أمريكا بين رومني الأغنياء وأوباما الفقراء

أمريكا بين رومني الأغنياء وأوباما الفقراء
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/598910/

تشغل الانتخابات الرئاسية الأمريكية اهتمام كل الأنظمة السياسية في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الكثير من الساسة والقادة والزعماء والمحللون والخبراء أن لا فرق كبير بين أوباما ورومني، انطلاقا من أن الولايات المتحدة تجاوزت حتى فكرة "دولة المؤسسات" وأصبحت بحد ذاتها "مؤسسة".

تشغل الانتخابات الرئاسية الأمريكية اهتمام كل الأنظمة السياسية في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الكثير من الساسة والقادة والزعماء والمحللون والخبراء أن لا فرق كبير بين أوباما ورومني، انطلاقا من أن الولايات المتحدة تجاوزت حتى فكرة "دولة المؤسسات" وأصبحت بحد ذاتها "مؤسسة". وبالتالي فالإدارة الأمريكية، أي إدارة امريكية جمهورية كانت أو ديمقراطية، لا تختلف سياستها عن مثيلتها الأخرى إلا في التفاصيل، بينما توجهات الأمن القومي والمصالح القومية والطموحات السيادية على الكرة الأرضية والفضاء المحيط بها واحدة لا تتغير كثيرا إلا في تفاصيل ومداخل ومقدمات تصل في النهاية بهذه الإدارة أو تلك لتحقيق الأهداف والطموحات التي تقوم عليها الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، علمتنا التجارب الانتخابية الأمريكية أن الأوضاع الداخلية تحديدا هي المحدد والموجه الأساسي للناخب الأمريكي الذي لا يهمه كثيرا ما يحدث في أفغانستان أو اليمن أو الصومال إلا بذلك القدر الذي يتعلق بوضعه المعيشي ورفاهيته ونمط حياته. لا شك أن وسائل الإعلام تلعب دورا في لفت اهتمام الناخب الأمريكي لأحداث ما تدور في شمال مالي أو البحرين أو ليبيا والعراق وسورية. ولكن في كل الاحوال يقوم (الأخ الأكبر) بحل العديد من القضايا نيابة عن المواطن الأمريكي الصالح. و(الأخ الأكبر) هنا هو نفسه الذي يتصرف أيضا في أحوال العالم بشكل مباشر أو غير مباشر وبهذا القدر أو ذاك. والأخيرة بالذات تعتمد على قوة المقاومة التي يلقاها الأخ الأكبر من هذه الدولة أو تلك. ولكنه في كل الأحوال، بنتيجة مرونته وتشابك مصالحه، يتمكن من إدارة الأمور للوصول إلى أهداف معينة قد تكون جزئية أو تكتيكية، وقد تكون شاملة واستراتيجية.

في لقاء مع نائب رئيس معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية فيكتور كريمنيوك، قال إن صراع أو تصادم باراك أوباما وميت رومني في الانتخابات الرئاسية يذكرنا بقوانين الصراع الماركسية. فهناك أمريكا الغنية.. أمريكا رومني، وهي أمريكا الأغنياء الذين لا يشعرون بعد بأي نتائج أو تداعيات للأزمة الاقتصادية، والذين يثقون تماما بأنفسهم ولديهم أجندة مختلفة تماما. وهناك أمريكا غير الغنية.. أمريكا الطبقة الوسطى، وبالذات الجزء الأسفل من الطبقة الوسطى. هؤلاء الناس الذين يعكس أوباما أحلامهم ورغباتهم وخيباتهم ومشاكلهم. المسألة هنا ليست فقط مجرد ذلك الصراع الواضح تماما بين شخصيتين سياسيتين.. بين هذا الرجل الغني جدا رومني، وبين ذلك الرجل الأسود الصاعد من وسط الشعب أوباما. بل وأيضا، يمكن أن نضيف تصادم النسختين الأمريكيتين على أرضية قضية حقيقية معقدة: كيف سنخرج من الأزمة الاقتصادية؟ هل سنخرج منها على حساب الأغنياء وإجبارهم على دفع الأموال وتسديد الفواتير، هذا أوباما، أم على حساب الفقراء وإجبارهم على دفع الأموال وتسديد فواتير لا تخصهم، وهذا هو رومني؟ هذا هو الصراع، وهو صراع جدي وخطير لأمريكتين. أمريكتان كانتا موجودتين على الدوام، وكانتا قادرتين على إيجاد لغة مشتركة وإمكانية للاتفاق. ولكن في المرحلة الحالية، وفي الظروف الراهنة، تبدو إمكانية الاتفاق غير كبيرة. وبالتالي فهناك الكثير والكثير الذي سيعتمد على من سيفوز في هذه الانتخابات.

