مصر من التجريف إلى التصحر!!

أخبار العالم العربي

مصر من التجريف إلى التصحر!!
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/599267/

لا يمكن أن نحمل حكم الإخوان المسلمين لمصر مسؤولية تجريف البلاد قبل 25 يناير 2011، لأن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق نظام حكم مبارك الذي قام بتجريف البلاد في جميع المجالات عبر تحالف السلطة مع رأس المال وتغول المافيا السياسية والاقتصادية وإطلاق يد اللصوص في إطار القانون وبالقانون.

لا يمكن أن نحمل حكم الإخوان المسلمين لمصر مسؤولية تجريف البلاد قبل 25 يناير 2011، لأن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق نظام حكم مبارك الذي قام بتجريف البلاد في جميع المجالات عبر تحالف السلطة مع رأس المال وتغول المافيا السياسية والاقتصادية وإطلاق يد اللصوص في إطار القانون وبالقانون. هكذا باع نظام مبارك البلاد وثرواتها القومية بالجملة والقطاعي، وفتح الطريق أمام ثقافة التصحر التي انتعشت فور وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة وانتشار بقية أنصار تيارات الإسلام السياسي لا في الشوارع والحواري والقرى والنجوع فقط، بل وأيضا في مفاصل السلطة وفي المساجد ودور العبادة في جميع انحاء مصر.

إن مصر الآن تعاني من شح في إنتاج العديد من المحاصيل، وعلى رأسها المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والأرز والقطن. والدولة تستورد سلع وبضائع بعد توقف إما إنتاج أصولها أو بسبب إغلاق العديد من المصانع الكبرى واكتفاء الورش الصغيرة بإنتاج أشياء متواضعة للاستهلاك المحلي وهي لا ترقى إطلاقا للتصدير أو حتى للستخدام الآدمي، ولكن لا خيارات أخرى. والآن علينا فقط أن نستعد لفتح أسواقنا 100% للبضائع الصينية والتركية من ملابس وأحذية وأدوات كتابية. فمساحات الأراضي الزراعية تقلصت بسبب الفساد والتسيب والمحسوبية والبيروقراطية. وانتشرت مهنة الرعي على أطراف القرى المصرية لتصبح ظاهرة ملموسة في السنوات الأخيرة، لتتفاقم في العامين الأخيرين بشكل ملحوظ ومثير للمخاوف.

لقد أصيبت القرية المصرية بتحولات خطيرة منذ منتصف سبعينات القرن العشرين عندما بدأت سياسة التجريف الحقيقية، وعلى رأسها تجريف العقول والطاقات وهجرة الشباب إلى دول الخليج وعلى رأسها السعودية. جيلان كاملان – على الأقل - عاشا على ثقافات صحراوية – رعوية تحت غطاء الدين والتدين. جيلان كاملان تشربا ثقافة رجعية متلحفة بالدين وتزامن ذلك مع تراجع اقتصادي واجتماعي وثقافي إلى أن رحل مبارك مع بعض من أفراد نظامه وقام قادة جيشه بتسليم البلاد إلى الإخوان المسلمين وبقية تيارات الإسلام السياسي لتبدأ الدائرة في الانغلاق. هكذا يمكن أن نرى مهنة الرعي وقد انتشرت في أقدم بلد زراعي في التاريخ كان يصدر القمح والأرز والقطن وتعمل مصانعه على مد السوق المحلية بمختلف السلع والبضائع والمنتجات.

الآن أصبحت الساحة مفتوحة تماما لانتشار ثقافة الرعي والتصحر بمعناهما الواسع والعميق في الاقتصاد والثقافة ومنظومة العلاقات الاجتماعية. ومظاهر الرعوية والتصحر تتخذ أشكالا وسياقات وتجليات مختلفة ومتنوعة، بداية من التعليم والإعلام والثقافة والتصرفات والسلوكيات العامة والخاصة. لا يمكن أن نسردها كلها الآن، ولكن الحواري والأزقة والأحياء العشوائية، والقرى والنجوع وأطرافهما، تشهد جميعها على بداية عصر التصحر في مصر. وكل شيء له مبرره في الدين، وفي التفسيرات العشوائية والشعوذة والثقافة الإقصائية الأحادية والمغامرات غير المحسوبة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا.

من الواضح أن هذه المرحلة قد تطول نسبيا. ولكن حسبة سنوات عشر أو عشرين ليست بالكثيرة أو الطويلة على طاقات كامنة قد تبدأ في مقاومة التصحر. لكن هذه العملية مشروطة بالفهم والإدراك والإحساس: فهم طبيعة النظام الديني الحاكم والثوابت التي ينطلق منها، وإدراك إمكانياته على الاستمرار والآليات التي يستخدمها بهذا الغرض، والإحساس بالمهانة والابتذال في كل شيء بنتيجة التلوث السمعي والبصري الذي يجري بشكل غير مسبوق في مصر. فالتحريض على العنف، وممارسته أيضا، ضد المرأة والأطفال، وممارسة العنف ضد المخالفين في الرأي والعقيدة والثقافة، ومنع الاحتفالات الثقافية والتحريض ضدها دينيا وقانونيا، وحرمان العمال من حقوقهم، وتملق التيارات الجهادية الإرهابية، وربط كل التصرفات والسلوكيات بالتفسيرات الدينية المشعوذة، بل وحتى وقوف البشر بين أكوام القمامة لممارسة أبسط حقوقهم في الحياة (وهو المشهد المرعب للفتيات والفتيان على كوبري قصر النيل في أيام الأعياد وغيرها، بينهم المحجبات والمنقبات وغيرهن) واعتياد المشهد العام كخرابة أو مقلب للقمامة وممارسة الحياة والوقوف فيه وكأنه عادي وطبيعي لا شكل له ولا رائحة – كل ذلك إن لم يلعب دوره كمحرض ومحرك، فمن الصعب أن نتحدث عن انتهاء مرحلة التصحر في القريب العاجل. ولكن فكرة المقاومة والوقوف في وجه المد الصحراوي المتخلف والرجعي يجب أن يبقيا على الأقل على رأس جدول الأولويات.

لكن الخوف كل الخوف أن يتم فرض نمط الحياة الصحراوي بثقافته وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يتمثل ليس فقط في الثقافة والسلوكيات والتصرفات، بل وأيضا في تقليص مساحة الأراضي الزراعية وإغلاق المصانع وانهيار الصناعات الصغيرة والمتوسطة أو انكماشها في أحست الأحوال، وانتشار الرعي كمهنة ووظيفة ومنهج تفكير ونمط حياة!

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية