أسد الصحراء.. الرئيس الذي لم يمكث طويلا!

أخبار العالم العربي

أسد الصحراء.. الرئيس الذي لم يمكث طويلا!علي ولد محمد فال
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/it09

توفي الرئيس الموريتاني الأسبق (2005- 2007) إعل ولد محمد فال ، اليوم الجمعة، إثر أزمة قلبية.

ويرتبط اسم الراحل بتجربتين فقط في العالم العربي نالتا علامة الصدق الكاملة في تسليم السلطة من رئيس عسكري إلى رئيس مدني، السودان عندما خرج عبد الرحمن سوار الذهب بعمته وهدوئه من باب الرئاسة مسلما السلطة إلى أحمد الميرغني، وموريتانيا عندما لوح علي ولد محمد فال بيده مودعا القصر الرمادي لساكنه الجديد سيدي ولد الشيخ عبد الله.

لم يعمر خليفتا الرجلين، فقد انقلب الرئيس السوداني الحالي عمر البشير على الميرغني ذات نهار قائظ في أواخر يونيو عام 1989، وانقلب الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز على سيدي ولد الشيخ عبد الله في يوم مماثل الطقس مطلع أغسطس عام 2008..

يقول عارفون بالرجلين إنهما ندما على ترك السلطة، ويقول التاريخ أنهما تركاها طواعية وقد كان بيدهما أن يمكثا، ولا يطيق المنتمون إلى الأغلبية في البلدين اعتبار فعلهما بطولة.. تشابهت أقدار موريتانيا والسودان كثيرا، في سالف الأيام، واليوم.

ولد العقيد اعل ولد محمد فال عام 1952 في عشرية عنوانها الحراك السياسي في فرنسا ما وراء البحار كما وصفت في القاموس السياسي الفرنسي، كان الاستعمار حينها يلملم متاعه وبقية أفراده في إفريقيا على الوقع الصاخب لحركات التحرر التي أعلنت الاستقلال هدفا لا عودة عنه.

عندما استقلت موريتانيا عن فرنسا عام 1960 كان الفتى اليافع علي ولد محمد فال قد دخل لتوه المدرسة الابتدائية، وكمن يسابق نفسه والتاريخ لم يكد يكمل تكوينه العسكري بين كل من فرنسا والمغرب حتى استدعي على عجل ليكون أحد أبرز الضباط المشاركين في حرب الصحراء.

بجيش بسيط العدد لم يأخذ بعد قوامه وعدته قاد ولد محمد فال عمليات عسكرية كبيرة لصد جبهة البوليزاريو وقد كانت توشك على الإغارة على العاصمة نواكشوط متوغلة في موريتانيا نحو ثمانمائة كيلومتر جلها فياف قفار، لقب حينها بـ"أسد الصحراء"، وحكى عنه رفاق سلاحه قصص بطولة لم يحكها مقاتل عن رفيقه.. لا حرب في الكون بلا أبطال.

بعد أعوام ثلاثة كان علي ولد محمد فال أحد الضباط الذين أسقطوا نظام الرئيس الموريتاني المؤسس المختار ولد داداه في انقلاب أبيض، لتدخل البلاد مرحلة من عدم الاستقرار في الحكم انتهت بأن تؤول الأمور إلى المقدم محمد خونه ولد هيداله الذي حكم البلاد نحو أربع سنين.

صبيحة الثاني عشر من ديسمبر 1984 كان ولد محمد فال أحد ضباط اللجنة العسكرية للخلاص الوطني التي أعلنت إنهاء فترة حكم المقدم محمد خونه ولد هيداله ووعدت بعد ذلك بالتعددية السياسية والتناوب السلمي على السلطة.. لم يلبث العقيد علي ولد محمد فال أن عين مديرا عاما للأمن الوطني أمضى فيها كل عمره مع الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

شابت مفارق علي ومعاوية وهما في موقعيهما، واضطربت أوضاع موريتانيا التي استحكمت فيها القبضة الأمنية وساءت أوضاع الحريات العامة وحقوق الانسان، واهتزت أركان النظام الحاكم إذ ذاك بمحاولات انقلابية كانت أكثرها صخبا تلك التي خرقت صمت فجر الثامن من يونيو 2003 على يد مجموعة من ضباط الصف الثاني في الجيش.

ترنح معاوية كثيرا قبل أن يستعيد زمام الأمور، ورأى رفاقه في عينيه غضبه.. لذا وفي صبيحة الثالث من أغسطس عام 2005 أعلن كبار الضباط في الجيش تشكيل المجلس الأعلى للعدالة والديموقراطية، وجاء البيان الأول معلنا تعطيل العمل بالدستور والعمل على فترة انتقالية مآلها الديموقراطية، مهرت أولى التفاصيل باسم رئيس المجلس العقيد علي ولد محمد فال.

قدر أغلب البلدان العربية أن تكون أشهر القيظ الثلاثة يونيو، يوليو، وأغسطس مواسم الانقلابات والحروب، قدر لم يتقادم مع الزمن.. انقلب الضباط الأحرار على الملكية في مصر في يوليو وانقلب العسكر في موريتانيا على ولد داداه فيه، ثم عاشت موريتانيا آخر انقلابين في أغسطس.. حتى ثورة الفاتح المجيدة التي غنى عليها القذافي طويلا في ليبيا، كانت فقط في انتظار أن تتم أيام أغسطس، لتكون فاتح سبتمبر.. كانت كذلك لأن القذافي لا يشبه غيره!.

في هذه اللحظات كان قائد الطائرة الرئاسية الموريتانية قد أقلع قبل قليل من مطار الملك خالد بالعاصمة السعودية الرياض قافلا إلى موريتانيا بعد أن أدى الرئيس معاوية ولد الطايع واجب العزاء في رحيل الملك فهد بن عبد العزيز، سمع الربان في إذاعة فرنسا الدولية على الموجة الطويلة أن انقلابا قد وقع، فأبلغ على الفور مدير ديوان الرئيس والذي أبلغ الرئيس بدوره.. لم يزد معاوية على أن سأل: وهل سلم منهم علي؟ معتقدا أن الانقلابيين قد ألحقوا به أذى. عندما فهم ولد الطايع أن عليّا هو من يقود الانقلاب طلب من مدير حرسه أن ينزع من الحرس أسلحتهم الشخصية، واستغرق في صمت طويل..

عندما هبطت به الطائرة في نيامي عاصمة النيجر، سمع الموريتانيون صوت ولد الطايع على أثير إذاعة فرنسا مستعيرا المقولة المنسوبة إلى فولتير: "إلهي اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم".

لم يقابل علي أو "اعلي" كما تنطق محليا في موريتانيا، اعتراضات دولية تذكر، إذ أن جو الاحتقان الذي كان سائدا في آخر عهد ولد الطايع، ومآخذ بعض القوى الكبرى عليه، ووعود المجلس العسكري القادم لتوه بأن لا يطيل في الحكم، كلها أسباب أعادت الثقة جزئيا في موريتانيا وأعادتها بعد ذلك كليا عندما سلم العسكر السلطة إلى أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد.. ينظر الموريتانيون اليوم إلى تلك اللحظة التي توجت فترة انتقالية حيوية نظرة رومانسية ويعتبرون أنها أجمل ما في تاريخ البلاد المعاصر.

لم يسلم الرئيس الأسبق علي ولد محمد فال من الاتهامات بتورطه في منظومة أمنية عذبت المعارضين السياسيين وزجت بهم في السجون والمعتقلات، ولا من اتهامات الفساد الكبرى، ولم يرد كثيرا على أغلب تلك الاتهامات.. كيفها مؤيدوه بأنها كيدية للنيل منه بعد أن عارض انقلاب الرئيس ولد عبد العزيز ونظام حكمه، وأحجم عن الخوض فيها بعيدا بعض مؤيدي ولد عبد العزيز لانحدار الرجلين من نفس العائلة، وبينهما اتهم البعض وأعلن البراءة آخرون.

توفي الرئيس الأسبق علي ولد محمد فال ظهيرة الخامس من مايو الجاري في بوادي تيرس الزمور شمالي موريتانيا حيث كان يتفقد قطعان إبله، وهو أمر درج عليه الموريتانيون في التعلق بالبوادي والفلوات مهما علت بهم المراتب والمناصب، والرئيس الراحل أحد مثقفي البلد وأوسع رجالاته علاقات دولية، أقرب أصدقائه الشخصيين الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك.

حين وفاته خالج الموريتانيين شعور مختلط، فقد كان الراحل أحد رجالات السياسة والأمن، وله فيهما صفحات تختلف حسب كل عين، بيد أن الغالبية آثرت إطلاق حملة "سامحوه" تبرئة للذمم، راق الأمر نفوس غالبية الموريتانيين وأثار استغراب غيرهم، لكنهم سامحوه على كل حال.

هل يفعل الناس الأمر ذاته لو أنه غادر الحياة وهو لا يزال رئيسا؟ من يدري!

محمد ولد بدين