موسكو كما عرفتها

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/31300/

صديقي كان عراب هذه التجربة الغنية في حياتي، بدأ ذلك بعد ان اخبرني عن نية روسيا في اطلاق قناة فضائية تنطق بالعربية ، فأرسلت سيرتي الذاتية. كان ذلك في الربع الاول من عام 2006 ، واندلعت الحرب الاسرائيلية الثانية على لبنان في يوليو/تموز من العام نفسه، وبسبب تغطيتي لهذه الحرب الضروس، اجلت قدومي ثلاث مرات، أصدقكم القول ان روسيا لم تكن في يوم من الايام على قائمة البلدان التي انوي زيارتها...

صديقي كان عراب هذه التجربة الغنية في حياتي، بدأ ذلك بعد ان اخبرني عن نية روسيا في اطلاق قناة فضائية تنطق بالعربية ، فأرسلت سيرتي  الذاتية. كان ذلك في الربع الاول من عام 2006 ، واندلعت الحرب الاسرائيلية الثانية على لبنان في يوليو/تموز من العام نفسه، وبسبب تغطيتي لهذه الحرب الضروس، اجلت قدومي ثلاث مرات، أصدقكم القول ان روسيا لم تكن في يوم من الايام على قائمة البلدان التي انوي زيارتها.
عند مدخل بناية " استوديوهات العاصمة " في القدس الغربية  حيث كنت أعمل، كان يقف هناك حارس روسي من اصول يهودية، تبادلنا الحديث باللغة العبرية وأخبرته بنيتي الذهاب للعمل في موسكو، فاستهل حديثه بترويعي من هذا البلد المجهول بالنسبة لي، بدا وكأنه يعطيني شريطا من الصور النمطية " الستيريو تايب" عن بلد وشعب يعرفهما لمدة طويلة.
وراح يلقي علي تعليماته ووصاياه العديدة.
لا تركب  مترو الانفاق  في ساعات الذروة، حتى لا تتعرض للسرقة.
لا تضع محفظتك في الجيب الخلفي لبنطالك
لا تخرج مساء، فقد تتعرض للاعتداء بسبب ملامحك الشرق أوسطية وشعرك الاسود.
اياك وبنات موسكو فقد يكلفنك الكثير .. مالا .. جهدا.. واستنزافا.
لا تساعد احدا في الشارع ، ولا تفتح باب شقتك لغريب.
فكرت كثيرا في أقوال هذا الحارس وبدأت أشعر وكأني ذاهب الى  حتفي بمحض ارادتي ، ما الذي سأفعله هناك؟ أسئلة كثيرة ، لكنني حسمت أمري في الذهاب الى موسكو.
في الثاني من أيلول سبتمبر 2006 حطت بي الطائرة في مطار شيرميتيفو الدولي  بموسكو  قادمة من عمان ومع اولى خطواتي على أرض المطار بدأت دقات قلبي تتزايد هلعا من المجهول المرتبط بوصايا ذاك الحارس .
قبلها اطمأن قلبي في مطار عمان الدولي حيث تعرفت على شابة روسية حسناء تسكن مدينة جميلة قريبة من البحر الاسود جنوب روسيا هي مينرالنية فودي (المياه المعدنية).
شربنا القهوة في المطار وانتقلت للجلوس معي في الطائرة وتبادلنا الحديث حوالي أربع ساعات كانت عنوانا لمرحلة جديدة في حياتي وبداية التشكيك بوصايا ذاك الحارس.
وصلت الى موسكو وبدأت هذه المدينة الكبيرة بمساحتها وشوارعها تأخذني الى اعماقها شيئا فشيئا، زرت المحطة الموعودة وبدات انا وزملائي باخذ دروس الروسية للمبتدئين ، وبما اني أدمن القهوة في بلد يفضل أهلها الفودكا أصبحت في الايام العشرة الاولى زبونا يوميا في كافيه شوب "كافيه هاوس"، عشرة أيام ذكرتني بذاك الحارس، بعد ان شربت فنجان القهوة الاول مع كعكة الجبن، طلبت كابوتشينو، فجاءتني ويا ليتها لم تأت به، لقد رسم الشاب الأشقر الذي حضّر القهوة صليبا معقوفا على سطح المشروب، لم اتمالك نفسي غضبت غضبا شديدا، وطلبت من النادلة تفسير ذلك، لم تستطع الاجابة، طلبت المدير وقدمت احتجاجا شديد اللهجة وقلت له أنتم الروس عانيتم كثيرا من اصحاب هذا الشعار، لم أشرب ولم أدفع ولم أعد الى ذاك المقهى أبدا.
هي المرة الاولى التي أشعر فيها بعنصرية واضحة مقيتة، أن تشعر بأنك غير مرغوب فيك، للونك، للغتك، أو حتى لسواد شعرك أو لربما لسمرة بشرتك ، لم يهبني الله عينين زرقاوين او شعرا املس أشقر،ولكن تبين ان ذلك  ليس ظاهرة عامة.
مضت الايام تباعا، وانطلقت القناة نحو الفضاء الفسيح تبحث عن موطئ قدم تزاحم فيه كبريات الفضائيات.
اخبرت أهلي بقولي: ان بقيت هنا ثلاثة اشهر فهذا انجاز عظيم، مرت، وتلتها ثلاثة اخرى، ثم تضاعفت حتى بت لا أستطيع مفارقة هذه المدينة التي اجتذبتني بسعتها وجمالها ومتاحفها وحدائقها الغناء وطبعا بحسناواتها اللواتي تصيب سهامهن القلوب.
الروس اناس طيبون يحبون الضيف ويكرمونه ويقدمون له المساعدة ان احتاجها، رغم وجود قلة لا ترحب بالاجنبي كأي دولة اخرى فيها اولئك الذين من يدّعون القومية والوطنية زيفا، ويجدون في المدن الكبيرة وتحديدا العواصم، أرضا خصبة لتفريغ عجزهم.. ضد الاجانب.
موسكو مدينة جميلة تتنسم في شوارعها عبق الماضي والحاضر ، متاحفها مبانيها ، كنائسها ومساجدها تشهد على ثقافة عريقة غنية أصيلة وتعايش مشترك بين الديانات والقوميات المختلفة. ادعوكم لزيارتها فكلما رأيتموها احببتموها وطلبتم المزيد من البقاء فيها.  وان لم تستطيعوا ان تفعلوا فمروا بها كما مررت بها وأحببتها ولم أرد الرحيل عنها... تلك هي موسكو.

عصام بدران

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)