إبادة الحضارات القديمة على أيدي الخارج والداخل

أخبار العالم العربي

إبادة الحضارات القديمة على أيدي الخارج والداخل
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/598545/

مهما كانت تجربة الاتحاد السوفيتي من حيث الإيجابيات أو السلبيات، فقد شكلت لدرجات كبيرة رادعا جزئيا لتوحش رأس المال. وبسقوطها، سقطت ورقة التوت الأخيرة عن ضمير الوحش الذي كان مجبرا لأسباب كثيرة أن يستر بها عوراته التي تجلت في أبشع صورها مباشرة في العالم كله، وفي دول ومناطق الحضارات – الثقافات القديمة. هكذا صال وجال رأس المال المتوحش العابر للقارات مع بداية السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين بادئا بالعراق. والآن وصلت قاطرة العقاب إلى اليونان وأسبانيا مرورا بمصر وسورية. 

مهما كانت تجربة الاتحاد السوفيتي من حيث الإيجابيات أو السلبيات، فقد شكلت لدرجات كبيرة رادعا جزئيا لتوحش رأس المال. وبسقوطها، سقطت ورقة التوت الأخيرة عن ضمير الوحش الذي كان مجبرا لأسباب كثيرة أن يستر بها عوراته التي تجلت في أبشع صورها مباشرة في العالم كله، وفي دول ومناطق الحضارات – الثقافات القديمة. هكذا صال وجال رأس المال المتوحش العابر للقارات مع بداية السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين بادئا بالعراق. والآن وصلت قاطرة العقاب إلى اليونان وأسبانيا مرورا بمصر وسورية. 

لا شك أن أنظمة الحكم في دول مثل العراق ومصر وسورية، ويمكن إضافة دول مثل تونس وليبيا واليمن والسودان، كانت، ومازالت تحت أنظمة حكم رجعية استثمرت كل التحولات التي جرت في منتصف القرن العشرين لتفرض نمطا رجعيا استبدايا على شعوب تلك الدول: دول الحضارات والثقافات القديمة، بينما كانت الحضارة – الثقافة الغربية تسير على خط التطور الرأسمالي بمختلف حلقاته ووفقا لتطور كل دولة. وكان النموذج الأمريكي هو القاطرة الحقيقية لهذا المسار. 

تبدو المسألة لأول وهلة شكلا من أشكال الانتقام بسبب عقدة النقص التاريخية. فإذا كانت دول التطور الرأسمالي – العولمي قد وصلت إلى أبعد حدود التطور العلمي والتكنولوجي، وأرست منظومة من النماذج والأنماط الأدبية والفنية والفكرية، بل والحياتية، فقد ظلت عقدة الأب الحقيقي (الحضاري – الثقافي) موجودة في ضمير تلك الحضارة – الثقافة الغربية. هكذا تطورت هذه العقدة وترجمها الاقتصاد والاقتصاد السياسي تدريجيا إلى جملة من المبادئ والتوجهات التي أصبحت تقود السياسة الخارجية والآلة العسكرية معا للقضاء على الأب الذي يذكر دائما بأنه الأصل. 

الصورة السابقة مبتسرة قليلا أو تعميمية أو مجتزأة. فالواقع هو الواقع:ان دول التطور الرأسمالي – العولمي تقود العالم. لا يهم إلى أين تقوده، رغم أنه من الواضح إلى الآن أنها تقود نحو نوع مرعب من الدمار والإبادة الممنهجة لأن كل ما يهمها هو المكاسب والأرباح مهما خدعت نفسها ومواطنيها ومواطني الدول الأخرى الأقل تطورا بوثائق حقوق الإنسان وحق تقرير المصير للدول والشعوب والأقليات. على الجانب الآخر ومع ترسيخ أنماط الحكم الاستبدادي في دول الحضارات – الثقافات القديمة، أصبحت أنظمة الحكم فيها تابعة بحكم الولادة والنشأة، وبحكم الرغبة في الاستمرار بالسلطة. 

الملفت هنا أن شعوب دول النموذجين الأول والثاني باتت رهينة لا الدولة بكل توجهاتها الرأسمالية – العولمية المتوحشة، بل رهينة الشركات العابرة للقارات وطواغيت المال. بل ويمكن أن نؤكد هنا أن حكومات دول النموذجين صارت رهينة أيضا ولكن من نوع آخر. فهي تؤدي دور "القادة"، أو في أحسن الأحوال دور "الوسيط". ما يشير في كل الأحوال إلى أن مقولة رأس المال الجاهل أو الرأسمالي الجاهل أصبحت قديمة مثل العالم. فرأس المال العولمي يعرف طريقه جيدا، ويدرك أهدافه بلا تردد. وطواغيت المال أصبحوا يشكلون النخبة بمختلف أنواعها، بداية من الفنون والثقافات، وانتهاء بالصالونات المخملية والجوائز الثقافية والفنية والأدبية. قد لا نتفق مع مفهوم "النخبة" في هذه الحالة. ولكنها مع ذلك هي آخر ما وصلنا إليه من أشكال للنخب، لدرجة أنها بدأت تشكل أنماطا ونماذج للثقافة ولشكل الحضارة في الوقت الراهن. 

الآن نرى ما وصلت إليه الأوضاع في العراق وفي تونس وليبيا وسورية ومصر واليونان. لن نتحدث عن أثيوبيا والسودان واليمن، لأن الأوضاع هناك أيضا أسوأ بكثير.. ويبدو أنه لا يوجد أي أمل في الأنظمة السياسية، حتى تلك التي وصلت إلى السلطة على أكتاف البسطاء الذين ضحوا بحياتهم في بدايات الانتفضات المختلفة ضد الأنظمة السياسية. فعلى الرغم من أن الشعوب نجحت جزئيا في الإطاحة برؤوس الأنظمة القديمة المستبدة، إلا أن البديل – الديني الأكثر هرطقة واستبدادا واستمواتا على السلطة لا يرى أي غضاضة من استكمال مسيرة الأنطمة السابقة والاستحواذ على ثروات الدولة وعرق الشعوب دون أن يقدم أي شكل من البدائل أو الإصلاحات، إلا بعض الوعود المرصعة بجواهر الغيب والجنة والصبر واستخدام أسوأ ما في الموروث الشعبي والديني لإحكام قبضته تماما على الشعوب والسيطرة الكاملة على الثروة والسلطة واقتسام الغنيمة مع طواغيت المال في الداخل والخارج على حد سواء، مع الخضوع الاقتصادي والسياسي التام وفق المعادلات الدولية الجيوسياسية والأمنية التي ترتب الأوضاع وتمهد الطريق لرأس المال العولمي وطواغيت المال العابرين للشعوب والقارات. 

الأمل الوحيد المتبقي يبدأ من الشعوب وبها، وينتهي أيضا عندها. والشعوب كما نعرف ليست شيئا جامدا أو قطعة أرض مستوية وممهدة. بل بها الكثير من النتوءات والمنعطفات، أي تعاني الكثير من الأمراض والمشاكل والانقسامات بسبب التجريف الذي جرى لها طوال عشرات ومئات السنين على يد الأنظمة الاستبدادية وطواغيت المال. غير أن ما بدأ منذ عام 2011 في العديد من دول الحضارات – الثقافات القديمة لن يجعل أي سيناريو يمر بسهولة، ولن ترضى شعوب هذه الدول بأي رشاوى أو إصلاحات وهمية تُخَدِّم  مصالح طواغيت المال وتجار الديانات ورؤوس أموالهم. المسألة ببساطة أن الطريق لن يصبح ممهدا إلا عندما يشعر الكادحون والفقراء والمهمشون أنهم يضربون بالأحذية باسم الدين وباسم أمن الدولة ومصالحها العليا، وأنهم يصفعون على مؤخراتهم تحت غطاء الصبر ومنح الفرص الأخيرة للمستبدين واصحاب رأس المال، وأنهم يجبرون على تقبيل أحذية أسيادهم من الجنرالات والشيوخ والفقهاء وأصحاب اللحي تحت غطاء الحفاظ على لقمة الخبز ومستقبل الأولاد، علما بأن لا خبز ولا عمل ولا مستقبل للأولاد. هنا فقط سيضع الكادحون والفقراء والمهمشون وأطفال الشوارع أقدامهم الجافة الثقيلة على أول الطريق!

د.أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم