أشرف الصباغ يكتب: بداية ثورة جديدة ضد الإخوان في مصر، أم مجرد انتفاضة عابرة؟!

أشرف الصباغ يكتب: بداية ثورة جديدة ضد الإخوان في مصر، أم مجرد انتفاضة عابرة؟!
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/596990/

تحدث الي أحد أصدقائي من الذين شاركوا في جمعة 12 أكتوبر 2012 في ميدان التحرير. وفي الوقت الذي خرج فيه المصريون لأسباب كثيرة، من بينها حقوق الشهداء وأحكام القضاء التي برَّأت المتهمين في "موقعة الجمل" الشهيرة، واستيضاح كشف حساب الـ "100 يوم" التي وعد بها الرئيس الإخواني في مصر الدكتور محمد مرسي، خرج الإخوان المسلمون لهدف آخر تماما تفجرت مقدماته يوم الخميس عندما أعلن التلفزيون المصري وصحيفة الأهرام الحكومية الرسمية أن الرئيس عين النائب العام المستشارعبد المجيد محمود سفيرا لمصر لدى الفاتيكان.

تحدث إلىَّ أحد أصدقائي من الذين شاركوا في جمعة 12 أكتوبر 2012 في ميدان التحرير. وفي الوقت الذي خرج فيه المصريون لأسباب كثيرة، من بينها حقوق الشهداء وأحكام القضاء التي برَّأت المتهمين في "موقعة الجمل" الشهيرة، واستيضاح كشف حساب الـ "100 يوم" التي وعد بها الرئيس الإخواني في مصر الدكتور محمد مرسي، خرج الإخوان المسلمون لهدف آخر تماما تفجرت مقدماته يوم الخميس عندما أعلن التلفزيون المصري وصحيفة الأهرام الحكومية الرسمية أن الرئيس عين النائب العام المستشارعبد المجيد محمود سفيرا لمصر لدى الفاتيكان، ما يعني أن النائب العام استقال لأسباب خطيرة والرئيس قبل استقالته. واتضح أن كل هذا الكلام كان انعكاسا لصراعٍ دامٍ بين الإخوان ومكتب الإرشاد والرئيس الإخواني من جهة، وبين المؤسسة القضائية والنائب العام من جهة أخرى.

 قال صديقي بالعامية المصرية "أنا هحكيلك يا صاحبي الواقعة اللي اتعورت فيها.. كنا واقفين في الميدان في الطرف اللي قدام طلعت حرب.. مجموعات مختلفة اللي مع مرسي واللي ضده واللي مع الإخوان واللي ضد الإخوان.. وداير نقاش بين الناس وبعضها حوالين كل حاجة.. من مرسي والـ 100 يوم.. للحكومة.. للنائب العام.. لغيره. فجأة دخلت مجموعة شايلة صورة فيها وش، نصه لمرسي ونصه لمبارك. اتحركت المجموعة ووقفت قدام تجمع للإخوان وهاتك ياشتيمة، ورفعوا الجزم في وشهم وبعابيص بصوابعهم.. والتانين بدأو يهتفوا باسم مرسي وشعارات من بتاعتهم. شوية وخرجت كام طوبة من وسط المجموعة اللي شايلة الصورة وبدأ ضرب الطوب يزيد. وبعد كده المجموعة التانية ردت عليهم فجريوا والناس وقعت علي بعض ودارت المعركة وفضلت تزيد وتوسع.. صعب عليا وأنا شوفت دا أرجع وأقول إن العركة كانت من الإخوان أو إنهم ضربوا الناس.. والله رغم إنك عارف قد إيه أنا بكرههم وبكره تايخهم ومشاريعهم ومختلف معاهم من الألف للياء.. بس مقدرش مكنش حيادي قدام موقف شوفته بعيني.. كتير يا أشرف من فلول النظام دلوقت لابسين زي الثورة وبيتكلموا باسمها وكتير للأسف من القوي اللي كانت بتدعي إنها جزء من الثورة اتحالفت معاهم وبيشتغلوا لمصالحهم الخاصة والطائفية وبيحاولوا يجروا الناس لمعارك مش بتاعتهم"..

 هكذا انتهى حديثي مع صاحبي الذي أصيب في اشتباكات ميدان التحرير يوم الجمعة 12 أكتوبر. وأنا اعرف ان صاحبي صادق 100%. فأجبته بالعامية المصرية "اللي أنا عايز أقوله، إن إنت مش من دول ولا من دول، لكنك أصيبت!! شايف بقى المصيبة الكبيرة؟!! هو دا اللي إحنا بنتكلم عليه تحديدا.. فيه عركة بين الصفوف السفلى من الإخوان وبقايا نظام مبارك الممولين من رجال أعمال ومدعومين من قيادات أمنية. العركة دي بيسموها معركة عض أصابع بين الإخوان وبين بقايا نظام مبارك اللي مش عايزين يسلموا أو يتنازلوا عن امتيازاتهم المالية والاقتصادية لطواغيت المال الإخوان. يعني معركة بين عصابتين أوسخ من بعض ومفيش حد فيهم لا قادر ولا عايز يخلص على التاني.. مين بقى اللي ضايع في الموضوع؟! أكيد إحنا وكل البسطاء والنخب المخلصة والرافضين لحكم مبارك وحكم الإخوان"..

 كل ما هنالك أن هناك شرائح ضخمة تتشكل الآن في مصر لا تريد عودة حكم مبارك، وترفض أيضا حكم الإخوان المسلمين. وبدأت تجري تحالفات بين القوى السياسية لتعبر عن هذه الشرائع التي تتزايد باطراد ملحوظ. هذا الأمر بدأ يثير قلق مكتب الإرشاد وجماعة الإخوان المسلمين، ويدفع الرئاسة المصرية إلى اتخاذ قرارات تبدو عشوائية أو متخبطة، وتتراجع أحيانا عن قرارات، أو تسريبات يتضح فيما بعد أنها كانت قرارات رسمية ومراسيم رئاسية.

لكن الأخطر من كل ذلك هو أنه من الواضح أن سيناريو الرئاسة الإخوانية ومستشاريها ووزرائها لإبعاد النائب العام من منصبه هو أقرب السيناريوهات التي تم على أساسها الإطاحة بالمشير طنطاوي والفريق عنان. إذ تم تهديدهما بإراقة الدماء وتحويل الشوارع والميادين إلى مجازر. وبطبيعة الحال، لا أحد يعرف على يد من!! أقول إن ذلك أحد السيناريوهات القريبة من الواقع لكي نفهم ما يدور جيدا ليس فقط من أحداث متفرقة في غالبية مدن ومحافظات مصر، بل وأيضا في سيناء وعلى الحدود الغربية والجنوبية لمصر، وما كان يحدث أثناء الثورة من قتل وفقأ عيون. ولنفهم ما جرى بالضبط يوم الجمعة 12 أكتوبر في ميدان التحرير والشوارع المحيطة به. ولنفهم أيضا، وبشكل جيد، أن الآتي سيكون أصعب، لأن هناك خطة ممنهجة للانتقام من المصريين الذين انتفضوا وطالبوا بحياة كريمة وبالحرية والعدالة الاجتماعية، ورفضوا الوصاية العسكرية والدينية.

لنلاحظ أيضا أن إقالة طنطاوي وعنان، اللذين اختفيا تماما عن الأنظار، ترافقت مع مواجهات مسلحة في سيناء بين الجماعات الجهادية المسلحة وبين قوات الجيش والأمن. فأطيح أيضا برأس المخابرات العامة المصرية.. وتم تصعيد جيل جديد في المؤسستين العسكرية والمخابراتية لتدشين توجهات معينة لدى المؤسستين في علاقتهما بمؤسسة الرئاسة والنظام السياسي الجديد الذي يحكم البلاد.

لقد كشف النائب العام المستشار عبد المجيد محمود أنه تلقى اتصالات هاتفية حملت تهديدات له بصورة مباشرة وغير مباشرة وترغيبا له، للاستقالة من منصبه، مشيرا إلى أنه قد تم الاتصال به تليفونيا من جانب المستشارين أحمد مكي وزير العدل، وحسام الغرياني رئيس محكمة النقض السابق ورئيس الجمعية التأسيسية حاليا، حيث أبلغاه أنهما يتصلان به من مقر رئاسة الجمهورية. وأضاف المستشار عبد المجيد محمود أن وزير العدل أبلغه صراحة أن المظاهرات التي ستخرج في كافة محافظات مصر يوم الجمعة 12 أكتوبر 2012، سوف تطالب بإقالته من منصبه كنائب عام، وأنه أبلغه أيضا أنه يجب عليه أن يترك منصبه على الفور.

وأضاف النائب العام أن وزير العدل اقترح عليه العودة للعمل في المحاكم لحين تدبير منصب كريم له، خاصة وأنه لم يكن هناك سوى منصب رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وأنه (أي وزير العدل) يرفض هذا المنصب للنائب العام لأنه غير لائق له. وقال النائب العام أيضا إنه أبلغ المستشار أحمد مكي وزير العدل - خلال الاتصال الهاتفي الذي دار بينهما - رفضه القاطع والصريح لعزله من منصبه.. فما كان من وزير العدل إلا أن أبلغه بأن المستشار حسام الغرياني سوف يقوم بالاتصال للحديث معه في هذا الشأن.. وأكد المستشار عبد المجيد محمود أنه كرر على مسامع المستشار الغرياني رفضه التام لترك منصبه.. لافتا إلى أن الغرياني أبلغه بصورة حملت تهديدا مباشرا له بخطورة المظاهرات المرتقبة، قائلا له : "المتظاهرون من الممكن أن يتوفدوا على مكتبك وأن يقوموا بالاعتداء عليك على نحو ما جرى مع المرحوم المستشار عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة الأسبق".

هذه فضيحة تستوجب إما تقديم وزير العدل ورئيس الجمعية التأسيسية استقالتيهما، أو قيام رئيس الدولة (حيث استخدما مقر الرئاسة لارتكاب أعمال مخالفة للقانون والدستور) بإبعادهما من منصبيهما الرسميين. ولكن لأنها فضيحة، فلن يتم لا هذا ولا ذاك. ويمكن أن تصل الأمور إلى ما كان يحدث بين التلاميذ في الصفوف الابتدائية الأولى، أي: "طيب هاتلي دليل؟ إنت سجلت يعني المكالمة؟ عندك شهود؟"!!!! إن ما حدث هو فضيحة دستورية وسياسية من العيار الثقيل توضح مدى تغلغل منهج تفكير "العصابة" أو "المافيا" بين الشرائح الحاكمة أفرادا ومؤسسات. لكن الأخطر هنا هو استخدام الشارع (الطرف الثالث، الكائنات الفضائية، الأسلحة مجهولة الهوية، القطيع الذي لا يمكن التحكم فيه أو معرفة هويته التي عادة ما تكون واضحة إلا أن الجميع يتفق ضمنيا على أنه قطيع من الأشباح وفي النهاية يحصل المجرمون والقتلة والفاسدون على أحكام بالبراءة) والتلميح أو التصريح بالاعتداء الذي قد يتسبب في إراقة الدماء! وما حدث يوم الجمعة 12 أكتوبر يجعلنا نفكر كثيرا حول ما جرى منذ بداية الثورة وما يجري الآن في أنحاء مصر، وكيف تدار البلاد، وإلى أين يدفع بها الفكر المافياوي - اللاهوتي!

لقد أوضحت أحداث جمعة 12 أكتوبر أن المصريين على أول طريق الحرية والتحرر وبناء دولة حديثة بمجتمع مدني ودستور مواطنة علماني يليق بوجه مصر المتنوع الحضارات والثقافات والأديان. قد يكون الثمن فادحا لكي لا يفرط المصريون بعد ذلك أبدا في حرياتهم وحقوقهم. البعض عبر عن إدراكه لما جرى وما يجري بكلمات انفعالية من قبيل "لم أشعر بسعادة حقيقية منذ يوم 11 فبراير 2011 إلا في يوم 12 أكتوبر 2012 ميلادية (الجمعة 2 بابة سنة 6254 ف). لقد أدركت قيمة دماء الشهداء المصريين الذين ضحوا بأرواحهم ضد الاستبداد. في هذا اليوم تحديدا، فهمت أنهم أناروا لنا الطريق بأرواحهم لنكمل المسيرة من أجل القضاء على كل أشكال الفاشية والتخلف والظلامية والرجعية، ونعيد لمصر وجهها الحضاري المشرق. ومن أجل الكادحين والفقراء والمهمشين وابتسامات الأطفال والصبايا. فالمجد لشهداء مصر الذين دفعوا أرواحهم للقضاء على الاستبداد، والمجد لشباب مصر الذي سيقضي على الأفعى ويطهر مصر من الوباء.. فنحن لم ندفع بعد ثمن الحرية الغالية. ولابد أن يكون الثمن غاليا. والتاريخ لا ينسى أبدا من دفع حياته ثمنا لحريته وحرية الآخرين. فما بالنا بشعب يملك ذاكرة 7 آلاف عام"..

هكذا عبر البعض بانفعالية عن فهمه وإدراكه لما حدث ويحدث.. وهناك من يحذر من ما يسميه المصريون "الغلوشة"، أي التعتيم وخلط الأوراق وتغييب القضايا الحقيقية. ويرى أنه لا ينبغي أبدا اختراع أوهام والقيام بمحاربتها، أو الانشغال بمعارك جانبية على أمور تافهة مع الإخوان والسلفيين وتجاهل أمور أساسية مرحلية من قبيل أحكام البراءة التي صدرت بحق متهمي موقعة الجمل، والفساد، والقصاص للشهداء، والحريات المدنية، وإسقاط الجمعية التأسيسية، ورفض الدستور الإخواني، والعدالة الاجتماعية، والمجتمع المدني، ودستور المواطنة!!

د. اشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم