تطورات السياسة الخارجية السعودية

أخبار العالم العربي

تطورات السياسة الخارجية السعودية
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/599778/

تساهم المملكة العربية السعودية بحصة كبيرة تساوي حصة الصين في ميزانية الأمم المتحدة، من غير أن يشغل أي مواطن سعودي مركزا قياديا في الأمم المتحدة. والمملكة بين الدول العشر الأولى من حيث المساهمة في ميزانية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولا وجود لأي سعودي بين كبار الموظفين في المؤسستين. السبب ليس في غياب الكفاءات السعودية، بل هو في جوهر السياسة الخارجية السعودية، في اتباع (دبلوماسية أمين الصندوق)، الدبلوماسية التي لم تحقق برأي الخبراء أي نجاح طوال عقود.

تساهم المملكة العربية السعودية بحصة كبيرة تساوي حصة الصين في ميزانية الأمم المتحدة، من غير أن يشغل أي مواطن سعودي مركزا قياديا في الأمم المتحدة. والمملكة بين الدول العشر الأولى من حيث المساهمة في ميزانية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولا وجود لأي سعودي بين كبار الموظفين في المؤسستين. السبب ليس في غياب الكفاءات السعودية، بل هو في جوهر السياسة الخارجية السعودية، في اتباع (دبلوماسية أمين الصندوق)، الدبلوماسية التي لم تحقق برأي الخبراء أي نجاح طوال عقود.
كانت المملكة العربية السعودية ولزمن طويل تنتهج في سياستها الخارجية أسلوب "تبويس اللحى"، فهي تقليديا لاتتفاعل مع الأحداث السياسية في المنطقة، ومن خلال الدعم المادي للدول العربية تسعى للحفاظ على الوضع القائم. لكن صادرت المملكة الدور التاريخي لمصر وأصبحت وسيطاً اقليمياً، فتقدمت بمبادرة سلام في عام 2002 تقضي بالاعتراف باسرائيل مقابل انسحاب الأخيرة من الاراضي العربية المحتلة عام 1967، ثم احتضنت اجتماعاً للأطراف الفلسطينية في مكة لاضعاف الموقف الايراني. تبوأت دبلوماسيتها خلال السنوات الماضية مركزاً مؤثراً حاولت الرياض إبرازه بإظهار اختلاف قرارها عن النهج السياسي للحليف الأمريكي، كتصريح الملك عبد الله آل سعود في خطابه أمام مؤتمر القمة العربية في الرياض، مارس 2007 حيث قال: "إن دماء العراقيين تسيل في ظل الاحتلال الاجنبي غير الشرعي". لكن ما يسمح به لجوبيتر لا يسمح به لـ... وقد روى إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا الأسبق "أن جيمس بيكر، وزير خارجية امريكا الأسبق، أجبر مسؤولاً سعودياً كبيراً على تصحيح تصريحاته التي أعلن فيها استعداد المملكة لقبول مبدأ التنازلات لحل الأزمات الحدودية بين الدول العربية، مشيراً بذلك إلى إمكانية حل أزمة الخليج من خلال التنازلات المتبادلة بين العراق والكويت". وقامت السعودية مرة بدور الوسيط بين امريكا وايران بطلب ايراني لازالة التوتر بين البلدين حول الملف النووي. وفي الشأن الأفغاني قدمت السعودية العون المالي لدفع الأفغان إلى التفاوض. 
كان الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية رجلا ذكيا يجد الحليف حتى بين الأعداء ويستطيع تبديل تحالفاته دون الاخلال بتوازنه السياسي. تحالف مع بريطانيا، وأقام علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، واستقر على الحلف مع الأقوى أي الولايات المتحدة الامريكية. لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اتهمت المملكة بأنها تدعم الارهاب الدولي، وبعد مرور عامين سرّب البنتاغون تقريراً سرياً ينص على "إدراج المملكة، حكومتها تحديداً، ضمن قائمة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، ويوصي بإنذارها للتخلي عن سياستها العدوانية، وإلا فإن أمريكا ستحتل منابع النفط في المملكة، وتستولي على أرصدتها المالية في الخارج". الخلل الذي أصاب السياسة الخارجية السعودية ظهر بتصريحات لمسؤلين سعوديين بأن تفجيرات مركز التجارة العالمي "مؤامرة صهيونية". أو "إن الحملة الاعلامية الشرسة ضد المملكة تعبّر عن حقد دفين ضدنا". لكن الدبلوماسية السعودية لم تستطع المضي بهذا الاتجاه وسرعان ما صرّح واحد من المستشارين المرموقين في الدولة: "إذا كانت العاصفة قوية، إحن لها رأسك". وبعد الانحناء ازدادت الضغوط على النظام السياسي السعودي، تارة باسم الاصلاح، بما في ذلك اصلاح مناهج التعليم، وتارة باسم الحرب على الارهاب، بما في ذلك تحجيم دور المنظمات الخيرية لتجفيف موارد الإرهابيين، علاوة على الضغوط في مجال الطاقة انتاجا وأسعارا. 
الدبلوماسية السعودية اتصفت دوما بأنها رخوة، وكانت تكتفي بـ (دفع البلاء)، ساعدت الفلسطينيين ماليا دوما، لكنها لم تحرك ساكنا أثناء محاصرة إسرائيل لياسر عرفات في رام الله، وكذلك أثناء العدوان الإسرائيلي على مخيم جنين بعد اعتماد المبادرة السعودية عربيا في قمة بيروت 2002. وأوقفت دعم انتفاضة الاقصى ولم تتخذ موقفا مؤثرا طوال فترة الحصار الإسرائيلي- المصري على غزة في عهد حسني مبارك، وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية 2009. وبعد صلح الطائف 1998 لم تقم السعودية بأي دور مؤثر في لبنان، وغاب دورها نهائيا في نصرة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان منذ عام 1982 وحتى عام 2000. وفي عام 2006 ظهر موقفها مبررا للعدوان الاسرائيلي معاديا للمقاومة. وعراقيا غابت عن المقاومة الشعبية التي تشكلت بعد احتلال أمريكا للعراق عام 2003، المقاومة التي كانت محاصرة عربيا، ولم يسمح بوصول الإمدادات إليها عبر الحدود العربية، بينما ظلت حدود إيران مفتوحة أمام السلاح والمال. وأدى التقاعس العربي إلى تعاظم النفوذ الايراني. 
اختلف هذا النهج بصورة جذرية منذ عام 2006 بانتقال مركز التأثير من القاهرة إلى الخليج وباتت السعودية تنفق جهدا كبيرا وثقلا دبلوماسيا في مواجهة النفوذ الايراني. حيث ترى الرياض نفوذا متزايدا لطهران يحاصرها من عدة جهات، في العراق شمالا واليمن جنوبا وكذلك في الشرق في أوساط الأقليات المذهبية. وصار البرنامج النووي الايراني مربط الفرس الذي تنعطف عليه كل الاتهامات الموجهه لايران بتهديد السلام وإثارة القلق في البلدان العربية. ومع أن معظم الدارسين يشيرون إلى الشرق الأوسط كمنطقة نزاع بين إيران وتركيا وإسرائيل، تخشى السعودية ايران بالدرجة الأولى، قال الأمير سعود الفيصل في (21/ 9 / 2005) "لقد خضنا معاً حرباً لإبعاد ايران عن العراق بعد إخراج العراق من الكويت، واليوم، نسلم البلاد كلها لإيران دون مبرر". وتعاملت السعودية مع مشكلة اليمن كمسألة أمنية، وتدخلت في صراع علي عبد الله صالح ضد الحوثيين، فدفعت بقوة عسكرية برية وجوية في ذلك الصراع. وبقيت طويلا تخاف تغيير النظام في اليمن وفي أي بلد آخر، باستثناء العراق، حيث كانت واضحة في مطلب إسقاط نظام صدام حسين، لكن بعده جاء الطوفان. السياسة الخارجية السعودية في الازمات السياسية تبحث عن البديل، لكنها لاتصنع البديل، فتقع في مأزق. وعدم الاستقرار في البحرين، واستخدام العنف المسلح من قبل النظام أدى إلى تصاعد الأزمة الى حد استدعاء قوات "درع الجزيرة المسلحة" لتعين حكومة البحرين في الحفاظ على العرش.
لقد خرجت السعودية من عباءتها وتمارس دوراً رئيسياً نشطاً في المنطقة، إلى درجة التدخل العسكري منعا للاصلاحات السياسية في البحرين، وأخيراً اختارت نهج التدخل السافر في الشؤون السورية بدعم التيارات الإسلامية المعارضة للنظام بما فيها الإرهابية المرتبطة بالقاعدة، وانتقدت موقف كل من روسيا والصين من الأزمة السورية، ورأت الخطر كله في الموقف الايراني المؤيد للنظام السوري.

رائد كشكية

المواضيع المنشورة في منتدى "روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات رائد كشكية على مدونات روسيا اليوم

الأزمة اليمنية