نائب رئيس معهد الولايات المتحدة وكندا فيكتور كريمنيوك قال أيضا إن الحزبي، خلال الحملات الانتخابية للمرشحين الرئيسيين، تبادلا أدوارهما. فالحزب الجمهوري.. حزب البيزنس، وحزب رجال الأعمال يعتمد برنامج "امنح البيزنس إمكانية لعمل البيزنس"، وذلك من قبيل تخفيض الضرائب ومنح التسهيلات. وبعد ذلك سيقوم البيزنس بالباقي من حيث ظهور فرص عمل وظهور الأموال التي ستذهب فيما بعد للضرائب. هذا هو الموقف العام والمعروف للجمهوريين. ولكن قوة الحزب الديمقراطي تكمن دائما في أنه يعرف بشكل أفضل أين وكيف يمكن إنفاق الأموال، لأن أمريكا دولة غنية. والدول الغنية عادة ما تعاني من مشكلة، كيف يمكن إنفاق الأموال؟ الديمقراطيون في هذا الصدد ينفذون برامج من أجل الفقراء والأطفال والمهاجرين وحماية كبار السن. هذه هي البرامج التي يجيد تنفيذها الديمقراطيون. غير أن الأوضاع الآن مختلفة كثيرا، وبالتالي عليهم، في حال فوز أوباما، أن يقولوا لنا: كيف سيخرجون من الأزمة؟ هذه المشكلة غير اعتيادية بالنسبة للديمقراطيين الناعمين أو ذوي القفازات الناعمة. هنا يمكن أن نلمح جيدا هذا الحذر الشديد الذي يعتمده أوباما فيما يتعلق ببرنامج الخروج من الأزمة، وهو ما يعكس في الوقت نفسه انعدام الثقة الذي يظهر جليا على باراك أوباما. والأمريكيون يشعرون بذلك جيدا. إن أوباما يمثل الآن مخاطرة كبيرة بالنسبة للأمريكيين. فإما أنه قادر على تنفيذ برامج واقعية وحقيقية للخروج من الأزمة، أو على الأقل إعطاء وصفة واضحة ودقيقة للخروج منها. والأزمة كما نعرف، متعددة الطبقات والمستويات: مالية وسياسية واجتماعية، وأزمة جيل أمريكي جديد أيضا. بل ومن الممكن أن يجد أوباما، كما وجد روزفلت في زمنه، طريقا للخروج من الأزمة. وإما أن يفشل. هنا سنرى اضمحلال وتهاوي أمريكا..

هذه وجهة نظر تستحق الوجود وتعتمد على عامل الزمن مثل غيرها. ولكن الكثيرين، خارج أمريكا، ينتظرون ميت رومني على أحر من الجمر لحل مشاكل دولية وإقليمية بطريقة الكاوبوي. علما بأن حلول أوباما لهذه المشاكل لا تختلف كثيرا. إذ أن القفازات الناعمة والعبارات الفلسفية تلعب دور المخدر قبل العملية الجراحية التي تستخدم فيها المشارط والمقصات وكل الأدوات الجراحية الحادة والمريض في عالم آخر تماما. لكن هذه الانتخابات الرئاسية الأمريكية ليس لها علاقة لا بالمريض الليبي أو الأفغاني أو السوري أو الصومالي، بقدر علاقتها المباشرة بالمريض الأمريكي في الداخل والأزمة التي صنعتها سياسيات (الأخ الأكبر) في أمريكا وخارجها.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم