واقع مرسي الجديد لأخونة مصر

أخبار العالم العربي

واقع مرسي الجديد لأخونة مصر
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/600237/

تبدو مصر وكأنها تبدأ من الصفر. هكذا بدأت مصر بعد ثورة عام 1952، وبعد وفاة عبد الناصر وبداية حكم السادات. وكذلك بعد تنحي مبارك عن الحكم ووصول الإخوان المسلمين إلى السلطة لأول مرة في تاريخ مصر على الإطلاق. ومن الملاحظ أن سمات الحكم الشرقي لم تفارق مصر منذ تحررها من الاستعمار البريطاني.

تبدو مصر وكأنها تبدأ من الصفر. هكذا بدأت مصر بعد ثورة عام 1952، وبعد وفاة عبد الناصر وبداية حكم السادات. وكذلك بعد تنحي مبارك عن الحكم ووصول الإخوان المسلمين إلى السلطة لأول مرة في تاريخ مصر على الإطلاق. ومن الملاحظ أن سمات الحكم الشرقي لم تفارق مصر منذ تحررها من الاستعمار البريطاني. فكل حاكم يأتي، يبدأ من الصفر، وكأن شيئا من قبله لم يكن. بل وأحيانا يستولي على منجزات من سبقه لينسبها لنفسه ويكتب عليها اسمه وصفته الجديدة وكأنه سيعيش أبدا.

لقد طرح الرئيس المصري الحالي، أو بالأحرى، حزب "الحرية والعدالة" التابع لتنظيم الإخوان المسلمين، والخاضع تماما لمكتب الإرشاد والتراتبية التنظيمية لجماعة الإخوان، طرح شعارا انتخابيا سمي بـ "النهضة". وبعد أن وصل الإخوان إلى سدة الحكم، طرحوا أيضا شعار الـ "100 يوم الأولى من حكم الرئيس مرسي". واتضح في ما بعد أن مشروع النهضة، مجرد شعار انتخابي لا أكثر. غير أن "مشروع المئة يوم" كان واقعيا لأبعد الحدود من وجهة نظر مكتب الإرشاد وجماعة الإخوان المسلمين، والرئيس وطاقمه. فبعد 100 يوم من حكم الرئيس الإخواني في مصر محمد مرسي، انقسم المصريون إلى 3 فرق أساسية. الفرقة الأولى صممت على أن مرسي ومكتب الإرشاد وتنظيم الإخوان المسلمين تمكنوا من العبور بمصر إلى بر الأمان وحققوا ما لم يحققه كل حكام مصر مجتمعين منذ 7 آلاف سنة. بل وبدأ البعض يلقبه بصلاح الدين الأيوبي. وألف أحدهم كتابا عن الرئيس وحياته وإنجازاته الخارقة. والفرقة الثانية لم تر أي إيجابيات حققها مرسي، بل ازدادت الأمور سوءا وتفاقمت الأوضاع بشكل لم يحدث له مثيل إلا في فترة احتلال الهكسوس لمصر وفي مرحلة تجليات الحاكم بأمر الله. بينما الفرقة الثالثة والتي تشكل السواد الأعظم من المصريين تسير مع السائرين نياما لا يهمها إلا قوت يومها وبعض الفرائض والسنن الدينية وفقا لما تقتضيه الحاجات والمصالح اليومية.

في الحقيقة، لسنا هنا لعرض جهود وكرامات الرئيس مرسي. بل للتأكيد على حقيقة واحدة، وواحدة فقط، ألا وهي أن الرئيس الإخواني في مصر تمكن من فرض واقع جديد لم يتمكن أي احتلال من فرضه خلال 100 يوم، ولا حتى مئة سنة، باستثناء الوجود العربي – الإسلامي في مصر لظروف معينة. لقد أصبحت البلاد بطولها وعرضها تناقش الشريعة والمقاصد الاساسية في الإسلام. بات الشعب وأمسى وأصبح يبحث في الأحاديث والآيات القرآنية والسيرة النبوية، ويناقش أي الحالات في أي الظروف تتناسب مع المسلمين بما لا يخالف شرع الله. بل وانهمك الجميع في توضيح كيفية الوضوء والسلوك والتصرفات في إطار المحبة والزكاة والتكافل والعفة والنظافة. صارت المصطلحات الدينية سيدة الموقف والمدخل الآمن لكل النقاشات. وفتحت وسائل الإعلام أبوابها للتأويلات الدينية والنصح والإرشاد ووضع كل شيء في "قفة" الدين والمصطلحات الدينية. ويكاد الصراع (الشكلي) يقتصر على قوتين أساسيتين في المجتمع، هما الإخوان والسلفيون، بينما الجماعات الجهادية القديمة والجديدة والتكفيرية والمسلحة تلعب في ملعب آمن تتماس فيه القوتان الرئيسيتان.

هكذا نجح مكتب الإرشاد وتنظيم الإخوان وممثلهما في قصر الاتحادية من دفع المجتمع المصري إلى اعتماد خطاب جديد يتجلى في استخدام المصطلحات الدينية والدخول إلى ساحة السفسطة والنقاشات البيزنطية. وهكذا بدأت مصر تسير على أول عتبات طريق جديد يختلف في واقع الأمر عن كل التجارب الموجودة، سواء في أفغانستان أو باكستان أو تركيا أو إيران او السعودية، أو حتى ماليزيا وأندونيسيا. يبدو أنها التجربة المصرية المتفردة في تطبيق الشريعة وإقرار الدين الإسلامي كنمط حياة، أو على الأقل التمهيد لمجتمع إسلامي متفرد يقوم على دعائم أساسية من تعاليم حسن البنا وأسفار مكتب الإرشاد والتاريخ السري لتنظيم الإخوان. ربما كمقدمة لمشروع ما أكبر يتوافق وطموحات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والقوى الإقليمية التي تقف وراءه وتموله وتدعمه. وكذلك وفقا لمصالح القوى الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي تنتمي تحديدا لأوروبا العتيقة أو إلى محيط الاستعمار القديم.

لقد نجح الرئيس الإخواني في مصر في تدشين حالة غير مسبوقة على الساحتين السياسية والإعلامية تعكس مدى (الصراع الدامي بين الإخوان المعتدلين القادرين على إدارة دولة مصر!! أو كما تحاول واشنطن وبعض الدول الإقليمية التابعة لها تصويره)، وبين (السلفيين المتطرفين المشعوذين المندفعين!! كما يحاول أن يصور الإخوان المسلمون في مصر للحفاظ على السلطة أكبر فترة تاريخية ممكنة). وتعكس أيضا (المخاوف من التيارات الجهادية التي أطلق سراح أفرادها هو بنفسه وبمراسيم رئاسية!! لتمثل "البعبع" الثاني بعد السلفيين). في الوقت نفسه، يكاد مرسي ومكتب الإرشاد وتنظيم الإخوان ينجحون في حصار كل التيارات والقوى السياسية وتقليص مساحة تأثيرها ونفوذها، بل ووجودها بالكامل. فالاحتجاجات العمالية أصبحت ظاهرة إجرامية وبالتالي يجب عزلها إعلاميا وأمنيا وقانونيا. وإضرابات الأطباء تتسبب في أضرار بالغة وبالتالي يجب إدانتها والعمل على وقفها ولو بالقوة أو التشويه الإعلامي. ومشاكل الطلبة مجرد حماس واندفاع وتهور وبالتالي ينبغي التعامل معها بأساليب أمنية قمعية، ودينيا أيضا. وتهجير المصريين والاعتداء على أملاكهم مجرد ظاهرة عابرة وبالتالي يجب ألا نلتفت إليها كثيرا أو نعيرها أي اهتمام تفاديا للفتنة الطائفية وتشويه سمعة مصر. وخطف الفتيات والاعتداء على النساء في الشوارع ليسا إلا خطأ من جانبهن بسبب عدم الاحتشام واستفزاز الرجال على التحرش بهن، وبالتالي على المرأة أن تستمع جيدا لنصائح مكتب الإرشاد وأمانة المرأة في حزب الحرية والعدالة لتصون عفتها وكرامتها، ومن باب التأكيد، يجب على كل مواطن أن يختن ابنته في الطفولة ويسارع بتزويجها في سن الثامنة أو التاسعة. من الواضح أن الإخوان يعتمدون نموذج "رومانيا ما بعد تشاوشيسكو" لضرب الحركات الشعبية والثورية، بل والمظاهرات والاحتجاجات وأي مظاهر للمعارضة. إضافة إلى استخدام عامل الدين في المساجد وأماكن العبادة الإسلامية للتحريض على العنف ضد المعارضين باعتبارهم ملحدين وكفرة وزنادقة.

هناك نموذج إخواني – عشوائي ممنهج يجري تدشينه في مصر. وعلى الرغم من المفارقة بين (عشوائي وممنهج) إلا أن الواقع يشير إلى عدم إمكانية وجود أي مصطلحات أخرى يمكن أن تعكس ما يجري سوى "العشوائية الممنهجة". لقد وقعت كل التيارات المدنية تقريبا في فخ التفسير والتأويل والنقد على نفس الأرضية التي يدفع في اتجاهها مكتب الإرشاد ومشايخ السلفية. الجميع الآن يتبارى في التودد للعامة والبسطاء، ويسعى لشرح الأمور دينيا وفقهيا، بل وتصل الأمور إلى طلب مهلة إضافية للرئيس وتنظيمه ومكتب إرشاده من أجل تحقيق مشروع (النهضة!) الوهمي. لقد غرق الجميع تقريبا في بركة الماء الآسن التي حفرها الإخوان. والآن يظهر الحزب السياسي تلو الآخر. تتعدد الأحزاب ويعتمد قادتها ورموزها مصطلحات تتسق مع الواقع الذي يفرضه مكتب الإرشاد وقصر الاتحادية ووسائل الإعلام التابعة لدولة الإخوان. وتتواري في الوقت ذاته المصطلحات المدنية والعلمانية، والعلمية الحديثة. تتوارى الرؤى الجادة والواضحة المرتكزة إلى العلم والتطور. وتتوارى معها القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والأمنية. فهل هناك نجاح أكثر من ذلك، وخلال 100 يوم فقط؟! يبقى فقط أن نشهد على وقوع النخب المدنية والعلمانية ورجال الثقافة والقانون والسياسة في فخ المساومة على الدستور عموما، وعلى المادة الثانية بالذات. فبدلا من حذفها نهائيا والالتفات إلى وضع دستور علماني يراعي الزمن وتطور التاريخ والمجتمعات وحقوق الكادحين والمهمشين نجد أن الجميع وقع في الفخ. والأخطر من ذلك بدأ أعضاء سابقون في الجمعية التأسيسية يفجرون مفاجآت من العيار الثقيل، من قبيل أن جماعة الإخوان المسلمين وعشرات الأعضاء في الجمعية، والذين يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر مع الرئاسية الإخوانية وجماعة الإخوان، يحاولون الضغط بكل الطرق لتمرير العديد من البنود من قبيل تشكيل لجان شعبية لمراقبة الآداب العامة، وتشكيلات اجتماعية أخرى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وميليشيات مسلحة تقوم بمهام مغايرة نسبيا لمهام الأجهزة الأمنية والعسكرية.. وربما يكون ذلك أحد أهم أسباب تأخر وضع الدستور المصري وتزايد اللغط حول الجمعية التأسيسية وأهدافها وتوجهاتها وانتماءاتها. كما أن ذلك يكاد يثير الشك في احتدام الأحداث المأساوية وإراقة الدماء وممارسة العنف والتحريض عليه في سيناء والعديد من المحافظات المصرية الأخرى والظهور غير المسبوق للسلفيين بمظهرهم الحالي وكذلك الجماعات المتطرفة والجهادية والتكفيرية. هذا الظهور لكل هذه العناصر يشير بما لا يدع مجالا للشك أن الإخوان المسلمين عازمون في جدية تامة على الاحتفاظ بالسلطة أطول فترة تاريخية ممكنة. وهم في واقع الأمر بحاجة إلى الوقت الكافي لا لتطوير الدولة وتنمية اقتصادها وتحديثها، بل لأخونتها بالكامل ودفعها إلى مشروعات اقتصادية وسياسية وأمنية، وربما عسكرية بشكل جزئي، في إطار تكتلات وأحلاف، بما يتناقض تماما مع مصالح مصر وأمنها القوميين. غير أن المثير للدهشة أن السلطة الإخوانية الجديدة في مصر تواصل نهج مبارك الأمني على مستوى الداخل، بل وتتجاوزه، إذ بدأت قوات الجيش تشن حملات على الأحياء والمناطق السكنية المصرية باعتبار الأراضي التي يعيش عليها المواطنون مملوكة للقوات المسلحة، ونزلت نفس هذه القوات إلى الشوارع لمواجهة تظاهرات المصريين في الذكرى الأولى لمعركة "محمد محمود" التي جرت في 19 نوفمبر 2011 في مواجهة قوات الجيش والداخلية وتواطؤ تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية والسلفيون.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية