الرقص الثوري

أخبار العالم العربي

الرقص الثوري
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/593436/

كتب اشرف الصباغ :

إن أهم ما يخلفه الرقص السياسي والإعلامي حالة من التلوث البصري والسمعي وإفساد الذوق والوعي. وقد أضحكنا الكاتب الفرنسي (التشيكي الأصل) ميلان كونديرا في رائعته "البطء" على الراقصين السياسيين. على الجانب الآخر وقبل 100 عام أوجعنا فيودور دوستويفسكي في روايته القصيرة"مغامرات السيد جولاتكين " أو"القرين" التي كانت درسا نفسيا وروحيا في كيفية فهم الانتهازية والنفاق والوقاحة، سواء على مستوى الروح أو الضمير بكل معانيهما الأخلاقية والفلسفية.

إن أهم ما يخلفه الرقص السياسي والإعلامي حالة من التلوث البصري والسمعي وإفساد الذوق والوعي. وقد أضحكنا الكاتب الفرنسي (التشيكي الأصل) ميلان كونديرا في رائعته "البطء" على الراقصين السياسيين. على الجانب الآخر وقبل 100 عام أتحفناا دوستويفسكي بروايته القصيرة " مغمرات السيد جولاتكين " أو "القرين" التي كانت درسا نفسيا وروحيا في كيفية فهم الانتهازية والنفاق والوقاحة، سواء على مستوى الروح أو الضمير بكل معانيهما الأخلاقية والفلسفية. ولأن دوستويفسكي أكثر إيلاما، سنتركه مؤقتا لأن المصريين يفرحون ويحزنون ويأملون ويتوجسون في نفس اللحظة. وهم الآن أحوج من أي وقت مضى إلى الابتسامة والضحكة واختراع النكتة في مواجهة الرقص السياسي والإعلامي والاعتداءات الجسدية والنفسية المتكررة من جانب أى صاحب سلطة بداية من الغفير وانتهاء بحضرة الصول.

لقد كشف كونديرا عن توابع ومخلفات وتداعيات الرقص السياسي، ليس في أى بلد، وإنما في فرنسا تحديدا، فما بالنا بدولة مثل تونس أو مصر أو سورية! غير أن الرقص السياسي والرقص الإعلامي وجهان لعملة واحدة مصنوعة من ثقافة مزيفة. ومن ثم لا ينفصل الرقص الثقافي عن الرقص السياسي والإعلامي. لكن الوضع في مصر سياسيا وإعلاميا وثقافيا تجاوز كونديرا، وربما تكمن هنا بعض أسباب خفة الظل المصرية وقوة الاحتمال والصلابة الروحية التي تبدو - لمن لا يدرك- كأنها "تناحة" أو "تلامة". ولكنها في كل الأحوال ليست كذلك إطلاقا.

لقد تصور البعض أن الثورة قامت من أجل إبعاد الطغمة الفاسدة عن الحكم ومحاكمتها. وتصور البعض الآخر أنها فرصته التاريخية لتصفية حسابات ما سياسية أو إعلامية باسم الثورة. واعتبر البعض أن الثورة هي العصا السحرية التي ستحول مصر في لمح البصر إلى جنة، ومن ثم ستتغير أوضاعها بزاوية 180 درجة. في الحقيقة، الثورات تحتمل كل تلك التصورات وأكثر. ولكن كيف يمكن أن تتحقق هذه التصورات، والبنية التحتية للفساد والاستبداد قائمة ولم تهتز تقريبا؟! كيف يمكن تحويل مصر إلى جنة تتغير فيها أوضاع المصريين، والجهاز الإدارى كما هو بنفس العقلية وطريقة التفكير والمنهج والحقد وكراهية الثورة واحتقار أي تغيير والسخرية منه؟ كيف يمكن تحقيق أي شيء، والرقص السياسي والإعلامي والثقافي بدأ، مع أولى خطوات الثورة لتحقيق أبسط أهدافها، من اليسار واليمين ومن أعلى ومن أسفل وبنفس الطرق البليدة السابقة؟ كيف يمكن تحقيق أهداف الثورة أو الحفاظ على زخمها وامتدادها إلى العقل وبنية التفكير والعلاقات الاجتماعية، ووسائل الإعلام المملوكة للدولة وجدت سيدا جديدا تقوم على خدمته بنفس الأساليب البدائية البليدة؟

يبدو أن الجهاز الإدارى وبقايا تحالف رأس المال مع السلطة قد أدركت أن الوقت ليس لصالحهم، فبدأوا يتعجلون نتائج ما صنعته دماء وأرواح غيرهم من البشر. ومن ثم أصبحنا نرى رقصا سياسيا وإعلاميا وثقافيا أكثر بلادة من السابق. ظهرت نجوم جديدة صُنعت على عجل، بعضها وقع في الفخ بحسن نية، والبعض الآخر يريد الحصول على أي شيء. بعض هذه النجوم كان موجودا في السابق ولديه بعض المفردات المختلفة فأتوا به، والجزء الثاني صنعته وسائل الإعلام الجديدة - القديمة بنفس المعايير السابقة. وبات تغيير الوجوه يعني "التغيير العظيم" الذي يجب أن يؤمن به المواطن المصري البسيط كإحدى نتائج الثورة. ومن سيتردد أو يرفض الإيمان بما تطنطن به وسائل الإعلام الحكومية ومحللوها الشرعيون، فسيكون إما كافرا بالثورة وبدماء شهدائها (وفقا لتصورات وسائل الإعلام البليدة)، وإما كافرا بالله حيث لا خروج على طاعة أولي الأمر (وفقا للمحللين الشرعيين من أتباع تيار الإسلام السياسي)، وإما بلطجيا ومخربا ومناوئا للنظام العسكري الانتقالي أو لشخص ما فيه (وفقا للتصريحات أو الاتهامات المجانية التي يطلقها مسؤولون أبلد من الاتهامات نفسها).

لقد كانت السنوات العشرون الأخيرة من حياة النظام السابق اختبارا تاريخيا في المجالات السياسية والإعلامية والثقافية، حيث قامت بفرز نادر عرّى الراقصين تماما، وأكد في الوقت ذاته صحة موقف الذين حافظوا على البنية المعرفية (سياسيا وإعلاميا وثقافيا) للعقل المصري، فرفضوا المناصب والجوائز (الرشاوي)، ورفضوا المشاركة في ألعاب السيرك (الرقص السياسى والإعلامي والثقافي). فهل يتصور أحد، وبالذات بسطاء المصريين، أن أحوالهم ستتغير هكذا بسهولة، وهناك عملية خلط متعمدة يقودها الراقصون السياسيون والدينيون، وتزييف واسع النطاق تقوم به الآلتان الإعلامية والثقافية للتخديم على الراقصين السياسيين الجدد-القدامى؟ أم نكتفي بهذا القدر من الثورة لأننا تعبنا والحياة تكاد تتوقف، كأنها كانت سائرة في عهد النظام السابق؟!

إن تبادل الأدوار، وتبديل الوجوه، وانتحال صفات المعارض السابق، والاستيلاء على أدوار الآخرين الذين حافظوا على العقل المصري طوال عشرات السنين – كل ذلك يقودنا إلى "قرين" دوستويفسكي، حيث الوجع والألم والمرارة والرغبة في الصراخ. بل إلى الصراخ الذي لا يمكن أن يسمعه أحد لأنه مثل صراخ الأحلام. ولكن عندما سيكون لهذا الصراخ صوت مسموع، سنكون قد وصلنا إلى درجة الإحساس. 

هنا من الصعب تجاوز "الأنفس الميتة" لنيقولاي جوجول. وقد تكون هذه الرواية الأكثر تعبيرا عن النقاط السوداء في أعمق أعماق الروح البشرية عموما، وأرواح ونفوس النخب التي تمتلك القدرة على المتاجرة بكل شئ. وإذا كان الأدب الفرنسي والإنجليزي والأمريكي واللاتيني قد أعطى أمثلة على الانتهازية والنفاق والاستبداد والتجارة بآلام البشر في ظروف معينة، فالأدب الروسي في واقع الأمر جسد تلك النقاط السوداء وتمكن من جعلها أيقونة تحذر وتقاوم وتسخر من هذه النماذج طوال قرون عديدة ماضي، وآتية أيضا، طالما هذه الظلال البشرية تحيا وتعيش بيننا.

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية