التحريض على العنف ضد المرأة في مصر بين هرطقة السلفيين وبرجماتية الإخوان

أخبار العالم العربي

التحريض على العنف ضد المرأة في مصر بين هرطقة السلفيين وبرجماتية الإخوان
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/595410/

من الصعب أن نتحدث عن حرية المرأة بمعناها الاجتماعي والسياسي قبل 25 يناير 2011 في مصر. فقد كان النظام السياسي، والمجتمع بشكل عام، يمارسان لعبة الازدواجية والانتهازية في التعامل مع المرأة. وكانت وسائل الإعلام تقوم بتجميل وتسطيح وجود المرأة وكينونتها من أجل حصول النظام السياسي على المعونات المالية من المؤسسات الدولية وتنال رضاء الغرب والأمم المتحدة. خلاصة القول أن المرأة في مصر، والدول العربية والإسلامية عموما، كانت ولا تزال تقع بين فكي كماشة النفاقين الاجتماعي والتشريعي.

من الصعب أن نتحدث عن حرية المرأة بمعناها الاجتماعي والسياسي قبل 25 يناير 2011 في مصر. فقد كان النظام السياسي، والمجتمع بشكل عام، يمارسان لعبة الازدواجية والانتهازية في التعامل مع المرأة. وكانت وسائل الإعلام تقوم بتجميل وتسطيح وجود المرأة وكينونتها من أجل حصول النظام السياسي على المعونات المالية من المؤسسات الدولية وتنال رضاء الغرب والأمم المتحدة. خلاصة القول أن المرأة في مصر، والدول العربية والإسلامية عموما، كانت ولا تزال تقع بين فكي كماشة النفاقين الاجتماعي والتشريعي. غير أن الأوضاع تدهورت بشكل سافر بعد 25 يناير 2011 واكتملت حلقاتها السوداء بمجيء تيار الإسلام السياسي إلى السلطة وخروج التيارات السلفية من جحورها وإطلاق يدها في الشوارع ووسائل الإعلام. هنا من الصعب المفاضلة بين ما قبل وما بعد يناير 2011، لأن ما قبله كان يمارس القهر على المرأة وعلى المجتمع بشكل عام تحت مسميات خاصة به. وما بعده يمارس نفس القهر تحت مسمياته الدينية والطائفية والعنصرية. بل امتدت الأمور لتكشف عن شعوذة وأمراض جنسية وعقلية تكاد تمتد إلى نصوص الدستور الذي لا يزال يكتب على أيدي أعضاء جمعية تأسيسية عليها علامات استفهام كثيرة!! وتتوالى الاستقالات منها يوما بعد آخر.

المرأة في مصر تواجه الآن واحدة من أكبر المحن في التاريخ، لأن التربة السياسية والإعلامية في ظل حكم الإسلام السياسي أصبحت ممهدة تماما للعودة إلى الوراء تحت راية الدين والسنة والأخلاق، ودعاوى الاختلاف عن الغرب والحفاظ على العادات والتقاليد.. بل ووصل الأمر إلى بذل كل الجهود الممكنة لتمرير ما يسمى بـ "قانون ازدراء الأديان" على المستوى الدولي. ولا أحد يعرف بالضبط أي أديان! وهل المقصود بذلك هو الدين الإسلامي فقط، أم الديانات التي يعترف بها المسلمون! أم جميع الأديان التي يعتنقها كل سكان الكرة الأرضية!! ولماذا أصلا "قانون ازدراء الأديان" وليس "قانون ازدراء العقائد والثقافات"، وما هي حدود هذا القانون، وهل سيتعارض مع حرية الفكر والإبداع أم لا؟!!

في خضم كل هذه الترهات والمهاترات، نرى فتاوى تطالب بإقرار سن زواج المرأة من 8 سنوات لأي رجل في أي سن وإمكانية استمتاع الرجل بها وبجسدها كما يحلو له إلى أن تأتيها الدورة الشهرية، وأن المرأة غير المختونة ناقصة الإيمان، وأن المرأة لا يحق لها أن تتولى منصب القاضي ومناصب أخرى. هذه الدعاوى والفتاوي والمطالب تقترن بممارسات على أرض الواقع من قبيل التضييق على النساء في فرص العمل والهجوم على مدارس الفتيات (كما حدث في مدرسة الإمام علي في مدينة رفح) والتحرش بالسيدات في الشوارع والمواصلات العامة، ومحاولات تسييد أنماط معينة من الملابس ومنح صاحباتها فرص أكبر للعمل والظهور الإعلامي. كل ذلك مقدمة خطيرة لممارسة العنف المباشر في وضح النهار ضد كل المواطنين عموما، وضد المرأة بشكل خاص. وهو أيضا مقدمة لمنح مجموعات دينية محددة الحق في التأديب والتهذيب ودخول البيوت والتفريق بين الأزواج ومعاقبة المواطنين في الشوارع كما حدث أكثر من مرة وأسفر ذلك عن إزهاق أرواح في وضح النهار..

لا شك أن تزويج الفتيات القصر شكل صارخ من أشكال التحريض على ممارسة العنف ضد المرأة على المستوى الجسدي والنفسي. وربط إيمان المرأة بجسدها شكل من أشكال ممارسة العنف الروحي والثقافي والنفسي ضدها. والخطير في هذه الدعوات والفتاوى أن أصحابها يحاولون تمريرها في نصوص الدستور مبررين ذلك بأحاديث دينية وبأنها عودة إلى السنة المحمدية. لدرجة أن هناك مطالب بإحالة هؤلاء الأشخاص إلى المحاكمات بتهمة ازدراء النبي وازدراء الإسلام والتحقير من شأنه. بل وترتفع أصوات النخب حاليا في مصر بضرورة إنقاذ الدين الإسلامي من التشويه. ولكن الفضائيات الدينية لا تبالي بأي شيء وتواصل دعواتها للتحريض على العنف والتمييز ضد النساء تحت راية الدين والسنة. 

مثل هذه الدعاوى والفتاوى والمطالب أصبحت جزءا من الممارسات اليومية لتيارات إسلامية كثيرة في المساجد والفضائيات والصحف. البعض يرى أن التيارات السلفية هي التي تقوم بذلك بعد أن أفسح لها النظام السياسي الديني - الإخواني المجال الإعلامي والدعوي. وأرجع ذلك إلى أسباب كثيرة من بينها، أن الإخوان لا يستطيعون بالفعل التحكم في التيارات السلفية أو السيطرة عليها بعد أن أطلقوها. وكذلك إلى خوف الإخوان من احتجاجات التيارات السلفية، وبالتالي خسارة أصواتهم في أي استفتاءات أو انتخابات مقبلة. والأخطر، هو أن الإخوان ونظامهم السياسي يحاولون استثمار سقطات السلفيين وممارساتهم وشعوذاتهم وفتاويهم المخالفة لكل الأعراف الإنسانية للمفاضلة بين الإخوان والسلفيين بهدف البقاء في السلطة والاستيلاء الكامل على مفاصل الدولة، والتغطية على الاحتجاجات العمالية، والفشل في إحقاق أبسط الحقوق الاجتماعية والتشريعية والسياسية. 

هكذا يغمض النظام السياسي الديني – الإخواني في مصر عينيه عن ممارسات السلفيين وفضائياتهم وتحريضهم على العنف ضد المرأة، وكل ذلك من أجل إحكام قبضة مكتب الإرشاد على السلطة من جهة، وتمرير الدستور المعيب من جهة ثانية، وعدم الصدام مع الجماعات الجهادية المسلحة من جهة ثالثة. وفي الوقت نفسه يعتمد الإخوان المسلمون خطابا ديماجوجيا استسهاليا لإقناع الغرب بتقديم المساعدات والقروض والاستثمارات، ويقدمون وعودا وتعهدات خادعة ومماطلة للمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان عموما، وحقوق المرأة على وجه الخصوص. غير أن محاولات تمرير الدستور حاليا تمر بمصاعب ومواجهات ليس فقط مع النخب والأوساط القانونية والتشريعية، بل مع أعضاء الجمعية التأسيسية ذاتها. إذ قدم البعض استقالته من هذه الجمعية متهما إياها بالخضوع التام لتنظيم الإخوان المسلمين ومكتب إرشاده وبأنها تسعى إلى تصفية الثورة ومطالبها، وبأنها تعمل على تمكين الإخوان المسلمين من مستقبل مصر وإدخال البلاد ضمن تحالفات تضر بالأمن القومي وبالمصالح القومية لمصر. وبدأ البعض الآخر من أعضاء الجمعية البارزين بفضح ممارسات تيارات الإسلام السياسي التي تسيطر على الجمعية، والكشف عن الأسس التي تم على أساسها اختيار الأعضاء بالمحاصصة السياسية وعدم تمثيل الجمعية التأسيسية لكل فئات الشعب وشرائحه الاجتماعية والسياسية والدينية.. 

وإذا كان انسحاب الكاتب علاء الأسواني من صفوف المساندين للرئيس الإخواني في مصر، وتصريحاته عن خيبة أمله في الرئيس والنظام السياسي، يذكرنا بتصريحات الكاتب الروسي فالنتين راسبوتين بشأن انسحابه من فريق الرئيس السوفيتي الأول والأخير ميخائيل جورباتشوف، فغالبية المثقفين الذين اجتمعوا مؤخرا بالرئيس الإخواني في مصر خرجوا من اللقاء بخيبة أمل وامتعاض شديدين، إذ أدركوا أنهم استُخدِموا لشرعنة النظام الديني الجديد، وهمس الكثيرون منهم أنهم اكتشفوا أثناء اللقاء أن الأمور اختلطت عليهم وأصبحوا لا يعرفون بالفعل من يحكم مصر ومن يديرها من وراء الكواليس.. 

على هذه الخلفية القاتمة تماما، تتواصل دعاوى التحريض على العنف والتمييز ضد المرأة وتدمير روحها وجسدها باسم الدين والعادات والتقاليد. وتدور صراعات، إن كانت وهمية ومصطنعة، فهي أيضا تبث العنف الاجتماعي والديني وتعلي من شأن التخلف والظلامية. كل ذلك يترافق مع حملة تشويه للدين الإسلامي من المحرضين أنفسهم وتشويه وازدراء للرسول وللمبادئ الأساسية للدين الإسلامي، ومحاولات قصر كل شيء على فهمهم للإسلام باعتباره الديانة الوحيدة التي يجب أن تتسيد. والأخطر أن جهودهم تتركز بشكل مَرَضي على الجنس ووأد كينونة المرأة وتقليص وجودها منذ ولادتها وقصره فقط على إمتاع سيدها الرجل بداية من سن 8 سنوات بعد تشويهها جسديا وروحيا لكي تكون مكتملة الإيمان لتلبية الرغبات المريضة والشذوذ العقلي والجنسي!!

إن التحريض على العنف والتمييز ضد المرأة في مصر تنفذه التيارات السلفية ويستثمره تنظيم الإخوان المسلمين. بينما مكتب الإرشاد والرئيس الإخواني يستخدمان خطابا ديماجوجيا لتضليل المصريين والمجتمع الدولي وخداع المؤسسات الدولية المانحة للحصول، ببساطة، على المساعدات والقروض والاستثمارات. وبالتالي تصبح المرأة فريسة للهرطقة الدينية للممسوسين والشواذ من جهة، ومن جهة أخرى للنفاق الاجتماعي والتشريعي لسلطة دينية أبوية تحكم قبضتها ببرجماتية تامة على المجتمع المصري باسم الشرعية وصندوق الانتخابات..

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم