذه الدول بانعدام القرار العربي الحازم، الذي انبطح أصحابه منذ زمن بعيد أمام هيمنة الغرب راضين بقدرهم.

أليست بريطانيا هي من تعاطفت مع اليهود المظلومين في العالم، وتكرمت عليهم بوعد بلفور، ولكنها نسيت أن الظلم الاول وقع عليهم من ملكهم إدوارد الأول الذي خيرهم بين اعتناق المسيحية والرحيل عن البلاد بغير رجعة ومن ثم قام بطردهم؟ أولم يرتكب الملك الفرنسي فيليب الأول الذنب نفسه؟ وأكمل عليهم ملوك إسبانيا وهولندا والنمسا، وكان آخرهم أدولف هتلر حتى احتضنهم العرب؟ ولا يزالون يعيشون إلى يومنا هذا في بلادهم بكامل حرياتهم وحقوقهم مثلهم مثل أي مواطن آخر إن لم يكن أفضل؟ فلماذا يدفع الفلسطينيون ثمن جهل عصورهم الوسطى والحديثة.

أليست هذه الدول الأربع بزعامة الولايات المتحدة من اقتطعت إقليم كوسوفو من صربيا، وانتهكت سيادتها واعترفت باستقلاله رغم أنف المجتمع الدولي؟ ألم تغتصب هذه الدول أرض فلسطين التاريخية لتقدمها على طبق من ذهب إلى اليهود "الغرباء"؟ ألم يعش قبلهم الفلسطينيون واليهود والمسيحيون مئات السنين في محبة ووئام؟ أليست هذه الدول من قرر قيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية؟ أليست هذه الدول هي نفسها، التي تستكثر اليوم على الفلسطينيين صفة دولة مراقب في الامم المتحدة؟ وهي نفسها، التي عجزت عن تنفيذ قرار إقامة دولة فلسطينية عربية أو بالأحرى لم تر في ذلك ضرورة ملحة؟ أليست اسرائيل التي قامت على أرض فلسطين وارتوت من مياهها وتنعمت بخيراتها، ومن ثم حظيت باعتراف رسمي فلسطيني بكيانها، هي نفسها، التي ترفض بحزم وقوة الطلب الفلسطيني وتحبك الخطط وتحوك المكائد وتهدد وتتوعد!

لو نظرنا الى التبريرات التي تقدمها واشنطن وتل أبيب لموقفها الرافض من التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة لوجدنا أنها تثير الشفقة ومحط سخرية الصغير والكبير.. يقولون إن هذه الخطوة الفلسطينية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على مسير عملية السلام!!! نسألهم أين هي عملية السلام الآن؟ وأين توقفت؟ ومن السبب في توقفها؟ ومن وضع عصي الاستيطان وأعمدة السحاب وصب الرصاص في عجلاتها؟ وهل بالفعل هناك عملية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ ألم تغتالها اسرائيل باغتيال رابين؟ ألم يتنكر شارون ونتانياهو وليبرمان لكل الاتفاقيات التي وقعت مع الطرف الفلسطيني؟ سيقولون إن حماس هي السبب لعدم اعترافها بإسرائيل دولةً لليهود! نعم هو كذلك! لكننا نسألهم أليست إسرائيل هي من تقول بأعلى صوتها بأنها جزيرة الديمقراطية؟ فكيف من المنطق أن تكون دولة ديمقراطية وفي الوقت نفسه دولة لليهود وحدهم؟ ألا يدخل هذا ضمن مفاهيم العنصرية؟

بغض النظر عن كل ما سبق، أعتقد أن تل أبيب بمباركة أمريكية غربية تحاول بهذه المناورات فقط تعطيل كل التسويات وتعجيز كل عباقرة وفلاسفة السلام عن إيجاد حل للأزمة المزمنة إضافة الى إطالة عمر المأساة الفلسطينية وكسب وقت كاف من أجل قضم أراضي الفلسطينيين عبر بناء آلاف الوحدات السكنية للمستوطنين وإخراج آخر فلسطيني من القدس ونسيان حق العودة لملايين الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
 

"العضوفوبيا" الاسرائيلية

 
ختاما، أعتقد أن تصاعد "العضوفوبيا" الاسرائيلية (تخوف الاسرائيليين من عضوية فلسطين في الامم المتحدة) نابع من حقائق واقعية ستقابلها عقب قبول الطلب الفلسطيني بعضوية مراقب في الامم المتحدة. فالأمر بالنسبة للفلسطينيين لم ينته بذلك، بل سيبدأ مشوار الألف ميل في المحاكم الدولية لمحاكمة إسرائيل على الملأ وجها لوجه، دولة لدولة، وكذلك الدفاع عن تهم تل أبيب لها. فكما يؤكد المسؤولون الفلسطينيون أن الخطوة التالية، والتي ستكون في غضون أيام قليلة بعد اليوم المعهود، ستتم بتوقيع اتفاقية روما ومعاهدة جنيف، التي أوجدها الغرب لقيادة العالم تحت هذا اللواء. وبالتالي ستأخذ القضية الفلسطينية منحى آخر بالانتقال إلى مستوى جديد في العلاقات الدولية لتعري بذلك من بقي يتقنع بثوب الديموقراطية وحماية الحريات وحقوق الانسان من جهة، ومن جهة أخرى قد يجلب ويلات سداسية الابعاد على الفلسطينيين والمنطقة برمتها بعد أن ينقلب السحر على الساحر.

محمود سمودي

المواضيع المنشورة في منتدى "روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات محمود سمودي على مدونات روسيا اليوم

الأزمة اليمنية